في يوليو (تموز) الماضي، وعلى بُعد عميق تحت رمال منطقة سقارة الأثرية في مصر، أزال أثريون الستار عن كشف فريد قد يبوح بالكثير من الأسرار عن المومياوات المصرية القديمة وعملية التحنيط؛ إذ يضم هذا الكشف ورشة أثرية لتحنيط الموتى ألحقت بها حجرات للدفن وُجِد فيها خمس مومياوات، بالإضافة إلى قناع مومياء فضي مذهب، ومزين بأحجار شبه كريمة، وهو الكشف الذي يقول علماء الآثار عنه إنه قد يشكل ثروة معرفية جديدة تكشف سر عملية التحنيط عند الفراعنة، التي أثارت دهشة العالم وفضوله.

لكن – وبقراءة التاريخ – نكتشف أن المومياوات الشاهدة على حضارات مندثرة أو التي تُمثل «سر الدولة»، لم تكن حكرًا على الحضارة المصرية القديمة، بل عُثر أيضًا على العديد من المومياوات المُنتسبة لحضارات أخرى قديمة ولبلاد حديثة، والتي اختلفت تقنيات حفظها وتحنيطها، بحسب الحضارة أو البلد التي تنتمي إليها، علاوة على اختلاف سبب التحنيط، الذي لم يكن دينيًا بحتًا، أو يتعلق بعقيدة الحياة بعد الموت.

التقرير التالي يستعرض بعض المومياوات المُكتشفة والمحفوظة بشكل جيد، والتي تكشف الكثير من أسرار الحضارات، وتساعد في سبر أغوار التاريخ البشري.

السيدة داي.. جميلة الصين النائمة في صمت

لم تكن السيدة شين زوي، أو السيدة داي، نسبة إلى زوجها المركيز داي، تعلم أنها ستحظى بشهرة واسعة بعد ألفي عام من وفاتها، ففي عام 1971 اكتشف بعض العمال الذين كانوا يحفرون لبناء ملجأ من الغارات الجوية بالقرب من تشانغشا في الصين، مقبرة أثرية فخمة تحتوي على جثة في حالة جيدة جدًا، ومحفوظة بشكل استثنائي (مقارنة بعمرها الذي يعود لعصر ما قبل ميلاد المسيح)، علاوة على ألف قطعة ثمينة ووثائق قيمة تخص السيدة داي، وأربعة توابيت من خشب الصنوبر، بداخل بعضها البعض مصممة خصيصًا من أجل رحلة الموت والعبور إلى العالم الآخر، ومزودة أيضًا بطلاسم ونقوش لحماية السيدة النبيلة، ومساعدتها في الحصول على الخلود.

المومياء الخاصة بالسيدة داي، والتي كانت تعيش في عهد أسرة هان، وتوفيت عن عمر يناهر 50 عامًا، في عام 163 قبل الميلاد؛ كانت ملفوفة في 20 طبقة من الملابس، ومعقودة بشرائط من الحرير، وبدراسة الجسد المحنط وُجِد أن أجهزة الجسم الرئيسة كانت في حالة ممتازة، وكانت بشرتها ناعمة ورطبة، حتى أن الباحثين تمكنوا من استخراج كميات صغيرة من الدم من عروقها، وتحديد فصيلة دمها التي كانت من النوع A. بصمات أصابع شين زوي كانت هي الأخرى لا تزال واضحة ومتماسكة، وكذلك رموش عينيها، وشعر خفيف فوق رأسها تحت الشعر المستعار الذي كانت ترتديه.

الأطباء في معهد مقاطعة هونان الطبي أجروا تشريحا لجسد السيدة داي في 14 ديسمبر (كانون الأول) 1972، واستطاعوا معرفة الكثير عن نمط حياتها الأرستقراطي، وموعد وفاتها (صيفًا بعد ظهور ثمار البطيخ، وذلك لعثورهم على بقايا بذور البطيخ في معدتها)، وأن وفاتها كانت جراء نوبة قلبية؛ بسبب السمنة، وعدم ممارسة الرياضة، والنهم لتناول الطعام الذي تسبب لها في أمراض السكري، وحصوات بالمرارة، وارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول.

