تمضى البحرين نحو التطبيع مع إسرائيل بسرعة، تحركات غير مسبوقة معلنة من قبل البحرين أو تكشفها مصادر إسرائيلية تؤكد على الهرولة البحرينية نحو عقد علاقات اقتصادية وسياسية طبيعية وقوية مع إسرائيل. تارة تحاول العبور على جسر المشاركات الرياضية وأخرى على دعوات «التسامح بين الأديان»، وثالثة بالرقص مع الحاخامات اليمينيين، لتصبح قبلة الملك البحريني ومسئوولية واضحة نحو التطبيع بالنسبة للعديد من المراقبين، الأمر الذي قد يقف وراء التفاؤل الإسرائيلي الذي ظهر بوجود علاقات غير مسبوقة لدول عربية مع إسرائيل.

التطبيع البحريني مع إسرائيل لم يقتصر على «الرقص» فقط

نُشر في ديسمبر (كانون الأول) عام 2016 شريط فيديو فاجأ الكثيرين، ظهر بحرينيين يرقصون شابكي الأيدي مع حاخامات حضروا حفلًا أقيم في العاصمة «المنامة»، ففي هذا الحفل الذي اعتبر «دينيًا» شاركت شخصيات بحرينية الاحتفال والرقص مع  يهود من حركة (حباد) الدينية المتطرفة.

لم يكن الرقص على إيقاع أغنية «عام يسرائيل حاي» في الحفل السابق هو مظهر البهجة الأول الذي يجمع بين بحرينيين وإسرائيليين على أنغام الموسيقي والكلمات التي تمجد إسرائيل، إذ آثرت الفرقة الموسيقية الملكية البحرينية هذه المرة الذهاب إلى «لوس أنجليس» والعزف في المؤتمر السنوي لمعهد «شمعون فيزنتال»، لقد عزفت بمهارة نشيد «هاتكفاه» القومي الإسرائيلي، لتعتبر أقلام إسرائيلية تعمد ولي العهد البحريني اصطحاب الأوركسترا الوطنية وإنشاد «هاتكفاه» «تجاوزًا لكل الخطوط الحمراء بالنسبة للمسلمين في جميع أرجاء العالم».

22 عامًا وأكثر والمنامة تسير في التطبيع، تصريحات وزيارات ورقصات تبدي مدى سعيها نحو  إسرائيل، وكانت آخر هذه التحركات ما حصل في بداية هذا العام، عندما أدان ملك البحرين المقاطعة العربية لإسرائيل، حدث ذلك  في مركز سيمون فيزنتال لحقوق اليهود في لوس أنجلوس، عندما التقى الملك حمد بن عيسى آل خليفة مع قادة حاخامات، فكشف حاخامَين منهم أن «الملك استنكر المقاطعة العربية المستمرة منذ وقتٍ طويل تجاه إسرائيل، وقال إنَّ مواطنيه يمكنهم زيارة إسرائيل».

وفي التفاصيل تنقل الصحف الإسرائيلية، أن: «ملك البحرين أدلى بهذه الأقوال للحاخام اليهودي أبراهام كوبر رئيس مركز (إيلي فيزنطال) في لوس أنجلوس، خلال لقاء ديني تم خلاله التوقيع على بيان يستنكر الكراهية والعنف الديني».

ملك البحرين يلتقي بحاخامات من مركز سيمون فيزنتال (المصدر : ذي تايمز أوف إسرائيل)

ومن رجال الدين إلى رجال الرياضة، إذ قال رئيس الاتحاد البحريني لكرة القدم «علي بن خليفة آل خليفة» ردًا على استضافة البحرين لممثلين من الاتحاد الإسرائيلي في 11 مايو (أيار) 2017 : «الأكيد أن استضافة البحرين لكونغرس الفيفا أكبر بكثير من مسألة دخول ثلاثة أعضاء من اتحاد الكرة الإسرائيلي إلى البحرين. نحن ننظر دائمًا إلى الجزء المليء من الكأس، ومن الواضح جدًا أننّا لسنا الوحيدين الذين فصلنا السياسة عن الرياضة»، حسب تصريحه لصحيفة البلاد البحرينية.

