أزعجت زيارة وفد ضم خبراء في الرؤوس النووية، والصواريخ الباليستية،  من كوريا الشمالية مؤخرا، لموقع عسكري قرب العاصمة الإيرانية طهران، في إبريل الماضي، العديد من المراقبين. خاصة وأن هذه الزيارة تتزامن مع قرب توقيع اتفاق نهائي لبرنامج إيران النووي في الثلاثين من حزيران الجاري، بعد أن أبرمت إيران والقوى الكبرى اتفاقا مرحليا نهاية إبريل الماضي في مدينة لوزان السويسرية.

كل ذلك فتح جملة من التساؤلات حول الهدف من الزيارة في الوقت الحالي، و طبيعة العلاقات “النووية” وأفقها التي تحكم كوريا الشمالية بإيران، ونظرة المجتمع الدولي لها، فضلا عن جذور برنامج كوريا الشمالي النووي، وأبرز ملامحه.

بداية العلاقات بين إيران وكوريا الشمالية

تعود جذور العلاقات بينهما إلى العقد الأول من عمر الجمهورية الإسلامية، أي إلى ثمانينيات القرن المنصرم، فهي طويلة جدًا، وقد أخذت وثائق في العقد الأخير تثبت أن هناك مئات التقنيين من كوريا الشمالية يعملون على الأقل في 10 منشآت وقواعد صواريخ في إيران.

فيما يرجع تاريخ العلاقات العسكرية بينهما، إلى فترة الحرب الإيرانية العراقية، أي إلى الوقت الذي حظر فيه بيع الأسلحة إلى إيران، لكن “بيونغ يانغ” كانت تبيع هذه الأسلحة المحظورة لطهران، لتتحول كوريا الشمالية بعدئذ إلى المزود الرئيسي للأدوات الأساسية الخاصة بإنتاج الصواريخ لإيران.

فضلا عن تزويد كوريا الشمالية إيران أدوات تستخدم في البرنامج النووي منها المواد الضرورية لإنتاج اليورانيوم، وأجهزة الطرد المركزي، واليورانيوم المخصب ما أثار – وما زال يثير – قلق الدول الغربية.

ولابد من التنويه إلى  أن العلاقات بين كوريا الشمالية وإيران تحكمها المصالح الاستراتيجية، وخصوصا فيما يتعلق بالجانب النووي، حيث إن طهران دأبت على دفع مبالغ مالية بالعملة الصينية تعادل عشرات الملايين من الدولارات لـ”بيونغ يانغ” لحضور التجارب النووية.

وهذا ما كشف عن وجود محطة تخصيب اليورانيوم في مدينة “نطنز”، ومنشأة تعمل بالماء الثقيل في “آراك” عام 2002 في إيران، وتبيع كوريا الشمالية مواد نووية لإيران، تشمل أسلحة من اليورانيوم، حيث ساعد نظام رئيس كوريا الشمالية “كيم يونج أون” الجمهورية الإسلامية في جهودها لامتلاك القنبلة النووية، حينها  اتهم “مئير داغان”، مدير الموساد الإسرائيلي السابق عام 2013، كوريا الشمالية بتقديمها مساعدات لمفاعل البلوتونيوم الإيراني.

نظرة المعارضة الإيرانية لزيارة وفد كوريا الشمالية لإيران

تتهم المعارضة الإيرانية صناع القرار في البلاد بالتعاون على نطاق واسع مع كوريا الشمالية في مجال التسلح النووي، مؤكدة أن طهران لا نية لديها بالعدول عن حيازة السلاح الذري.

و على الرغم من عدم تعليق إيران على الزيارة الأخيرة، فإن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية قد كشف عن قيام وفد من الخبراء النوويين من كوريا الشمالية بزيارة إلى طهران دامت أسبوعا في أواخر إبريل الماضي، عاين خلاله موقعا عسكريا.

ولفتت المعارضة إلى أن البعثة النووية والبالستية الثالثة لكوريا الشمالية، قد زارت سرا مجمع “الإمام الخميني” وهو موقع تابع لوزارة الدفاع شرق طهران، وإعطائه تفاصيل عن المواقع، ما يعني وجود تعاون نووي خفي بين البلدين، كما تقول أوساط في المعارضة.

حتى إن طهران تواصل التعاون مع “بيونغ يانغ” حول الرؤوس النووية والصواريخ البالستية، وغالبا ما ترسل خبراء نوويين إلى هناك، حيث كانت آخر زيارة للمسؤول الأول عن الترسانة العسكرية النووية محسن فخري زاده في الـ12 من أبريل 2013 خلال التجربة النووية الثالثة لكوريا الشمالية.