 الباحثون بمعهد هونان الطبي يفحصون مومياء السيدة داي – مصدر الصورة: Hunan Provincial Museum

واستدل العلماء أيضًا من مومياء السيدة داي ومن المقتنيات التي عُثر عليها برفقتها بأن عملية الدفن وحفظ الموتى في عهد أسرة هان كانت شائعة بين الطبقات النبيلة، وكذلك متقنة للغاية. وأن الاعتقاد في الخلود ووجود عالم آخر للموتى يحتاجون فيه إلى الغذاء والسكن كان شائعا جدًا، وأن طاعة الآباء في عصر أسرة هان يساعد على العبور إلى العالم الآخر والحصول على الخلود.

لا دونسيلا.. عذراء الإنكا التي منعت غضب البركان النائم

قبل 500 عام في الأرجنتين خرج بعض كهنة حضارة الإنكا، ومعهم ثلاثة أطفال أصحاء (فتاتين وصبيّ)، وبعض كنوز شعب الإنكا: من أوان فخارية، وتماثيل ذهبية وفضية، وأقمشة مزخرفة، وحرائر، وساروا مئات الأميال، حتى وصلوا إلى قمة جبل لولايلاكو، حيث البركان النائم.

وهناك على قمة الجبل، أعطوا هؤلاء الأطفال شراب الشيشا المخمر، المُستخرج من الذرة، حتى غابوا عن الوعي، ثم وضعوهم في حفرة، وتركوهم ليتجمدوا حتى الموت، على أمل أن تمنع تلك التضحية الهائلة (أو ما يعرف بطقس الكاباكوشا الديني) غضب الآلهة الجبلية، وأن يبقى هؤلاء الأطفال فوق سفح جبل لولايلاكو إلى الأبد، كي يُراقبوا قُراهم في صمتٍ أزلي، ويحرسونها كالملائكة من غضب البركان.

مومياء لا دونسيلا – مصدر الصورة: Live Science

في عام 1999 اكتشفت جثث أو مومياوات هؤلاء الأطفال، محفوظة في صورة جيدة جدًا بسبب الظروف الجليدية، وارتفاع مكان دفنهم في قمة الجبل، وعرفت الفتاة الأكبر سنًا باسم لادونسيلا، أي العذراء.  وتبين بتحليل البصمة الكيمائية والحمض النووي أنه قد جرى تغذيتهم لشهور طويلة على أوراق الكوكا المخدرة قبل التضحية بهم.

وأظهرت البيانات الأثرية والإشعاعية أيضًا أن الفتاة الكبيرة لا دونسيلا، عوملت على نحو مختلف وراقٍ، بالرغم من أنها أتت من أصول ريفية، هي والطفلان الآخران. لكنهم عوملوا في العام الأخير قبل طقس التضحية، على نحوٍ آخر، يليق بأبناء النخبة؛ إذ تغذّوا على اللحم والذرة؛ مما يشير إلى أن التضحية بالأطفال كان أمرًا مهمًا لإمبراطورية الإنكا، التي استخدمت الأطفال باعتبارهم قرابين طوال الوقت وفي كل الظروف؛ في الكوارث الطبيعية، وفي أوقات الحرب، ومن أجل التقرب إلى الآلهة ونيل رضاها، وكان هذا الطقس العنيف، يُعد طبقًا لمعتقداتهم، تشريفًا وتكريًما لأسرة الطفل المختار للتضحية.

فيلاديمير لينين.. سر الدولة الروسية

 في قبر على شكل هرم بالساحة الحمراء في موسكو، يُعرض للعامة جسد الزعيم الشيوعي، فيلاديمير لينين الذي توفي في يناير (كانون الثاني) 1924 مرتديا بذلة سوداء متواضعة، عيناه مغلقتان، وشعره ممشط، وشاربه مرتب بشكل أنيق، وتسكن أذرعه بهدوء على جانبيه، في صورة شديدة الشبه بشخص نائم، لدرجة أن هيئته هذه، تُخيف الأطفال. الزعيم الثوري الذي يُعد رمزا للثورة البلشفية، كان قد طلب أن تدفن جثته؛ وكان الاتفاق أن يكون هذا الحفظ بشكل مؤقت حتى موعد تشييع جنازته التي استمرت مراسمها أربعة أيام، لكن القادة السوفييت عادوا وقرروا الاحتفاظ بجثمانه، تخليدًا لذكراه وتقديرًا له.
وبالرغم من أنه بين الفترة والأخرى، تُثار إشكالية ما يجب فعله بهذا الجسد، إلا أن قرار دفنه لا يزال غائبًا عن المشهد. فجسد لينين الذي يرصده العلماء يوميًا بعناية، مُحتفظٌ به في درجة حرارة ورطوبة مثالية، في حاوية زجاجية مُحكمة لمنع جثته من التحلل. وتُصنَّف الطريقة الدقيقة المستخدمة في حفظ جسم لينين على أنها سر من أسرار الاتحاد السوفيتي.

ومع ذلك فقد كشف العلماء مؤخرًا أن هذه العملية تنطوي على إزالة جميع الأعضاء الجسدية، وحقن سائل التحنيط في الأوردة، ونقع الجسم في سائل التحنيط لمدة ستة أشهر تقريبًا، فيما نُقل دماغ الزعيم الشيوعي إلى مركز الأمراض العصبية في الأكاديمية الروسية للعلوم، حيث جرت دراسته عدة مرات من أجل التعرف إلى «القدرات غير العادية للزعيم».

أميرة أوكوك ذات الوشوم المذهلة

يعرف الوَشْمُ بأنه ما يكون من غَرْز الإِبرة في البدن وذَرِّ النِّيلَج (صبغة) عليه حتى يزرقّ أَثرُه أَو يخضرّ، ويبقى إلى الأبد بعدما دلل على ذلك؛ العثور على مومياء أميرة أوكوك السيبرية المتجمدة.

فالمومياء التي يرجع تاريخها إلى القرن الخامس قبل الميلاد وتنتمي إلى شعب الـبازيريك، وعثر عليها عام 1993،  فريق استكشاف أثري في جليد سيبريا، محاطة بستة من الأحصنة بالإضافة إلى مؤن غذائية وزخارف وأوانٍ محلية وأدوات تجميل وحلى ذهبية، وصندوق من الحشيش، ومعروضة الآن في ضريح خاص بالمتحف الجمهوري القومي في عاصمة جمهورية ألتاي (إحدى الكيانات الفيدرالية الروسية). وقد كان جسدها مغطى بوشوم دقيقة للغاية ومذهلة، تسبق بمسافات كبيرة فن الوشم الحديث المتعارف عليه الآن.

إعادة رسم للوشوم الدقيقة المُذهلة التي وُجدت على جسد أميرة أوكوك السيبرية – مصدر الصورة: Japanese mythology

ومنذ العثور على مومياء الأميرة السيبرية التي اكتُشف لاحقًا أنها ماتت جراء إصابتها بسرطان الثدي، في الـخامسة والعشرين من عمرها؛ وحتى عودتها إلى متحف ألتاي القومي، كانت في المعهد العلمي في نوفوسيبيرسك، باستثناء فترة نُقلت فيها المومياء إلى موسكو، حيث رمّم جسدها الفريق العلمي ذاته الذي يحافظ على جسد الزعيم الشيوعي فلاديمير لينين.

ويقول الباحثون: إن الوشوم التي تغطي جسد الأميرة تكشف جزءًا كبيرة من ثقافة شعب البازيريك الذي آمن في أن هذه الوشوم تُسهّل من عثور المتوفين على ذويهم في العالم الآخر، وكذلك تُسهّل من عملية عبور الروح وتهدي الأموات إلى عالم الخلود.

المصادر

تحميل المزيد