المقارنات بين العالم العربي وكوريا لا تنتهي، من طرق القتل البشعة والحكّام الذين يبقون في سلطة مدى الحياة إلى مستوى القمع القياسي والإنفاق السخيّ على التسلّح. صحيح أن الجغرافيا قد باعدت بين كوريا الشمالية والعالم العربي، لكن صواريخها البالستية التي تسيل لُعاب أنظمة الشرق الأوسط خلقت علاقات بين هذه الأطراف، وأجبرتهم على الالتفاف حول العقوبات الدولية المفروضة على كوريا الشمالية، وفتح قنوات سريّة للاتصال بالنظام الأكثر انغلاقًا في العالم.

بعد حرب التصريحات الأخيرة بين الرئيس الأمريكي ترامب ونظيره الكوري الشمالية كيم جونغ أون والتجارب الصاروخية الكورية التي مرّت فوق اليابان، أدانت دول عربية هذا التصعيد الكوري واعتبرته تهديدًا للأمن العالمي، بالتأكيد ستدين الأنظمة السياسية في العلن تجارب كوريا الشمالية الصاروخية وتشجبها بأقوى العبارات، لكنّ حوارات أخرى مختلفة تمامًا تجري في السر، والنظام الذي يتمّ انتقاده حول ملفّات حقوق الإنسان ليل نهار، هو ذو فائدة بالغة في الغرف المغلقة. وقد يوحي البعد الجغرافي لكوريا الشمالية بأن لا ناقة لها في الصراع العربي الإسرائيلي، لكنّ الوقائع التاريخية والتحالفات العسكرية غير المعلنة توحي بشيءٍ مختلف تمامًا.

في هذا التقرير نرصد حجم التعاون بين كوريا الشمالية وإيران التي تسعى بدورها للحصول على السلاح النووي، والعلاقات التاريخية مع الجزائر التي تعدّ من أوائل البلدان التي اعترف باستقلالها، ومصر التي تعلن عن قطعها بعد عقود طويلة من التعاون العسكري والاقتصادي، عن الدماء التي سالت بين الكوريين والإسرائيليين، والإمارات التي تدين الكوريين في العلن وتتسابق على صواريخهم في السر، والدور الكوري غير المعلن في الحرب الأهلية السورية.

عن الإمارات وكوريا الشمالية، اقرأ أيضًا: منتهكة الحظر الدولي.. النهم الإماراتي يتزايد نحو التسليح والتصنيع العسكري

مصر.. الصديق القديم صار عبئًا

بدأت الشراكة بين كوريا الشمالية ومصر حين كان العدو المشترك هو المعسكر الغربي الرأسمالي، لكن حتى عندما غيّرت مصر توجّهها وانفتحت على الغرب بعد اتفاقية كامب دايفيد حافظت على الشراكة الاستراتيجية مع كوريا الشمالية في عهد الرئيسين أنور السادات وحسني مبارك، اليوم، يبدو أن هذه الشراكة – بحكم الضغط الأمريكي- قد وصلت إلى نهايتها، على الأقل في العلن.

عادت العلاقات المصرية-الكورية الشمالية إلى الواجهة بعد الاتصال الذي جرى بين الرئيس المصري والأمريكي، حيث تطرّق الطرفان إلى أزمة كوريا الشمالية. بعدها بأيام معدودة أعلنت واشنطن قطعها لجزء من المعونة المالية لمصر تقدّر بـ95.7 مليون دولار وتعليق حزمة أخرى مقدّرة بـ195 مليون دولار بحجّة «تعطّل المسار الديموقراطي».

لكنّ الصحافة الأمريكية قد ربطت بين الحدثين ورجّحت أن يكون السبب الحقيقي لقطع المعونة هو العلاقات المصرية مع نظام كوريا الشمالية. وقد أعلن بعدها وزير الدفاع المصري خلال زيارته إلى كوريا الجنوبية قطع مصر لجميع أشكال العلاقات مع النظام الكوري، ليأتي الردّ المنتظر من الجانب الأمريكي بأن واشنطن «تدرس استئناف المساعدات الأمريكية لمصر».