يشار إلى أن موجة التطبيع بدأت بوضوح في العام 1994حين استقبلت البحرين وزير البيئة الإسرائيلي «يوسي ساريد»، كما التقى ولي عهد البحرين «سلمان بن حمد آل خليفة » في مؤتمر (دافوس) العالمي عام 2000 بوزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي آنذاك «شمعون بيريز»، ثم تكرّر اللقاء بـ«بيريز» في العام 2006، على هامش اجتماعات مبادرة كلينتون العالمية، ولم يتردد وزير خارجية البحرين، خالد بن أحمد آل خليفة، في تعزية بوفاة بيريز العام الماضي، فكتب في تغريدة نشرها باللغة الإنجليزية على (تويتر) يخاطب بيريز: «ارقد بسلام أيها الرئيس شمعون بيريز، رجل حرب ورجل سلام، لا يزال بعيد المنال في الشرق الأوسط».

وأعلنت البحرين عن رفع الحظر عن البضائع الإسرائيلية في العام 2005، واستقبلت بعد عامين من هذا الإعلان المدير العام السابق في وزارة الخارجية الإسرائيلية «رون بروساور» مبعوثًا من وزيرة خارجية إسرائيل السابقة «تسيبي ليفني»، ليطالب وزير الخارجية البحريني «خالد آل خليفة» في العام 2008 بتأسيس تجمع شرق أوسطي يضم إسرائيل.

«إيران» كلمة السر في التطبيع

«نظام الحكم في المنامة يرى نفسه الأكثر عرضة للتهديد بسبب وجود أغلبية شيعية في بلاده بحسب الكثير من التقديرات رغم عدم وجود رقم رسمي معلن للطبيعة الديمغرافية في البلاد، ما جعله يرى في العلاقة مع إسرائيل فرصة لضمان حمايته من إيران»، هذا ما قاله المعلق السياسي والأمني لموقع «يسرائيل بالس»، بن كاسبيت مؤخرًا.

صورة لاحتجاجات المعارضة الشيعية في البحرين

تبقى البحرين ودول الخليج متخوفة من التهديد الإيراني، في وقت لا تكف فيه التصريحات الإيرانية التي تحمل تهديدًا متواصلًا، إذ تعتبر إيران البحرين تابعة لها، وتقول أنها كانت اللواء الـ14 لإيران حتى العام 1970، ويثير ما يعرف بـ«الهلال الشيعي» بقيادة إيران تخوفات دول الخليج العربية، فالبحرين التي أمرت المساجد بوقف الخطب المناهضة لإسرائيل، تتوجه بشكل متزايد إلى إسرائيل من خلال الكراهية المشتركة تجاه إيران بين الدولتين، فحسب تقرير موقع «ميدل إيست آي» فإن: «إسرائيل تسير على طريق تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع مملكة البحرين في الوقت الذي تقترب فيه الدولتان من عدائهما المشترك إلى إيران».

ويضيف «كاسبيت»: «دعونا لا ننسى أن الأكثر تهديدًا من بين كلّ البلدان بسبب إيران هي البحرين، وذلك لأن الشعب البحريني ذا أغلبيّة شيعية، في حين أن حكّامها من السنّة، ولهذا السبب ترى البحرين – وبلدان إقليميّة أخرى – أنه ثمة احتمال في الحصول على دعم من إسرائيل في ظل تنامي النفوذ الإيراني».

كما يشير «كاسبيت» إلى أن حرص البحرين وما يسميها بـ«دول المحور السني المعتدل» على تطوير علاقاتها بإسرائيل «تحوطًا لتبعات توجه الولايات المتحدة للانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، في أعقاب الإعلان المرتقب عن الانتصار على تنظيم داعش» حسب كاسبيت.

من جانبه، يقول الكاتب المختص بتجاوزات سياسات الأمن القومي الإسرائيلية، ريتشارد سيلفرشتاين أنه: «للمفارقة، فالملك يُعلن ويتباهى بتسامحه مع الأقليات في بلده، دون التعرض للوضع البائس الذي تعيشه الأغلبية الشيعية»، مضيفًا: «كما هو واضح، من المفارقات الأخرى التي يتناساها حاخامات مركز فيزنتال أنَّ إسرائيل تتحدث للعالم بفخر عن تسامحها الديني، بينما في الوقت نفسه تُقدم حقوقًا أكثر وامتيازاتٍ أكبر للغالبية اليهودية، وتُقيد حرية العبادة للمسلمين».

البحرين تسير بـ«ضوء أخضر» سعودي نحو التطبيع

جغرافيًا وسياسيًا، تعد البحرين هي أقرب الدول الخليجية للسعودية، إذ تساند السعودية البحرين كثيرًا في صد المعارضة الشيعية بالبحرين، و قد اعتبر التمرد البحريني الشيعي الذي اندلع في مطلع العام 2011 فرصة كبيرة للسعودية لمساندة البحرين بإرسال قوات تحت علم «مجلس التعاون الخليجي».

ملك البحرين مع ولي العهد السعودي

لذلك يرى المحللون مع إقدام البحرين على التطبيع مع إسرائيل خاصة في الفترة الأخيرة «ضوءًا أخضر» حصلت عليه البحرين من السعودية، يقول المعلق السياسي والأمني لموقع «يسرائيل بالس»، بن كاسبيت: «الافتراض السائد في إسرائيل أن السعودية معنية بأن تفصح البحرين عن مواقفها تجاه إسرائيل، على اعتبار أن الرياض معنية بأن تكون كل الخيارات متاحة أمامها في كل ما يتعلق بعلاقاتها الإقليمية».

يشار إلى أن السعودية آخذة في خطوات تطبيعية مع إسرائيل التي أعلنت مؤخرًا عن زيارة أمير سعودي لها، ويعد الأخطر ما كشفته صحيفة «لوبوان» الفرنسية في عام 2015، عندما قالت الصحيفة: «أن مسؤولين من البلدين التقيا خمس مرات منذ عام 2014 ومنتصف 2015، وتمحورت تلك اللقاءات حول سبل مواجهة الخطر الإيراني سياسيًا واقتصاديًا».

ملك السعودية مع ملك البحرين

وفي أحدث التسريبات حول التطبيع السعودي مع إسرائيل تكشف صحيفة «التايمز» البريطانية عن أن السعودية وإسرائيل بصدد التباحث حول إقامة علاقات اقتصادية بينهما، وأولى خطوات هذه العلاقات هي السماح لإسرائيل بإقامة بعض الصفقات في الخليج وكذلك السماح للخطوط الجوية الإسرائيلية (العال) بالتحليق فوق الأجواء السعودية، وحسب الصحيفة فإن: «الخوف المشترك من إيران هو ما يدفع باتجاه التعاون بين الدولة العبرية والدولة (الوهابية)، بالرغم من الاختلافات بين البلدين، كذلك الأزمة الخليجية التي تمخضت عنها مقاطعة قطر هي أحد أسباب التقارب المحتمل بينها وبين الرياض».

هل سيشرب «نتنياهو» نخب نجاح التطبيع الكامل مع البحرين؟

«نحن نشرب الأنخاب ونستبق العيد للاحتفال بنجاحنا في دخول إسرائيل لساحات جديدة»، واحد من التصريحات الاحتفالية الأخيرة لـرئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» قاله مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري.

رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»

لم تكن تصريحات «نتنياهو» من طرف واحد، فقد سبقه ملك البحرين، حمد بن عيسى آل خليفة بتصريح واضح عندما همس في آذان ضيفه في المنامة الحاخام «مارك شنير» العام الماضي فقال أن: «فتح العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل ما هي إلا مسألة وقت»، وهو القائل أيضًا: «نحن العرب لم نفعل ما فيه الكفاية للتواصل مباشرة مع الشعب الإسرائيلي».

وحول مستقبل هذه العلاقة، يذكر تقرير حديث أعده موقع «ميدل إيست آي» عن مسؤولون قولهم إن: «مسؤولًا رسميًا يمكن أن يعلن عن إقامة العلاقات في أقرب وقت ممكن في العام المقبل»، ويستشهد التقرير بعدد من الدلائل الأخيرة التي تشير إلى أن البحرين تسقط عداءها التقليدي لإسرائيل، كزيارة مسؤولين من اتحاد كرة القدم الإسرائيلي إلى مؤتمر فيفا في مايو (أيار) الماضي، مشيرًا إلى أن: «تطبيع العلاقات لن يمتد على الأرجح إلى فتح البعثات الدبلوماسية، فان الدولتين تعملان بالفعل على إقامة زيارات تبادل لرجال الأعمال والشخصيات الدينية، وحتى وزراء الحكومة».

يشار إلى أن الإعلام الإسرائيلي يصور ملك البحرين أنه أكثر المناصرين للتعايش بين الأديان، ويقول مدير مركز شمعون فيزيطال، الراف «أبراهام كوبر»، إن: «أصيب بالدهشة مما رآه في المنامة، كانت هناك كنيسة مع صليب كبير بجانب معبد هندوسي، وليس ببعيد عنهم كان مسجد بديع، وكان هناك أيضًا كنيس صغير، الوحيد في الخليج العربي الذي ما زال قائمًا، وموجود في البلدة القديمة في المنامة»، حسب ما نقله موقع صحيفة «معاريف» الإسرائيلية.

المصادر

تحميل المزيد