حدث في عام 1992 في نيجيريا، أن قام أحد العاملين بمجال الترفيه، ويدعى «كينيث نيباو»، بحمل كاميرا فيديو رقمية والشروع في تصوير فيلمٍ طويل يتجاوز الساعتين ونصف الساعة. «كينيث» الذي لم يمتلك وقتها إلا خبرته بمجال الترفيه بالإضافة إلى شغفٍ غير متناهٍ بصناعة الأفلام، لم يكن على دراية بأن فيلمهliving in bondage الذي استغرق تصويره أربعة أسابيع فقط، وبتكلفة إنتاج لا تتخطى حاجز الـ 12.000 دولار أمريكي، سيحقق نجاحًا مدوّيًا لدرجة توزيع أكثر من ثلاثة ملايين نسخة منه. «كينيث» أيضًا لم يعلم أنه يؤسس بفيلمه قليل التكلفة هذا، لما ستتحول بعد ذلك لثاني أكبر صناعة سينمائية في العالم، أو ما يُعرف بـ «نوليوود»، والتي تتفوق في معدلاتها للإنتاج، والمبيعات أيضًا، على نظيرتها الأمريكية «هوليوود»، لتأتي نيجيريا بذلك في المرتبة الثانية بعد الهند في صناعة السينما.

أولًا: ماذا تعني كلمة «نوليوود»؟

«نوليوود» هو المصطلح الذي انتقاه «نوريميتسو أونيشي»، الصحفي بجريدة النيويورك تايمز الأمريكية، ليطلقه على حركة صناعة الأفلام المستقلّة في مدينة لاغوس النيجيرية في العام 2002، والتي وصلت لأوج نشاطها آنذاك. المصطلح الذي يحاكي في إيقاعه ومدلوله مصطلحي «هوليوود» و«بوليوود»، الحركتين الأكبر والأكثر تأثيرًا في مجال صناعة السينما على مستوى العالم.

تعتبر نوليوود تعريفًا دقيقًا لما قد يعنيه أن تصنع فيلمًا سينمائيًا في دولة كنيجيريا، حيث يتم إنتاج الأفلام باستخدام كل الوسائل المتاحة، سواء كانت كافية أم لا. هذا يمكن أن يعني أيضًا صناعة فيلم في فترات زمنية قياسية، وفي ظروف محيطة شديدة القسوة ومن شأنها إجهاض الفكرة من الأساس. لاحظ «أونيشي» مدى استحالة إنتاج فيلم في بيئة كهذه، مما ألهمه لاختيار لفظة «نوليوود» والتي تعني حرفيًا «غابة اللاشيء»؛ بمعنى آخر: عملية خلق شيء من اللاشيء.

أفضل ممثلة نيجيرية، لعام 2012

كيف نشأت نوليوود؟ الحاجة التي أدت إلى الاختراع

تشتهر نيجيريا بالصناعة السينمائية منذ عقود، إلا أن الحاجة لاشتقاق نوع خاص من تلك الصناعة، أو ما يُطلق عليه اصطلاحًا «نوليوود»، فقد ظهرت في أواخر ثمانينات القرن الماضي كأحد النتائج المترتبة على تدهور الوضع الاقتصادي للدولة، حيث عجز صنّاع الترفيه وقتها عن تحمّل تكلفة صناعة أفلام سينمائية باستخدام كاميرات الـ 16 والـ 35 ملل، مما اضطرهم للجوء لكاميرات الفيديو الرقمية المتاحة قليلة التكلفة، وتصوير أفلام كاملة باستخدامها. الأمر الذي أثار حفيظة «إيدي أوجبوماه»، الأب الروحي للسينما النيجيرية، ودعاه لأن يطلق عليهم مصوري فيديو لا صانعي أفلام. فبالنسبة له، هم ليسوا أكثر من هواة يستهدفون شريحة محددة من الجمهور، ويعتمدون تقنيات ضعيفة في صناعة الأفلام. أما بالنسبة لنوليوود، فتصوير الفيديو هو المعادل للتصوير السينمائي، إلا أنه يعتمد استخدام الصورة الرقمية بدلًا من الاستناد للكاميرات الفيلمية. المثير للاهتمام أن «مصوِّري الفيديو» هؤلاء، استطاعوا المضي قدمًا بصناعتهم إلى أن احتلت المرتبة الثانية على مستوى العالم في صناعة السينما، كل هذا بإمكانات شبه منعدمة.

جدير بالذكر أن نوليوود واحدة من فئات متعددة تم اشتقاقها من الصناعة النيجيرية للسينما، إلا أنها ليست الفئة الوحيدة؛ هناك على سبيل المثال «كينيوود» و«سوريليريوود».

انتشار.. ثم مزيد من الانتشار

بداية نوليوود كانت من خلال التلفزيون الوطني للدولة، حيث تم تقديم محتوى شديد الثراء من العروض الترفيهية والبرامج لمشاهدين، في الفترة بين 1970 لـ 1990. برامج مثل “The Village Headmaster Cock Crow at Dawn, Mirror in the Sun, Checkmate and Ripples. في ذلك الوقت كان التلفزيون الوطني هو الوسيط المحتكر لعملية صناعة وتقديم محتوى ترفيهي فنّي. لذا، عندما اتخذ التلفزيون الوطني قراره في عام 1990، بوقف إنتاج أي محتوى فني وإعلامي تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، تسبب ذلك في تحرير عدد من المواهب الفنيّة من قبضته، والأهم، فقد ساهم بشكل غير مباشر في توجيه المشاهدين للبحث عن منصّات فنيّة جديدة لإشباع حاجتهم للترفيه. في ذلك الوقت باتت نوليوود كمسارٍ وحيدٍ تؤول إليه الأمور. كل مواهب نوليوود منبعها الأساسي مجموعة من المخرجين والممثلين والكتاب الذين تحرّروا من قبضة التلفزيون الوطني الاحتكارية لهم، بعد قضاء عدة سنوات في أروقته كانت كفيلة بإكسابهم خبرات كافية، من شأنها تحويلهم من مجرّد أدوات وعناصر، لصنّاع سينما حقيقية.