اقرأ أيضًا: لأجل حقوق الإنسان أم قلقًا من كوريا الشمالية.. لماذا انقلب ترامب على السيسي؟

تعود العلاقات بين مصر وكوريا الشمالية إلى ستينيات القرن الماضي حيث كانت مصر قريبة من المعسكر الشيوعي، وقد اعترف نظام عبدالناصر باستقلال كوريا الشمالية سنة 1963، كما دعمت كوريا الشمالية مصر في حرب 1973 بإرسالها طيّارين كوريين إلى جانب خبراء تقنيين. وبعد 1973 ازدهرت العلاقة بين النظامين المصري والكوري في مجال تطوير الصواريخ البالستية، حيث اتفق الطرفان على تبادل الخبرات التقنية في مجال تطوير صواريخ سكود. وقد حصلت كوريا الشمالية على صواريخ سكود-بي من مصر في الفترة الممتدة ما بين 1976 إلى 1981.

هذا التعاون امتدّ أكثر من 30 سنة مسببًا للنظام المصري عدّة أزمات وضغوط من الإدارة الأمريكية، وفي سنة 2001 نفت الحكومة المصرية الاتهامات الأمريكية بتطويرها لصواريخ بالتعاون مع كوريا الشمالية وقد شهدت العلاقات بين الطرفين ازدهارًا في عهد الرئيسين السابقين حسني مبارك وكيم إيل سونغ، حيث زار بيونج يونج أربع مرات مابين 1983 و 1990، وتبقى مصر من الدول القليلة التي تملك سفارة في كوريا الشمالية.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ إيل ورجل الأعمال المصري نجيب سويرس. مصدر الصورة:csmonitor.com

كما يجمع البلدين بُعد اقتصادي قويّ يتمثل في استثمارات رجل الأعمال المصري نجيب سويرس في كوريا الشمالية. نجيب ساويرس من بين الشخصيات القليلة في العالم التي لها نفوذ داخل كوريا الشمالية وتملك علاقات شخصية مع القيادة العليا للبلاد، والصورة الشهيرة مع الرئيس السابق كيم جونغ إيل خير دليل على هذا.

كما أن زيارات المتكررة – آخرها في أبريل (نيسان) الماضي – توحي بحجم تعاملاته المالية المتشعّبة داخل البلد الأكثر انغلاقًا في العالم، فاستثماراته من خلال شركة أوراسكوم (OTMT) تغطّي مجالات البناء والأشغال العمومية والاتصالات. وقد وقّعت شركة أوراسكوم للاتصالات عقد شراكة مع الحكومة الكورية من أجل إنشاء «كوريو لينك»، الشركة الوحيدة التي توفّر خدمة اتصالات الجيل الثالث 3G الهاتفية.

وتملك شركة أوراسكوم بنكًا في بيونج يونج عاصمة كوريا الشمالية يدعى «أورابنك» (orabank)  من أجل تسهيل نقل الأموال من وإلى كوريا الشمالية، لكن الشركة أعلنت نيّتها إغلاق هذا البنك جرّاء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على كوريا الشمالية ومن يتعاون معها. نفس البنك كان متّهما بالتعاون مع بنك كوريا الشمالية الخارجي، المتورّط في تمويل أنشطة لها علاقة البرنامج النووي. كما أن ساويرس في لقاء له سنة 2012 أقرّ أن شركته هي المسؤولة عن تشييد وصيانة فندق ريوغيونغ الهرميّ الشهير، وكأن البناية الشاهقة لو نطقت ستقول «إن المصريين قد مرّوا من هنا».

 

فندق ريوغيونغ، كوريا الشمالية. مصدر الصورة: thedailybeast.com

تجمع مصر وكوريا الشمالية علاقات متينة في المجال العسكري تحديدًا، من خلال تعاونهما لما يقارب ثلاثة عقود في تطوير الصواريخ البالستية، كما أن تعاونهما الاقتصادي من خلال رجل الأعمال نجيب ساويرس القريب من الأجهزة السيادية المصرية يمتد لسنوات طويلة، مما يطرح أسئلة حول جديّة التصريحات التي أطلقها وزير الدفاع المصري صدقي صبحي بأن بلاده قطعت العلاقات تمامًا مع كوريا الشمالية بعد الضغوط الأمريكية، فالقائد الكوري الشمالي كان قبل سنتين فقط مدعوًا من قبل الرئيس السيسي لحضور حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، لكن يبدو أن القيادة المصرية لا تريد المجازفة بالعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة.

اقرأ أيضًا: مصر وكوريا الشمالية والإمارات.. تحالف ينمو وراء الستار

إسرائيل وكوريا.. حرب دماء لا تصريحات

دولة لا تصارح المجتمع الدولي بتفاصيل مشروعها النووي، وتتحسس من أيّ لجنة دوليّة لتفتيش مفاعلاتها النووية، كما أنها تؤمن أن محيطها المعادي يتآمر عليها طوال الوقت، وترفض التوقيع على اتفاقية حظر الأسلحة النووية، وتنال الدعم والحماية من قوّة عظمى، ومتّهمة بارتكاب انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان. كل هذه الأوصاف تنطبق على إسرائيل وكوريا الشمالية معًا كما يشير تقرير لهافينغتون بوست في نسخته الإنجليزية، ثنائي لا ينتهي التشابه بينهما، لكنّ كوريا الشمالية هي الوحيدة التي تنال اللّوم والعقوبات الدولية، كما أن هذه التشابهات لم تؤدّ إلى أي ودّ أو تقارب بين الدولتين.

قد تكون العلاقات الإسرائيلية الكورية أخطر وأكثر توتّرًا من الكورية الأمريكية نفسها، فبينما تبقى الحرب الكلامية بين ترامب وكيم جونغ أون مجرد تصريحات تعلو وتخفت، فإن أيدي الإسرائيليين قد تلطّخت بالدماء الكورية. وإن شهدت العلاقات بين النظام الشيوعي وأمريكا شيئًا من التحسّن في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، فإن الشمالية في المقابل لم تعترف يومًا بإسرائيل، وتبقى البلد الوحيد غير المسلم الذي حافظ على هذا التوجّه منذ الحرب الباردة، إذ اعتبرت إسرائيل ابنًا غير شرعيّ للمنظومة الإمبريالية العالمية.

 

كيم جونغ إيل وياسر عرفات. مصدر الصورة: jucheireland.wordpress.com

وقد تقابل الطرفان في ساحة المعركة أكثر من مرّة، أشهرها حين دعمت كوريا الشمالية مصر بطيّارين لطائرات MIG في حرب 1973، وقد تلطّخت الأيدي الإسرائيلية بالدماء الكورية حين قصفت المفاعل النووي السوري سنة 2007 مما أدى إلى مقتل 10 كوريين على الأقل.

وتشير تقارير إلى أن الإنفجار الذي وقع داخل الأراضي الكورية الشمالية سنة 2004 في قطار كان يحمل مواد مشعّة يرجّح استخدامها في أنشطة نووية، وأدى إلى مقتل علماء سوريين بالإضافة إلى مسؤولين كوريين، قد تكون إسرائيل خلفه من أجل منع الجار الشمالي الذي تحتلّ أراضيه (الجولان) من الحصول على التكنولوجيا النووية. كما أن تقريرًا مسرّبًا من الأمم المتحدة لمّح بأن إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة قد اعترضت في الآونة الأخيرة بضائع كانت متوجّهة إلى الشرق الأوسط تتضمّن تكنولوجيا صاروخية وأسلحة كيميائية ومواد مشعّة.

ورغم بعد المسافة الجغرافية بينهما، إلا أن حربًا بالوكالة بينهما مشتعلة منذ سنوات، فالصحافة الإسرائيلية تتهم  كوريا الشمالية بتزويد حركة حماس بالتكنولوجيا اللازمة لحفر الأنفاق، كما تتهمها بتزويد حزب الله بصواريخ سكود-دي SCUD-D  بالإضافة إلى تعاونها العسكري السريّ مع حكومات تعتبرها إسرائيل تهديدًا لأمنها القومي كإيران التي تطمح لامتلاك السلاح النووي، والحكومة السورية ومصر.

الجزائر وبيونغ يانغ.. والصلحُ خير

بعد تجاربها الصاروخية الأخيرة وتصعيدها في وتيرة التهديدات العسكرية للولايات المتحدة، أرسلت الأخيرة عدّة تنبيهات للبلدان التي تملك علاقات دبلوماسية مع كوريا الشمالية للضغط عليها من أجل قطع هذه العلاقات، وقد كانت الجزائر إحدى هذه البلدان.

العلاقات الكورية-الجزائرية، أقدم من نظيرتها الأمريكية-الجزائرية نفسها، فقد بدأت حين اعترفت كوريا الشمالية بالحكومة الجزائرية المؤقتة التي تأسّست سنة 1958 كهيئة سياسية تابعة لجبهة التحرير الوطني خلال الثورة الجزائرية (1954-1962) ضد الاستعمار الفرنسي. وقد جاء هذا الاعتراف والدعم في إطار انحياز دول المعسكر الشيوعي لحركات التحرر الوطني ضد مستعمرات المعسكر الغربي الرأسمالي، والجزائر بدورها كانت من أوائل الدّول التي اعترفت بكوريا الشمالية. كما أن زعيمها التاريخي «كيم إيل سونغ» جدّ الرئيس الحالي قد زار الجزائر سنة 1975 وتجوّل في شوارع العاصمة مع الرئيس الرّاحل هواري بومدين.

وقد أولى نظام كوريا الشمالية قمّة دول عدم الانحياز المنعقدة في الجزائر سنة 1973 اهتمامًا بالغًا، حيث أرسل مبعوثين رسميين بالإضافة إلى صحافيين لتغطية القمّة والضغط من أجل تبنّي رؤيتها لحلّ قضيّة الوحدة بين الكوريّتين.

ومنذ سنة 2016 شهدت العلاقات انتعاشًا محدودًا، فقد جرى توقيع معاهدات «تعاون ثقافي» بين البلدين بالإضافة إلى «معاهدة صداقة» بين جامعة بيونغ يونغ وجامعة الجزائر.

وفي أبريل (نيسان) الماضي زار نائب وزير الخارجية الكوري الجزائر والتقى بمسؤولين جزائريين، وأكّدت الجزائر على رؤيتها لحل المسألة الكورية الذي يتمثّل في «دعم الوحدة بين الكوريّتين بالطرق السلمية ودون تدخل أطراف خارجية». ورغم الفرق الشاسع في السنّ بين الزعيم الكوري الشاب والجزائري العجوز، إلا أن العلاقة بين بلديهما تبقى متقاربة، فقد تبادل بوتفليقة وكيم جونغ أون الرسائل في الآونة الأخيرة، كما التقى بوتفليقة السفير الكوري وأجرى محادثات طويلة معه مما يدل على أن العلاقات بين الطرفين ما زالت نشيطة.

وبدل قطع العلاقات مع نظام كيم جونغ أون مثلما تطلب الولايات المتّحدة، عرضت الجزائر الوساطة بين الكوريّتين من منطلق العلاقات التاريخية التي تملكها مع كل من كوريا الشمالية والولايات المتحدة، فقد كان للجزائر دور دبلوماسي بارز في حلّ أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران، ولها بشكل عام تاريخ من الوساطة والتوفيق بين الأطراف المتنازعة.

اقرأ أيضًا: الدبلوماسية الجزائرية.. من الفخر بمانديلا إلى «انتهاكات» بشار

على الجانب الآخر، ومن بين النقاط السوداء التي تجمع الجزائر بكوريا الشمالية قضيّة العمالة الكورية التي تشتغل في الجزائر في قطاعات الأشغال العمومية، والتي تشير تقارير من منظمات حقوقية أنها تعمل في ظروف مزرية وبأجور بخسة لساعاتٍ طويلة دون احترام الشروط الآدمية للعمل. وتستخدم الحكومة الكورية –حسب التقارير الحقوقية- هؤلاء العمّال عبر شركات عالمية –صينية غالبًا- في مشاريع البناء وتخفي تواجدهم حتى تتجاوز العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، ممّا جعلت الهيئات الحقوقية تصف وضعيّتهم بالاستعباد الحديث.

Embed from Getty Images
عمّال بناء في العاصمة الكورية الشمالية بيونغ يانغ

لكن ما سر هذه الألفة من الجزائر تجاه الكوريين؟ يعتمد النظام السياسي الجزائري في وجوده على الشرعية الثورية منذ الاستقلال، فكل الرؤساء الذين حكموا الجزائر كانوا أعضاء في جبهة التحرير الوطني خلال الثورة التحريرية، وبالتالي فإن قطع العلاقات مع كوريا الشمالية سيبدو كتخلّ على صديق دعم الجزائر في كفاحها نحو التحرّر. لذلك يبدو غير واقعي طلب الولايات المتحدة أن يتخلّى النظام الجزائري عن أول بلد اعترف بحكومته المؤقتة في فترة الكفاح المسلح ضد المستعمر الفرنسي، والذي دعمه حين كان معزولًا دوليًا في عشريته السوداء. كما وتعدّ كوريا الشمالية من البلدان القليلة التي ما زالت تعترف بجبهة البوليساريو التي تطالب باستقلال إقليم الصحراء الغربية، الموقف الذي تدعمه الجزائر بكل قوّة.

الإمارات.. نحبُّ صواريخكم وندين صُراخكم

في العلن، تُدين دولة الإمارات التجارب الصاروخية الكورية بأشدّ العبارات، ولكنها تحت الطاولة تشتري من كوريا الشمالية أسلحة بملايين الدولارات لتموّل بها حربها الدامية في اليمن. فقد كشف معهد شؤون الخليج الأمريكي أن الدولة الخليجية قد اشترت ما قيمته 100 مليون دولار من الأسلحة عن طريق شركة قريبة من صنّاع القرار الإماراتيين، وقد تضمّن الصفقة بيع صواريخ ورشّاشات آلية لنقلها إلى الصراع الدائر في اليمن لاستخدامها من قبل جماعات مسلحة مدعومة من الحكومة الإماراتية. وقد نقلت تقارير صحفية غضبًا أمريكيًا من هذه الصفقة واعتراضًا رسميًا عليها كما جاء في أحد الإيميلات المسرّبة.

Embed from Getty Images
قوّات إماراتية.

وتأتي هذه الصفقة السرية في إطار التوجّه الإماراتي نحو زيادة التسلّح وتقوية ترسانتها العسكرية، توجّه تأكّد بعد الربيع العربي من خلال تدخلاتها العسكرية المباشرة أو عن طريق تسليح أحد الفصائل المتحاربة كما هو الحال في ليبيا واليمن.

ويُستخدم موضوع التعامل مع كوريا الشمالية باعتباره ورقة ضغط في قلب الأزمة الخليجية بين قطر ودول الحصار، فقد اتّهمت قطر الإمارات عن طريق وسائل إعلامها بالتعامل المشبوه مع كوريا الشمالية بعد صفقة الأسلحة الموجّهة لليمن وخرق العقوبات الدولية المفروضة عليها.

وردًّا على ذلك نشرت جماعات ضغط سعودية في الولايات المتحدة مقالات في الصحف الأمريكية عن حجم تعامل النظام القطري مع كوريا الشمالية متهمة قطر باستعمالها للعمالة الكورية الشمالية الرخيصة في أعمال البناء المتعلقة بكأس العالم في قطر 2022، كما اتهمتها باستخدام العمالة الكورية باعتبارهم مُرتزقة لحماية النظام القطري حسب ما جاء في التقرير.

اقرأ أيضًا: بعد 100 يوم.. إيران هي الرابح الأكبر من حصار قطر

إيران.. العقوبات تولّد الصداقات

ما الذي سيحدث حين يفرض المجتمع الدولي على دولتين معًا عقوبات اقتصادية قاسية للأسباب ذاتها؟ العلاقات الإيرانية الكورية تجيبك. فقد رجّح الكثير من المراقبين وجود تعاون عسكري بين النظام الإيراني والكوري بحكم برنامجهما النووي الذي يعارض المجتمع الدولي وجوده، وقد خرجت لجنة تحقيق تابعة للكونجرس الأمريكي بنتيجة أنه لا يوجد أدلة كافية ترجّح وجود تعاون نووي بين كوريا الشمالية وإيران، لكن تعاونهما في مجال تطوير الصواريخ البالستية واضح ومتطوّر.

ففي شهر مايو (أيار) الماضي أجرى الجيش الإيراني تجارب صاروخية في مضيق هرمز، ورغم أن التجارب فشلت إلا أنّ الأجهزة الأمنية نظرت لما هو أبعد من مجرّد تجارب صاروخية، فنوعية الصواريخ التي تمّ تجريبها (غدير) تتشابه إلى حدّ كبير مع نوعية (يونو) التي تمتلكها كوريا الشمالية، مما يقوّي احتمالية وجود تعاون صاروخي بين البلدين.
فهل يجري في الظلّ تعاون نووي بين المرشد الشيعي الأعلى وبين القائد الشيوعي الأعلى؟

اقرأ أيضًا: السيناريو الخفي.. إيران تمول مشروع كوريا الشمالية النووي وإسرائيل أول من يعلم

ترجّح تقارير أن التعاون النووي قائم بالفعل بين الدولتين نظرًا إلى التشابه الكبير في تصميم الصواريخ البالستية الإيرانية والكورية القادرة على حمل رؤوس نووية، كما أن الأمريكيين الإسرائيليين في معارضتهم الشديدة لمشروع كوريا الشمالية النووي يرون أن كوريا نووية تعني إيران نووية أيضا بالضرورة، ولعلّ أفضل من عبّر عن هذه الرؤية هو السفير الأمريكي السابق للأمم المتحدة جون بولتون حين قال «إذا حصلت كوريا الشمالية على القنبلة النووية فإن إيران ستحصل عليها في اليوم التالي».

إيران تستعرض منظومتها الصاروخية. مصدر الصورة: شبكة شهاب

ويرى محلّلون عسكريون إسرائيليون أن إيران حصلت على تفاصيل تقنية عن كيفية عمل الصواريخ البالستية الكوريّة ثم قامت بتطويرها بفضل خبرائها، وأعادت تلك المعلومات إلى الكوريين مما يعني حسب المحلّلين أن إيران «تساهم في التراكم المعرفي للبرنامج النووي الكوري».
ويتخوّف المراقبون من أن الإتفاق النووي الإيراني الذي وقّعت عليه إيران في سنة 2015 من أجل وقف برنامجها النووي قد يمكن إيران من أن  تلتفّ عليه من خلال التعاون السرّي مع كوريا الشمالية، خصوصًا أن التعاون في مجال الصواريخ البالستية قائم بالفعل، وبما أن الحكومة الأمريكية الحالية بقيادة ترامب تعارض بشدّة الاتفاق النووي مع إيران الذي رعته إدارة أوباما فقد لا يستبعد الإيرانيون احتمالية المضيّ قدمًا في هذا البرنامج بالتعاون مع الكوريين.

في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش وعقد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 أعلن عن البلدان الداعمة للإرهاب وأسماها بمحور الشرّ، وتضمّنت كلًّا من إيران وكوريا الشمالية والعراق. عزل بذلك جورج بوش الإيرانيين والكوريين وجعل التعاون بينهم مسألة وجودية من أجل الالتفاف على الحصار الدولي المفروض عليهم.

الصين تعتبر همزة وصل في العلاقات الإيرانية الكورية، وتعدّ من بين البلدان التي لها علاقات جيّدة مع كل من إيران وكوريا الشمالية، مما جعلها متّهمة من قبل الأمريكيين بأنها ترعى التعاون العسكري بين إيران وكوريا الشمالية خصوصًا بعد اكتشاف شحنة صواريخ منقولة من كوريا الشمالية إلى إيران عن طريق بيكين الصينية. وتدعو الصين المجتمع الدولي إلى إجراء محادثات نووية مع كوريا الشمالية على شاكلة الاتفاق النووي الإيراني، وقد كانت الصين إحدى البلدان التي شاركت في المحادثات النووية مع إيران.

سوريا.. للحرب فوائد أيضًا

لعل انتشار خبر تسمية حديقة وسط دمشق باسم زعيم كوريا الشمالية التاريخي كيم إيل سونغ صوحب بشيء من السخرية، إذ اُعتبرت هذه التسمية تحيّة من نظام دكتاتوري إلى آخر، لكن العلاقات لا تتوقّف عند مجرّد تسمية حديقة صغيرة.

في الخامس من سبتمبر (أيلول) سنة 2008 هزّ انفجار كبير صحراء دير الزور السورية نفّذته طائرات إسرائيلية اخترقت الأجواء السورية ودمّرت منشأة عسكرية، وقد جرى تعتيم شديد على هذه العملية من الجانب الإسرائيلي والسوري على حدّ سواء.

خرجت فيما بعد تفاصيل عن أسباب هذا التفجير بعد تحقيقات صحافية، كشفت أن المنشأة التي تمّ تفجيرها كانت تتعلّق بمشروع نووي سريّ تم كشفه بعد سلسلة من الاتصالات التي سجّلتها المخابرات الأمريكية بين المنشأة العسكرية في الصحراء السورية وبين كوريا الشمالية. كشف هذا التفجير عن حجم التعاون العسكري بين النظام السوري والكوري في الميدان النووي حيث كان النظام الكوري عازمًا على نقل خبرته التقنية في هذا المجال إلى النظام السوري، وقد وقع 10 ضحايا كوريين شماليين في الغارة حسب بعض التقارير.

صورة منشأة دير الزور العسكرية قبل وبعد الغارة الإسرائيلية. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وتدعم كوريا الشمالية رسميًّا النظام السوري في الحرب الأهلية التي انطلقت سنة 2011، فعلاقات النظامين التي بدأت منذ عهد الزعيمين حافظ الأسد وكيم إيل سونغ بقيت نشيطة طول الوقت، فقد شاركت كوريا في تطوير برنامج الأسلحة الكيماوية السوري بالإضافة إلى برنامج الصواريخ البالستية.

وهذا الدعم لا يقتصر فقط على مجرد التصريحات السياسية خلال الحرب، بل يتعدّاه إلى الدعم العسكري واللوجيستي، فقد تم اعتراض عدّة شحنات أسلحة كانت قادمة من كوريا الشمالية نحو سوريا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أن باحثين قالوا إن كوريا الشمالية في الحقيقة استفادت كثيرًا من الحرب الأهلية السورية، حيث كانت الساحة السورية حقلًا لتجارب أسلحتها وتكتيكاتها العسكرية هناك، وفي نفس الوقت الذي أفادت به النظام السوري في حربه على جماعات المعارضة المسلّحة، فإنها استفادت أيضًا من خبرة عسكرية عملية قد تستخدمها في حروبها القادمة المحتملة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد