1,986

قُل كلمتك وامشِ. *جمال خاشقجي

في الواحدة من ظهر الثلاثاء الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، دخل الكاتب السعودي جمال خاشقجي إلى مبنى القنصلية السعودية في تركيا للحصول على «مستند رسمي» يفيد بعدم زواجه؛ كي يتمكن من إتمام مراسم زواجه من خطيبته التركية السيدة خديجة أزور، لكن خاشقجي – وبحسب تصريحات خطيبته – «دخل ولم يعُد».

إذ أبلغت السيدة خديجة الشرطة التركية أن الجميع قد غادر القنصلية، عدا خاشقجي، واتهمت المملكة السعودية، ممثلةً في قنصليتها بتركيا، بالوقوف وراء حادث اختفاء الإعلامي السعودي الذي يعيش في منفاه الاختياري بالولايات المتحدة الأمريكية، بعدما تحول من أحد الإعلاميين المقربين من دوائر صنع القرار إلى صحافي معارض بين ليلة وضحاها.

خاشقجي ليس الوحيد.. أبرز المعارضين السعوديين المختطفين في «العهد السلماني»

القنصلية السعودية ردت على هذه الاتهامات، مصرّحة أن خاشقجي غادر بعد دقائق من دخوله القنصلية، وأنها لا تعرف مكانه، وأبدت استعدادها للتعاون مع الشرطة التركية من أجل الوقوف على ما حدث للمواطن السعودي، وفي الوقت الذي ألمح فيه البعض على وسائل التواصل الاجتماعي إلى اختطاف خاشقجي ونقله للمملكة العربية السعودية؛ أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أثناء حواره مع شبكة بلومبيرج الأمريكية منذ يومين أن خاشقجي ليس في القنصلية، وأنه لا يعلم مكانه، مؤكدًا أنه لو كان في السعودية لكان قد علم بذلك؛ الأمر الذي تسبب في إثارة حالة من البلبلة بين المغردين والمتابعين للشأن العام على مواقع التواصل الاجتماعي، وسط تكهنات بأن خاشقجي قد تم التخلص منه، قبل أن يتم تأكيد الأمر بحسب وكالة أنباء «رويترز» وصحيفة «واشنطن بوست» التي كان خاشقجي يكتب فيها.

تصريح ولي العهد السعودي أعاد للأذهان حوادث اختفاء غامضة وقعت لمعارضين آخرين في الشرق الأوسط، ولا يزال مصير البعض منهم مجهولًا إلى الآن. التقرير التالي يستعرض أشهر حالات اختفاء وقعت لمعارضين في المنطقة العربية، منهم من تم ترجيح قتله مثل خاشقجي، ومنهم من لا يزال البحث عنه مستمرًا إلى الآن.

المهدي بن بركة.. المعارض الذي اجتمعت له فرنسا والمغرب وإسرائيل

في يوم 29 أكتوبر عام 1965 في العاصمة الفرنسية باريس اختفى إلى الأبد السياسي المغربي معارض الملك الحسن الثاني مهدي بن بركة، رئيس الاتحاد الوطني للقوى الشعبية اليسارية.

وخلال عشرات السنوات ظلت وقائع خطفه واختفائه إلى الأبد أمرًا مبهمًا، حتى أصدر الصحافي والكاتب الإسرائيلي رونين بيرجمان كتابًا بعنوان «التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية»، وحكى فيه عن تفاصيل قتل مهدي بن بركة على يد عملاء مغاربة والشرطة الفرنسية، قبل أن تتكلف إسرائيل بالتخلص من جثته.

(المهدي بن بركة)

وكان ابن بركة الذي بدأ نشاطه السياسي وهو في الرابعة والعشرين من عمره، قد وقع على وثيقة المطالبة بالاستقلال -استقلال المغرب عن فرنسا – في عام 1944، وتسليم السلطة إلى القيادة الشرعية للبلاد، ممثلة في محمد الخامس، فخرج المغاربة عن بكرة أبيهم في تظاهرات حاشدة، مطالبين بتفعيل ما جاء في هذه الوثيقة، فما كان من فرنسا إلا أن صعدت الأحداث باعتقال العشرات، وعلى رأسهم ابن بركة، الذي قضى في السجن بضع شهور، قبل أن يخرج وينشئ «حزب الاستقلال».

فرنسا عادت عام 1951 واعتقلت ابن بركة ونفته إلى الصحراء جنوب البلاد، ولم يُفرج عنه إلا في عام 1954، ليعود مرة أخرى إلى نضاله ضد الاستعمار الفرنسي. تبوأ مهدي بن بركة منزلة رفيعة بعد استقلال المغرب عام 1956، وعُين رئيسًا للمجلس الاستشاري الذي ضم ممثلين من مختلف الهيئات السياسية والنقابية، ثم أسس مع رفاقه حزبًا آخر في عام 1959، كان نشاطه الرئيس معارضة نظام حكم الملك، وبدأ في توجيه انتقادات لاذعة للمؤسسة الملكية والموالين لها، حتى اتسعت الفجوة بين القصر وحزب ابن بركة الجديد، واضطر ابن بركة لمغادرة البلاد خوفًا على حياته.

انتقل ابن بركة في بداية خروجه من المغرب إلى الجزائر، ثم إلى مصر، ولم يتوقف عن الدفاع عن مواقفه فيما يخص الشأن المغربي، وكذلك دعم حركات التحرر في الوطن العربي.

(جانب من نشاط المهدي بن بركة السياسي)

وقبيل يومٍ واحد من انتهاء شهر أكتوبر عام 1965 خرج ابن بركة لملاقاة أحد المخرجين لإنجاز فيلم وثائقيً عن حركات التحرر العالمية، ولم يظهر منذئذ للأبد. إذ تقول الوثائق التي جرى كشفها بعد عشرات السنوات: إن شرطيين فرنسيين قابلا ابن بركة بعد خروجه من المقهى، وطلبا منه مرافقتها لمقابلة مسؤول كبير بعيدًا عن أعين الإعلام، وتقول الوثائق المكشوفة: إنه كان وزير الداخلية المغربي آنذاك الجنرال محمد أوفقير.

لا أحد يعرف على وجه التحديد تفاصيل ما حدث لابن بركة بعد ذهابه مع الشرطيين؛ فبعض الروايات تقول إنه عُذب وصّوِّر ثم قُتِل بدم بارد، قبل أن يُطلب من الموساد التخلص من جثته، وأخرى تقول إنه أصيب بحالة هياج عندما طالت فترة انتظاره لأوفقير؛ فضربه شرطي فرنسي فقضى عليه ودُفن على ضفاف نهر السين، وتقول رواية ثالثة: إنه نُقل إلى المغرب بتواطؤ مخابراتي فرنسي وأمريكي، وهناك قُتل وذوب في الأسيد.

ولا تزال أسرته بعد كل هذه السنوات تطالب بالكشف عن ملابسات اختطافه وقتله، وموضع جثته، دون جدوى.

مصادر خاصة: عذّبوه وقتلوه.. والشرطة التركية تعتقد أنّ خاشقجي قُتل داخل القنصلية السعودية

رضا هلال.. راكب المصعد الذي لم يصل أبدًا

في ليلة من ليالي شهر أغسطس (آب) عام 2003 دخل الصحافي المصري رضا هلال إلى المبنى السكني الذي يقيم فيه، وطلب المصعد الذي سيحمله إلى شقته، لكنه وحتى وقتنا هذا لم يصل أبدًا. وخلال كل هذه السنوات طرقت أسرته كل الأبواب، بدءًا من المستشفيات وأقسام الأمراض العقلية، ومرورًا بالسجون، وانتهاءً بالمقابر، لكنهم لم يصلوا إلى خيط يمكن أن يتتبعوه.

أما سبب اختفائه وبحسب تصريحات بعض الصحافيين والإعلاميين فيعود إلى كشف هلال عن معلومات دقيقة تخص شراكة جمال مبارك، ابن الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والذي كان يعده لخلافته في حكم مصر، لرجال أعمال يهود، وكذلك حديثه عن مشروع التوريث؛ مما دفع برجال المخابرات أو ضباط أمن الدولة إلى التدخل وإسكاته إلى الأبد، بإيعاز من مبارك الابن.

سيناريو آخر يقول إن اختفاءه له علاقة بزوجة أحد الوزراء في عهد مبارك، خاصة وأن فريق التحقيق قد وجد رسالة صوتية مسجلة على جهاز المجيب الآلي الخاص بشقة هلال تحمل رسالة تهديد، ويقال إن صوت المتصلة يتطابق مع صوت زوجة وزير داخلية مبارك، حبيب العادلي، واضطرت الشرطة بعد ثورة يناير، وتحت ضغط إخوة هلال إلى إعادة التحقيق في الأمر، واستجواب زوجة العادلي، لكنها لم تصل إلى أية معلومة تفيد قضية اختفاء هلال.

السيناريوهات تطرقت أيضًا إلى علاقته الوثيقة بالسفير الأمريكي في القاهرة، وأشارت إلى احتمالية سفره خارج مصر، أو اختطافه بواسطة جهاز مخابراتي أجنبي، فيما ادّعى البعض أن سبب اختفائه يعود إلى علاقات نسائية معقدة تسببت في قتله وإخفاء جثته. فيما لم يُعرف حتى الآن مصير هلال، أو سبب اختفائه، أو المتورطين في ذلك، ودوافعهم.

منصور الكيخيا الذي عارض التصفية الجسدية فانتهى في ثلاجة

كان الكيخيا وزير الخارجية في بداية عهد العقيد الليبي معمر القذافي عام 1972، ثم لم يلبث أن أصبح ممثل ليبيا الدائم في الأمم المتحدة في الفترة من 1975 وحتى 1980، لكنه سرعان ما انشق عن نظام العقيد وانفصل عنه، وانضم للمعارضة لليبية في عام 1980 اعتراضًا على نهج التصفية الجسدية التي كان يمارسها القذافي آنذاك ضد اللجان الثورية؛ إذ عُرف عن الكيخيا حرصه على الحوار ونبذ العنف.

أسس الكيخيا بعد انفصاله عن النظام «الرابطة الليبية لحقوق الإنسان» في المنفى عام 1984، وانتخب أمينًا عامًا للتحالف الوطني الليبي المعارض عام 1986، وبصفته محاميًا كرس الكيخيا جُلّ وقته من أجل الدفاع عن حقوق السجناء في بداية السبعينات.

وفي العاشر من ديسمبر (كانون الأول) عام 1993، وإبان مشاركته في اجتماع مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان بالقاهرة، اختفى منصور الكيخيا إلى الأبد؛ إذ ذكر شهود عيان أن ثلاثة رجال في بزات سوداء اختطفوه من أمام الفندق الذي كان يقيم فيه بالقاهرة في سيارة ليموزين تحمل أرقامًا دبلوماسية.

وظل اختفاء المعارض الليبي لغزًا محيرًا بسبب غياب الأدلة أو الخيوط التي يمكن تتبعها، وبرغم أن أصابع الاتهام وجهت لأجهزة الاستخبارات الليبية، وكذلك للنظام المصري السابق، إلا أن الوصول للكيخيا ظل أمرًا مستحيلًا. وفي حوارٍ له في يوليو (تموز) 2011 قال عبد الرحمن شلقم، أحد صناديق أسرار القذافي، إن الأمن المصري قبض على الكيخيا في القاهرة ونقله سرًا إلى طبرق، حيث كان في انتظاره رئيس جهاز مخابرات النظام السابق عبد الله السنوسي، الذي أكد هو الآخر خلال تحقيقات أُجريت معه في ليبيا بعد القبض عليه، أن النظام الليبي اختطف الكيخيا من مصر، وأن من كان مكلفًا بهذه العملية هو إبراهيم البشاري، وزير الخارجية الليبي الأسبق، الذي عمل سفيرًا لدى مصر في فترة اختطاف الكيخيا.

وفي 2012 اعترف السنوسي بمشاهدته لجثة في ثلاجة أحد المنازل في طرابلس، واعتُقد حينها أنها تخص الإمام موسى الصدر، المختفي مع رفيقيه في ليبيا منذ العام 1978، لكن نتائج تحليل الحمض النووي أكدت أن الجثة المعثور عليها، والتي تغيرت ملامحها بفعل التجميد 19 عامًا، ترجع إلى المعارض الليبي المفقود.

وقال شقيق الكيخيا إن جثة أخيه وجدت في مقر تابع لجهاز المخابرات الليبية يسمى «مكتب النصر» في طرابلس، مشيرًا إلى أن شقيقه قضى في السجن أربع سنوات، وتوفي عام 1997، وأن هناك طعنة في الصدر تفند مزاعم السنوسي بأن الوفاة كانت طبيعية.