مع توافر كل تلك العوامل، لم يحتج الأمر لأكثر من شاب طموح، يمتلك من الشغف ما يجعله يحلم بتصوير فيلم سينمائي، ومن اليأس ما يحمله على تصويره بكاميرا فيديو رقمية، ليدمج بين الموهبة والخبرة المكتسبة من سنوات عمله في التلفزيون الوطني، وبين التقنية الأكثر إتاحةً ورواجًا بحكم الظروف، الفيديوهات منزلية الصنع، ليقدّم للجمهور فيلمه الأول «living in bondage» الذي يحقق نجاحًا مدوّيًا ويكون بمثابة نقطة انطلاق لصناعة بأكملها. هذا الشاب يُدعي «كينيث نيباو».

نوليوود.. هدية نيجيريا للعالم!

بعد مرور ما يقارب الثلاثة عقود على إطلاق صناعة ترفيهية قليلة التكلفة وسريعة الانتشار، حتى أنها قد تفوقت على هوليوود؛ المركز الأكثر انتشارًا لصناعة الترفيه في العالم، فقد بات مؤكدًا أن نوليوود أكثر من مجرد مركز لصناعة الترفيه والتسلية، ففضلًا عن أنها قد أتاحت لأبناء القارة السمراء الفرصة لتأمل سينماهم محليّة الصنع بينما تنتشر على المدى الواسع، فقد أذابت تلك الأفلام معظم المفاهيم الخاطئة المكتسبة عن دول العالم الثالث، كما أنها ساهمت بشكل كبير في تشجيع السياحة ومن ثم النهوض بالاقتصاد مرة أخرى، وأظهرت مواهب عظيمة تثبت يومًا بعد يوم أن المعيار الأساسي هو مدى احترافية المخرج لا الكاميرا. ولأنها بشكل عارض قد سلّطت الضوء على مجموعة من التقاليد والثقافات المشتركة بين دول عدة على طول القارة، فقد اكتسبت نوليوود جماهيرية واسعة، ليس في أفريقيا وحدها، بل في العالم كله. حتى ذلك اليوم، فقد حققت نوليوود نتائج أكثر من مبهرة على كافة الأصعدة، حتى أن التجربة شجّعت عدة دول أفريقية، كغانا، كينيا، تنزانيا وأوغندا، على الانخراط بدورها في تجربة صناعة السينما.


أحد أحدث أفلام نوليوود

جانبٌ قبيح أو اثنان

على الرغم من أهمية صناعة بحجم نوليوود وتأثيرها الإيجابي على عدة مستويات، إلا أن عددًا من صنّاع السينما في نيجيريا لا زالوا يقابلون نوليوود بالكثير من التحفّظ، للدرجة التي تجعلهم يرفضون انتساب أفلامهم السينمائية إليها بأي شكل من الأشكال. فبالنسبة لهؤلاء ستظل كلمة نوليوود مرادفة للصناعة المنزلية لأفلام الفيديو، مما ينتقص من القيمة المعنوية لأفلامهم المعتمدة في تصويرها على استخدام خامات سينمائية وكاميرات فيلمية متطورة. بشكل ما، لا يمكن إلقاء اللوم على هذا النمط من التفكير، فبمرور الوقت، تتحول نوليوود لصناعة كمّية لا تعير اهتمامًا خاصًا للجودة، فيتم إنتاج الفيلم بتكلفة تقل عن 20,000 دولار أمريكي، وبجدول زمني لا يتخطى الأسبوع الواحد، ليتم توزيعه بعدها. الأمر السابق يؤثر سلبًا في الصناعة ويسيء لصانعيها، حتى أن بعض العاملين بمجال السينما يعجزون عن تذكر عناوين الأفلام المشاركين بها من كثرتها، وهو ما يضر بالصناعة ككل ويحوّلها لحرفة أخرى ووسيلة لكسب المال لا مكان لأي مسحة فن بها.

أكثر من مجرَّد سينما

في النهاية، فلا يمكن إنكار الأثر الذي أحدثته نوليوود في حركة السينما العالمية. كما لا يمكن إنكار الدور الأكثر أهمية المتمثل في إبراز الجانب الإنساني للقارة السمراء، بعيدًا عن اختزالها في فكرة الحروب والمجاعات والفقر. الأكيد أن نوليوود أثبتت أنها أكثر من مجرد سينما أو وسيلة للترفيه، حيث يصبح شريط الصوت لكل فيلم نوليوودي، هو الصوت الحقيقي الذي تخاطب إفريقيا من خلاله العالم، يتحوّل الفيلم لبطاقة هويّة، وتتحول شاشة السينما لمرآةٍ ضخمة تعكس وجها مختلفًا للقارة السمراء، الوجه الأكثر جمالًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد