أعلن تقرير للأمم المتحدة أن كوريا الشمالية عملت على مدّ النظام السوري، بقيادة بشَّار الأسد، بالمُعدات والمواد اللازمة لصناعة الأسلحة الكيماوية، وقد حصلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية على نسخة من التقرير الأممي غير المنشور؛ حيث إنه من المتوقَّع إصداره في وقتٍ قريب غير معلوم، غير أنه لم يصدر بعد حتى الآن.

يأتي ذلك الإعلان بعد ساعات قليلة من اتفاق الهدنة في منطقة الغوطة الشرقية، والذي لم يدم لأكثر من بضع ساعات قبل أن تُستأنف الضربات والهجمات الجويّة على المنطقة في اليوم التالي. وفي هذا التقرير، نحاول كشف وتجميع ما هو متاح عن أمر تورط كوريا الشمالية في مد النظام السوري بما يلزم لصناعة الأسلحة الكيماوية.

اقرأ أيضًا: كان في طريقه للنصر قبلها.. كيف خسر الأسد بقرار هجومه على الغوطة الشرقية؟

ماذا ذكر تقرير الأمم المتحدة المُسرَّب تحديدًا؟

أكَّد التقرير الأممي المُسرَّب أن كوريا الشمالية تقوم حاليًا بتصدير الإمدادات إلى الحكومة السورية، والتي يمكن استخدامها في إنتاج الأسلحة الكيماوية. ويأتي ذلك في الوقت الذي وَجَّهت فيه عددٌ من الدول، أبرزها الولايات المتحدة، الاتهامات إلى النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة عليهم في منطقة الغوطة الشرقية بدمشق، باستخدام ما يبدو أنه غاز الكلور، وهو ما ينكره النظام السوري.

اقرأ أيضًا: مترجم: كوريا الشمالية ليست النووي فقط.. ماذا تعرف عن تفوقها العالمي في الرياضة؟

وكان التقرير قد أعده عددٌ من الخبراء والمحقِّقين لدى الأمم المتحدة؛ إذ تشمل الإمدادات من كوريا الشمالية عدة مواد مثل البلاط المقاوم للأحماض، والصمامات، وموازين ومقاييس الحرارة، والأنابيب.

وأكد الخبراء طبقًا للتقرير أنهم اطلعوا على سجلّ كوريا الشمالية وجزاءات الأمم المتحدة لها، مشيرين إلى أن هناك عددًا من خبراء الصواريخ الكوريين الشماليين قد شوهدوا بالفعل أكثر من مرة في أنحاء مختلفة، ومرافق صواريخ معروفة في سوريا. ويُسلِّط التقرير الضوء على الخطر المحتمل الذي تُشكِّله أيّ تجارة للأسلحة من هذا القبيل بين كوريا الشمالية وسوريا، مما قد يسمح للنظام السوري بالحفاظ على أسلحته الكيميائية، في الوقت الذي تدافع فيه كوريا الشمالية عن برنامجها النووي والصاروخي.

وكانت مكونات الأسلحة الكيميائية المحتمل تورُّط كوريا الشمالية فيها بإرسالها إلى سوريا، تشمل 40 شحنة لم يُبلَّغ عنها بين عامي 2012 و2017، وذلك للأجزاء، والمعدات، والمواد الصاروخية المحظورة دوليًا، والتي يمكن استخدامها لأغراض عسكرية ومدنية على حدٍ سواء، وفقًا للتقرير.

اقرأ أيضًا: على خطى كوريا الشمالية.. الأسد قد يسعى لامتلاك السلاح النووي

ولم يُعلِّق أيًّ من الخبراء أو المحقِّقين الذين أجروا التحقيق، ولا حتى أعضاء مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، على التقرير المُسرَّب؛ إذ إنه من غير المعلوم إلى هذه اللحظة ميعاد إصدار التقرير، أو حتى وجود أي تأكيدات بإصداره في وقتٍ قريب؛ حيث أكد ستيفان دوجاريك، المتحدِّث الرسمي باسم الأمم المتحدة للصحافيين، أنه لا يعرف تاريخ نشر التقرير، وذلك ردًا على تساؤل مكرر حول تاريخ إصداره رسميًا.

وردًا على سؤال حول التعليق على التقرير، قال «دوجاريك»: «أعتقد أن الرسالة الشاملة من التقرير هي أن على جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة واجب ومسؤولية الالتزام بالعقوبات القائمة»، في إشارة إلى العقوبات الأممية على كوريا الشمالية بسبب برنامجها النووي.

النظام السوري ينكر تواجد كوريين من أجل الدعم العسكري

من بين الشحنات المرسلة من كوريا الشمالية إلى سوريا، تم إرسال خمس على الأقل منهم عبر شركة تجارية صينية، وهي «شركة تشينج تونج التجارية»، وفقًا لما ذكره تقرير الأمم المتحدة.

أنكر النظام السوري تواجد أي كوريين شماليين على أرضه من أجل الدعم العسكري، مؤكدًا أن الكوريين الشماليين الوحيدين المتواجدين على الأراضي السورية هم رياضيون، ومدرِّبون رياضيون فقط.

يأتي ذلك في الوقت الذي ذكر فيه التقرير أن مركز الدراسات والبحوث العلمية السوري، وهو وكالة حكومية سورية، قد ذكر في إحدى المرَّات أن النظام السوري يدفع لكوريا الشمالية مقابل المُعدات عبر عدد من الشركات المملوكة أو الشريكة له. وفي الوقت الذي يعتبر فيه المركز السوري منظمة مدنية، إلا أن وكالة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» ذكرت أن هناك وكالة استخبارات غربية، لم تذكر جهتها تحديدًا، أكدت لها أن الأسلحة الكيماوية السورية يتم تصنيعها في ثلاثة مواقع مختلفة في الداخل السوري، جميعها مواقع خاصة لمركز الدراسات والبحوث العلمية السوري، في منطقة مصياف بحماة، وفي منطقتي دُمر وبرزة في دمشق.

الجدير بالذكر أن منطقة برزة بدمشق، هي أحد أبرز الأماكن التي صنفتها الأمم المتحدة باعتبارها أحد أبرز مناطق صناعة الأسلحة الكيميائية في سوريا، وهي التي تم رصد عدد من خبراء الصواريخ الكوريين الشماليين فيها. شملت المواد المزعوم إرسالها من كوريا الشمالية إلى سوريا البلاطَ المقاوم للأحماض، وهو الذي يمكن استخدامه للأنشطة التي تجري عبر درجات حرارة عالية، لكمية من شأنها أن تغطي مشروعًا صناعيًا واسع النطاق.

(سماء سوريا باستخدام الأسلحة الكيماوية).

وقال التقرير إنه في الوقت الذي لم تظهر فيه الأشياء المضبوطة على أيّة قوائم مراقبة دولية، أي أنه تم تهريبها، غير أنها تتضمن مواد يمكن استخدامها لبناء الطوب اللازم لبناء الجدران الداخلية لمصنع أسلحة كيميائية.

الصين تدافع عن نفسها

ردَّت الصين على المعلومات التي ذُكرت في تقرير الأمم المتحدة، وعلى تورُّط الشركة الصينية «تشينج تونج التجارية» في استخدامها لتوصيل المعدات اللازمة لصناعة الأسلحة الكيميائية إلى سوريا؛ إذ دافعت الصين عن نفسها مؤكدةً أنها لا تملك أي أدلة على أن الشركة الصينية تعمل مع أي كيان من كوريا الشمالية في انتهاك قرارات مجلس الأمن الدولي.

وكانت لجنة الأمم المتحدة قد أصدرت تقريرًا في سبتمبر (أيلول) الماضي، أكدت فيه أنها تحقق في أنباء ومزاعم عن تعاون في الأسلحة الكيميائية، والصواريخ الباليستية، بين سوريا وكوريا الشمالية. ومنذ بداية الحرب في سوريا في 2011، تؤكد صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية أن الشكوك حول التعاون بين كوريا الشمالية وسوريا كانت موجودة دائمًا؛ سواء التعاون بتقديم المعدات والأسلحة، أو حتى الخبراء الكوريين الشماليين من أجل مساعدة بشَّار الأسد من أجل إبقاء برنامج الأسلحة النووية الخاص به.

اقرأ أيضًا: «البيتكوين» أبرزها.. 5 أسلحة تتغلب بها كوريا الشمالية على العقوبات الاقتصادية

الجدير بالذكر أنه حتى بعد توقيع سوريا على اتفاقية وقف وحظر الأسلحة الكيميائية في عام 2013، مُدعيةً التخلي عن مخزونها من الأسلحة الكيميائية، لم تَزُل المزاعم بشأن تورط كوريا الشمالية في دعم النظام السوري.

وقد وصف ويليام نيوكومب، الذي كان عضوًا في فريق خبراء الأمم المتحدة في كوريا الشمالية في الفترة بين 2011 إلى 2014، لـ«نيويورك تايمز» أن التقرير الأممي المُسرَّب يعتبر إنجازًا مهمًا؛ مؤكدًا أن الخبراء الأمميين كانوا يعلمون أن الأمور مستمرة، مشيرًا إلى أنه كان ينقص فقط التأكد، والتمكُن من الحصول على التأكيدات اللازمة للأمر.

كوريا الشمالية تنكر.. وتتهم أمريكا

من جانبها، نفت كوريا الشمالية ما ورد في تقرير الأمم المتحدة حول تعاونها مع سوريا في تصنيع وإنتاج الأسلحة الكيميائية، ووصفت الأمر بأنه مجرد «تلفيق» من أمريكا من أجل زيادة الضغط الدولي على كوريا الشمالية للتخلّي عن برنامجها النووي.

اقرأ أيضًا: بالخرائط والأرقام.. كيف أصبحت سوريا بعد أكثر من 6 أعوام من الحرب؟

ونقلت وكالة الأنباء الحكومية الكورية الشمالية KCNA عن متحدث باسم معهد الأبحاث الأمريكية في وزارة الخارجية الكورية الشمالية قوله إن الولايات المتحدة قدمت حجة غير منطقية بشأن مساعدة كوريا الشمالية لسوريا في إنتاج الأسلحة الكيميائية.

وأكد المتحدث باسم المعهد بحسب رويترز، أن كوريا الشمالية لا تقوم بتطوير، أو إنتاج، أو تخزين الأسلحة الكيميائية، بل إنها تعارضها. وفي الوقت نفسه، أكد روبرت وود، سفير نزع السلاح الأمريكي لدى مؤتمر نزع السلاح، أن هناك علاقة تاريخية بين كوريا الشمالية وسوريا، فيما يتعلق بنشاط الصواريخ وعناصر الأسلحة الكيميائية.

الجدير بالذكر، أن كوريا الشمالة تخضع لعقوبات من قِبل الأمم المتحدة منذ عام 2006 بشأن برامجها المتعلقة بالصواريخ الباليستية والنووية. وقد رفع مجلس الأمن إجراءاته ردًا على ست تجارب لأسلحة نووية وعمليات إطلاق صواريخ بعيدة المدى، أجرتها كوريا الشمالية خلال الأعوام القليلة الماضية.

الولايات المتحدة ترد

أكد العديد من الخبراء أن كوريا الشمالية قدمت منذ فترة طويلة إمدادات عسكرية، وصفقات تعاون عسكري، لعدة دول حول العالم مقابل النقود. يسلط تقريرُ الأمم المتحدة المُسرَّبُ الضوءَ على جهود كوريا الشمالية الرامية إلى التجارة غير المشروعة مع عشرات البلدان والمناطق حول العالم، خاصةً في مناطق الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، وأمريكا اللاتينية، ومن أبرزهم سوريا؛ حيث لدى سوريا وكوريا الشمالية علاقات عسكرية منذ عقود.

اقرأ أيضًا: هل يدل ارتفاع الليرة السورية مؤخرًا على انتصار نظام الأسد؟

من جانبه، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن واشنطن ستفرض عقوباتٍ جديدة على كوريا الشمالية بسبب مساعدتها للنظام السوري بتوريد المعدات، والمواد اللازمة لصناعة الأسلحة الكيماوية، مؤكدًا أن العقوبات تستهدف أكثر من 50 سفينة، وشركة نقل بحري في عدة دول.

وتقول الولايات المتحدة إن العقوبات الجديدة تهدف إلى وضع ضغط إضافي على كوريا الشمالية، وخفض مصادر الإيرادات والوقود لبرنامجها النووي، بالإضافة إلى السيطرة على التهرب من القيود القائمة بالفعل. ويتضمَّن التقرير، المكوَّن من حوالي 200 صفحة، نسخًا من العقود المبرمة بين الشركات الكورية الشمالية والسورية، فضلًا عن سندات الشحن التي تشير إلى أنواع المواد التي يتم شحنها، وقد ساعدت عدد من الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة في إنجاز هذا التقرير.

ويتناول التقرير أيضًا العلاقات بين كوريا الشمالية وسوريا، وهو يوثِق أيضًا للطرق المتعددة، والشبكة التي تستخدمها كوريا الشمالية من أجل التحايل على العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة، بالإضافة إلى بيان كيفية استخدام كوريا الشمالية لشبكة معقدة من الشركات، والمواطنين الأجانب، من أجل استعطافهم للحصول على التمويل الدولي.

المصادر

تحميل المزيد