عدم إظهار إيران اهتماما بالتخلي عن سعيها لامتلاك أسلحة نووية، واستمرار برنامج التسليح، هو أكثر ما يزعج المعارضة الإيرانية، لكن المسؤولين الإيرانيين لا يلتفتون كثيرا إلى هذه الأصوات، ويمضون قدما في ترسيخ أقدام تعاون لهم بالمنطقة وحيازة أسلحة نووية.

وتقول المعارضة إن حصولها على معلومات بشأن التعاون النووي السري بين البلدين بدأ منذ أكثر من سنتين عبر عشرات التقارير من مصادر مختلفة داخل نظام “الملالي” بشكل خاص، ومن خلال قوات الحرس ووزارة الدفاع ومنظمة الدراسات الدفاعية الحديثة.

ونوهت إلى أن وفدا من كوريا الشمالية مكون من 7 خبراء وصل إيران الأسبوع الأخير من إبريل العام الجاري، وهم مختصون في المسائل النووية، والرأس الحربي النووي ومنظومة توجيه الصواريخ وبعض الاختصاصين في أجزاء الصواريخ البالستية الأخرى.

وبناء على الحساسية الأمنية العالية يتم دخول وخروج الوفود النووية والصاروخية لكوريا الشمالية من وإلى إيران في سرية كاملة، خاصة أن إيران خصصت منطقة محمية لاستقرار الخبراء العسكريين الأجانب .

رؤية الدول الغربية للتعاون بين كوريا الشمالية وإيران

اقرأ أيضا

مترجم: هل تمتلك إيران أسلحة نووية سرية في كوريا الشمالية؟

من المتعارف عليه أن الإدارة الأمريكية تشعر منذ وقت طويل بالقلق من أي اتفاق تعاون علمي أو نووي بين إيران وكوريا الشمالية، خشية من أن تشمل أفق التعاون هذه، تعاونا نوويا صاروخيا بطريقة سرية.

ويعتقد المسؤولون الأميركيون، ومنظمة الأمم المتحدة، أن الاتفاق المبرم بين إيران وكوريا الشمالية في سبتمبر 2012، يشبه الاتفاق الذي أبرمته كوريا الشمالية وسوريا في عام 2002، حيث كانت “بيونغ يانغ” بدأت ببناء مفاعل نووي لإنتاج البلوتونيوم بشكل سري في شرق سوريا.

ويحظى الاتفاق المبرم بين طهران وبيونغ يانغ باهتمام بالغ من قبل المسؤولين الأميركيين؛ وذلك بعد الاختبار الصاروخي والنووي الأخير لكوريا الشمالية، واقتراب إيران من رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، إلى ما يؤهلها لصنع قنبلة نووية.

لكنها، قلقة في الوقت نفسه من أن يستغل الحليفان العسكريان الاتفاق المذكور من أجل تعزيز قدراتهما النووية، وهو ما يتجلى في الحاضر،

وسعى المجتمع الدولي خلال محطات التفاوض، بشأن برنامج إيران النووي، إلى أن يشمل الاتفاق المبدئي مع طهران تأكيدات على أن لا يكون بمقدورها إنتاج السلاح النووي، على الأقل لمدة عام من الآن.

إضافة إلى سعي المفاوضين من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين، إلى الحصول على موافقة طهران على البروتوكول الإضافي، والذي من شأنه السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، بالقيام بعمليات تفتيش في أي وقت، وفي أي مكان.

وفي حال وافقت إيران على البروتوكول الإضافي، فإن داعمي الاتفاق يعتبرون أن ذلك سيكون بمثابة المرور من عنق الزجاجة، خاصة وأن طهران حينها لن تتمكن من إخفاء أجهزة الطرد المركزي في أماكن غير معلنة، كما في كوريا الشمالية الآن.

ويتعلق مدى نجاح الاتفاق الدائم بين الدول العظمى وإيران في قضية الملف النووي الإيراني بشكل كبير بقدرة المجتمع الدولي على فرض رقابة مشددة على الداخل الإيراني، وإلا فستتمكن طهران من متابعة برنامجها النووي بشكل خفي، وليس بالضرورة أن يكون ذلك داخل حدودها.

لذلك، فإنه من المحتمل أن تمتلك إيران برنامجًا نوويًا سريًا خارج حدودها؛ يهدف للحفاظ على إمكانية التطوير النووي لأهداف عسكرية؛ لتقوم بذلك بالالتفاف على الاتفاق الآخذ بالتبلور في لوزان السويسرية.

وفي الوقت نفسه، تطالب الدول العظمى بفرض رقابة مشددة على المنشآت الإيرانية لتخصيب اليورانيوم، بما في ذلك عن طريق زيارات مفاجئة لخبراء ومسؤولين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

لكن، خبراء يرون أن الرقابة على المنشآت لا تحل مشكلة التعاون بين طهران وكوريا الشمالية في ما يخص الجوانب العسكرية للبرنامج النووي.

وتحاول طهران والقوى الدولية الست، الوفاء بمهلة فرضوها على أنفسهم، للتوصل إلى اتفاق شامل بحلول 30 يونيو/حزيران المقبل، لكن المفاوضات لم تنجح حتى الآن في التوصل لتوافق بشأن إجراءات المراقبة والتحقق لضمان ألا تتبع إيران برنامجا سريا لإنتاج أسلحة نووية.

بوادر الأزمة النووية بين كوريا الشمالية والغرب

بدأت الأزمة النووية بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة والغرب عموما عام 1994، عندما نقلت كوريا الشمالية  قضبان الوقود النووي من مفاعل ” يونغبيون” ، ووضعت وزارة الدفاع الأميركية حينذاك خطة لضرب المفاعل، إلا أن الدبلوماسية التي قادها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر نجحت في تهدئة التوتر وأسفرت عن إغلاق المفاعل لمدة 8 سنوات.

وبناء لما بات يعرف باسم إطار اتفاق 1994 مع الولايات المتحدة، بدأ تجمع من الشركات الدولية العمل على بناء مفاعلين من المياه الخفيفة في كوريا الشمالية، كما قدمت الولايات المتحدة عرضا مؤقتا بتوفير 500 ألف طن من الوقود الثقيل سنويا، بيد أن شحنات الوقود كانت عرضة للتأخير الدائم.

وانهار الاتفاق عام 2002، عندما اتهمت واشنطن بيونغ يانغ بتنفيذ برنامج سري لتخصيب اليورانيوم، وهو ما نفته كوريا الشمالية، لكنها أعادت تشغيل مفاعل يونغبيون، وطردت مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية منه، وأعلنت انسحابها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

وفي أكتوبر عام 2006 قامت كوريا الشمالية بأول تجربة نووية، وبعد ذلك بأربعة أشهر فقط توصلت لاتفاق في إطار المحادثات السداسية -التي تضم إلى جانب الكوريتين كلا من روسيا واليابان والصين- يقضي بمنح الدولة الشيوعية مساعدات في مجال الطاقة ومكاسب أمنية ودبلوماسية مقابل تخليها عن برنامجها النووي.

وبعدها بعام  أغلق مفاعل “يونغبيون”،وبدأت كوريا الشمالية بتعطيل المنشآت النووية الرئيسية، ومن جهتها رفعت الولايات المتحدة في أواخر عهد الرئيس السابق جورج بوش كوريا الشمالية من لائحتها الخاصة بما تسميها الدول التي ترعى الإرهاب في العالم.

لكن المفاوضات على هذا الصعيد توقفت في ديسمبر/كانون الأول الماضي بسبب خلافات على طريقة التحقق من التزام كوريا الشمالية بتنفيذ تعهداتها الواردة في اتفاق عام 2007.

وفي مطلع أبريل 2009 أجرت كوريا الشمالية تجربة لإطلاق صاروخ طويل المدى، من طراز “تايبودونغ”؛ حيث  كان مخصصا لحمل قمر صناعي إلى الفضاء، فيما اعتبرته أمريكا تغطية على تجربة صاروخ بالستي طويل المدى قادر على ضرب أهداف على الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وأصدر مجلس الأمن الدولي بيانا رئاسيا غير ملزم، يقضي بتشديد العقوبات ضد كوريا الشمالية، ومتابعة تنفيذها لقرارات المجلس، بما فيها حظر إجراء تجارب نووية وصاروخية جديدة، تحت طائلة التهديد بمزيد من العقوبات.

وبناء على ذلك أعلنت كوريا الشمالية مطلع 2009: انسحابها من المحادثات السداسية وإعادة تشغيل مفاعلاتها النووية، وقامت بطرد المفتشين الدوليين وهددت باستئناف تجاربها النووية.

أبرز قدرات كوريا الشمالية العسكرية النووية

ووفقا لتقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، يتألف الجيش الكوري الشمالي من نحو مليون و200 ألف جندي نظامي، وخمسة ملايين و700 ألف جندي احتياطي، مما يجعله الجيش الخامس عالميا من حيث عدد القوات النظامية.

وتمتلك كوريا الشمالية نقلا عن موقع “الحرة” أربعة آلاف و100 دبابة قتالية، وألفين و500 ناقلة جنود، وثمانية آلاف و500 قطعة مدفعية، وعلى الرغم من ضخامة الترسانة العسكرية من حيث العدد والكم، يطغى على معظمها القدم حتى بات بعضها عاطلا عن العمل بسبب ضعف الصيانة.

ووفقا للتقرير فإن كوريا الشمالية لا تمتلك سلاحا بحريا مميزا، باستثناء قواتها الخاصة، والقدرة على زرع ألغام في المياه العميقة، بينما سلاح الجو، فيتكون من 820 طائرة مقاتلة معظمها من طراز ميغ 15/17/19/21 القديمة، كما يمتلك 300 مروحية.

ويتمركز أكثر من 50% من قوات كوريا الشمالية على بعد نحو 100 كيلومتر من المنطقة منزوعة السلاح التي يبلغ عرضها أربعة كيلومترات وطولها 250 كيلومترا، مما يعني 700 ألف جندي كوري شمالي وثمانية آلاف قطعة مدفعية و2000 دبابة.

أهم مراحل برنامج كوريا الشمالية النووي منذ عام 2002م وحتى 2012م

1- عام 2002: واشنطن تؤكد أن بيونغ يانغ تقوم ببرنامج سري لليورانيوم العالي التخصيب، منتهكة بذلك اتفاق نزع السلاح النووي الموقع في 1994، وكوريا الشمالية تنفي لكن شحناتها النفطية تعلق.

2-عام 2003: بيونغ يانغ تنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي، والأمم المتحدة تصوت على عقوبات اقتصادية وتجارية.

3- عام 2005: بيونغ يانغ تعلن عن صنع أسلحة نووية للدفاع الذاتي، وتوافق أثناء محادثات سداسية على وقف برنامجها النووي والعودة إلى معاهدة الحظر مقابل ضمانات دبلوماسية بشأن أمنها ومساعدة في مجال الطاقة.

4- عام 2006: كوريا الشمالية تقوم بأول تجربة نووية.

5- عام 2007: كوريا الشمالية توافق على البدء بتفكيك برنامجها النووي واستقبال مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية مقابل مليون طن من الوقود وشطبها من قائمة الدول التي تصنفها الولايات المتحدة بـ”الإرهابية”.

فضلا عن استئناف شحنات الوقود وعودة المفتشين إلى بيونغ يانغ بعد خمس سنوات على طردهم. والوكالة الدولية للطاقة الذرية تعلن إغلاق مجمع يونغبيون النووي، والموافقة على كشف جميع برامجها النووية وتفكيكها بحلول نهاية 2007.

6- عام 2008 : واشنطن وبيونغ يانغ تبدآن محادثات في جنيف، والأولى توافق على قيام مفتشين أجانب بالتحقق من تفكيك منشآتها، وتعلن في العام نفسه توقفها عن تفكيك منشآتها احتجاجا على رفض الولايات المتحدة شطبها من قائمة الدول المساندة للإرهاب. وفي 24 سبتمبر/أيلول تطرد المفتشين.

7-عام 2009: بيونغ يانغ تنسحب من المفاوضات وتعلن إعادة تفعيل برنامجها النووي ووقف تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

8-عام 2010: كوريا الشمالية تسمح لعالم أميركي بزيارة مصنع شاسع وجديد لتخصيب اليورانيوم حيث تملك أكثر من ألف جهاز طرد مركزي.

9- عام 2011:  لقاء في مدينة بالي بإندونيسيا لوزيري خارجية الكوريتين، إلى جانب محادثات في نيويورك بين مسؤولين أميركيين وكوريين شماليين، هي الأولى على مستوى عال منذ نهاية 2009، ثم في جنيف في أكتوبر/تشرين الأول.

10- عام 2012: جولة ثالثة من المفاوضات الثنائية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وإعلانها تعليق تجاربها النووية والصاروخية وبرنامجها لتخصيب اليورانيوم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد