«الديمقراطية مثل صنم العجوة الذى كان يصنعه المشرك فإذا جاع أكله، فالحكام العلمانيون إذا أحسوا بأية خطورة على مواقعهم غيروا مواقفهم، وفى حال كان الإسلاميون على مقربة من الحكم سيسارعون بحل المجالس النيابية والأحزاب، ويكون الجيش مستعداً دائماً وفوراً لإجهاض هذه الديمقراطية التى اخترعوها، لهذا وغيره نرى أن الحل البرلمانى ليس هو الطريق»

هكذا تحدث الشيخ ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية عن رأيه في الديموقراطية في كتاب “السلفية والتغيير”، مبررًا منهج دعوته في عدم اتخاذ الديموقراطية والانتخابات كآلية للإصلاح، ولكن بعد ثورة 25 يناير تغير ت مواقف الدعوة التي أنشأت حزبا وشرعت في المشاركة السياسية، وفي هذا التقرير نسلط الضوء بالسرد والتحليل على مواقف حزب النور منذ أن شرع في المشاركة في السياسة عقب ثورة 25 يناير وصولا إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، مجيبين على أسئلة مرتبطة بمبررات مواقفهم وانعكاسها على قواعدهم والقوى السياسية المختلفة، وكيف تقلص سقف طموحات الحزب تدريجيا مع مرور الوقت، وإلى أي مدى يمكن للحزب الاستمرار في الحياة السياسية في الفترة المٌقبلة، مشيرين إلى طبيعة علاقته بالإخوان وسائر القوى الأخرى على الساحة المصرية.

(1) نعم!

«وقالت الصناديق للدين…»

ثم سكت قليلا، وقال: “نعم”. هكذا تحدث الشيخ السلفي محمد حسين يعقوب عما سماها “غزوة الصناديق”؛ في الإشارة إلى أول استفتاء عقب ثورة 25 يناير 2011، استفتاء 19 مارس الذي أقر ت نتيجته بإجراء الانتخابات أولا قبل الدستور، وتعتبر هذه المشاركة الأولى للسلفيين، وبالأخص الدعوة السلفية الذي تمخض منها حزب النور ذراعًا سياسيا للدعوة، كانت تحجم عن المشاركة السياسية في أثناء حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك.

«قبل توجيه الدعوة بإنشاء أحزاب قلنا إن الواقع قد تغير، وإن الفتوى الآن المشاركة، وإلا لما وجهنا الدعوة لإنشاء أحزاب»

هكذا برر الشيخ عبد المنعم الشحات، المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية آنذاك، إنشاء حزب النور(أنشئ 9مايو 2011) والمشاركة السياسية، ذلك التغير الجديد الذي طرأ على الدعوة السلفية، بعد أن كانت أنشطتها قبل الثورة على الجانب الدعوي فقط منتقدة من يمتهن السياسة من الإسلاميين.

«إسلامية إسلامية»

هكذا ارتفع هتاف أبناء حزب “النور” في يوم 29 يوليو2011 من قلب ميدان التحرير، في جمعة كان أحد أهدافها بالأساس هو: “لم الشمل” بين القوى السياسية التي تفرقت بشكل جلي في استفتاء مارس”، كان هذا النزول الأول لأبناء الحزب بعد الثورة، التي لم يشاركوا فيها بشكل رسمي. بمرور الوقت قام الحزب بتصعيد خطابه عن الهوية الإسلامية والشريعة؛ لاجتذاب جماهير الإسلاميين، ذلك الخطاب الذي ظهر في الاستفتاء على الدستور، وبدا جليا مع بداية تأسيس الحزب.

«إن وجود بعض المسيحيين الذين يحترمون عهودهم مع المسلمين ويرون أن من حق المسلمين أن تكون شريعتهم هي الحاكمة وهويتهم هي السائدة، بلا شك أمر يثير الفرح والترحيب بهم لا العكس»

هكذا يتحدث الشحات عن وجود بعض المسيحيين “الذين يرون أن من حق المسلمين أن تكون شريعتهم هي الحاكمة وهويتهم هي السائدة” داخل الحزب. نشر الحزب خطاب الهوية والشريعة بشكل واضح أثناء الانتخابات؛ لإظهار أنهم أكثر إخلاصًا وتمسكًا بالشريعة الإسلامية من منافسيهم الإسلاميين، وبخاصة من جماعة الإخوان، وحزبهم “الحرية والعدالة، ذلك الحزب “الذي يٌرشح النصارى على قوائمهم. ويتعاونون مع العلمانيين والليبراليين في تحالفه الديموقراطي”، في الوقت الذي شارك فيه حزب النور في الانتخابات عبر “تحالف إسلامي” يضم أحزاب إسلامية من أبرزها حزب البناء والتنمية المنبثق عن “الجماعة الإسلامية”.

(2) ثاني أكبر حزب في مصر

حصد حزب النور 25% من مقاعد مجلس النواب، وانتشر خطاب على لسان ممثليهم بأنهم “ثاني أكبر حزب في مصر”، وجاءت الفرصة لحزب النور كي يحول أهدافه “المٌعلنة” إلى مواد في الدستور، وفي جلسة مشتركة لمجلسي الشعب والشورى – عٌقدت يوم 25 مارس 2012- تم اختيار من خلالها اللجنة التأسيسية لكتابة دستور2012 التي تكونت من 100 شخص، ينقسمون إلى نصفين: نصف يتكون من الشخصيات العامة والخبراء والمتخصصين والقوى النقابية، والنصف الآخر من أعضاء البرلمان، ذلك النصف الذي احتل أعضاء حزب الحرية والعدالة 25 عضوًا منهم، وجاء حزب النور ثانيا بـ11 عضو وبقية الخمسين كانوا مستقلين أو أعضاء بأحزاب أخرى. وأخذ حزب النور يؤكد أنه “يدافع وحده عن الشريعة الإسلامية داخل اللجنة التأسيسية. وأن الإخوان كانوا يريدون التنازل عن مواد الشريعة في مفاوضات اللجنة التأسيسية” بحسب متحدث حزب النور الرسمي نادر بكار، ومن أهم المواد التي تباهى بوجودها في الدستور، هي المادة 219 المفسرة للفظ “مبادئ الشريعة الإسلامية التي تعتبر “المصدر الرئيسي للتشريع” بحسب المادة الثانية، وجاء نص المادة 219 كالآتي: “مبادئ الشريعة الإسلامية تشمل أدلتها الكلية، وقواعدها الأصولية والفقهية، ومصادرها المعتبرة، في مذاهب أهل السنة والجماعة” وقد تم إقرار الدستور بعد حصوله على أغلبية الأصوات في الاستفتاء الشعبي الذي وافق من خلاله الشعب على الدستور بنسبة 63.8%.

(3) ما قبل الانتخابات الرئاسية:

«لن نترشح للانتخابات الرئاسة»

تصريح كثير ما تكرر على لسان قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة ما قبل الانتخابات الرئاسية، وفي هذه المرحلة زار وفد من الدعوة السلفية المقر العام لجماعة الإخوان المسلمين يضم “الشحات”، وقد قيل إن هدف هذه الزيارة كان للاتفاق على مرشح يدعمه كل من الإخوان والسلفيين في الانتخابات الرئاسية. وبعد ذلك قررت جماعة الإخوان التخلي عن وعدها وترشيح أحد أعضائها للرئاسة، مبررة ذلك بأسباب عديدة، ربما يكون هو زيادة فرص نجاح مرشحها حال تم دعمه من قبل الكتلة الانتخابية الموالية لحزب النور. وترشح نائب مرشد جماعة الإخوان “خيرت الشاطر” للرئاسة قبل أن يتم إقصاؤه قضائيا، ليترشح بديله محمد مرسي، الذي حسم المقعد لصالحه في وقت لاحق. ولم يحظ مرشح الإخوان بدعم الدعوة السلفية وحزبها في الجولة الأولى التي قررت دعم المرشح الرئاسي عبد المنعم أبو الفتوح في هذه الجولة، وفي الإعادة قرر الحزب دعم “مرسي” في مواجهة أحمد شفيق المحسوب على نظام مبارك.

(4) أثناء فترة حكم مرسي

GERMANY-EGYPT-POLITICS-UNREST-DIPLOMACY-MORSIشهدت فترة حكم مرسي قدرا من الاستقطاب اليميني “الإسلامي” في مواجهة التيارات الليبرالية والعلمانية، وفي وجود تحالف غير معلن بين الإخوان والنور فقد بدت سياسة مرسي في كثير من الأحيان أكثر يمينية، وبخاصة في ظل تحالف معظم القوى المدنية في مواجهته. وقد ظهر ذلك بوضوح في جمعة “الشريعة والشرعية” التي كانت من أقوى المشاهد التي ظهر فيها الإسلاميون متحدين على “الشريعة” وشرعية الهيئات المنتخبة في مواجهة التيارات الليبرالية والعلمانية التي كونت ما يسمى بـ”جبهة الإنقاذ الوطني” في 22 نوفمبر 2012 بعد يوم واحد من إصدار “مرسي للإعلان الدستوري المكمل “، وكانت تلك الجمعة في 1 ديسمبر 2012، أي عقب الإعلان الدستوري بحوالي أسبوع، قبل أن يعدل مرسي بعض مواده في 9 ديسمبر.

(5) وبدأ الخلاف

كان من الطبيعي أن يتسرب الخلاف إل ذلك الوفاق الإسلامي السلفي الهش. وبدأ الخلاف يظهر بينهما في عدة ملفات من أبرزها: العلاقات مع إيران، رغم أنه لم يكن أحد الملفات المطروحة بقوة على الساحة السياسية. دائما اتهم النور الإخوان بأنهم سيسمحون بتشيع المجتمع”. وبلغ الخلاف بين الطرفين ذروته مع إقالة مستشار “مرسي” لشئون البيئة وعضو حزب النور: خالد علم الدين؛ بتهم فساد مالي واستغلال منصبه، وهي التهم التي أنكرها علم الدين وحزبه. في أعقاب ذلك قام بسام الزرقا، مستشار آخر للرئيس وعضو حزب النور بتقديم استقالته للرئاسة على الهواء مباشرة، في مؤتمر صحفي عبر فيه علم الدين عن حزنه على “الطريقة “المٌهينة” التي تمت إقالته بها على حد تعبيره. شاهد الفيديو: قبل ذلك بأسابيع، كان حزب النور قد التقى بقيادات جبهة الإنقاذ الوطني، وأعلن عن مبادرته للخروج من الأزمة، كان ذلك في وقت احتدت فيه الأزمة بين الإخوان وجبهة الإنقاذ على خلفية الإعلان الدستوري وانتشار مظاهر العنف السياسي، الذي تنوعت صوره بين حرق مقرات حزب الحرية والعدالة، ومهاجمة قصر الاتحادية، وقطع بعض الطرق ورفض المعارضة للتحاور مع الرئيس، وقد كان إقبال النور على اللقاء مع جبهة الإنقاذ مفاجئا، وخصوصا أن الحزب كان يصنف على أنه مع المعسكر المؤيد لمرسي، في مواجهة جبهة الإنقاذ.

(6) النور الحزب الإسلامي الوحيد في مشهد 3 يوليو

شارك حزب النور وحده ضمن أحزاب التيار الإسلامي في بيان القوات المسلحة في 3 يوليو 2013 الذي أقر بعزل مرسي، وتعطيل دستور 2012، عقب موجة احتجاجات مناهضة لـ”حكم الإخوان” بدأت منذ 30 يونيو، وقابلها مظاهرات لأنصار مرسي. واشتد الهجوم على حزب النور من حلفائه السابقين، ورصدت تقارير بعض الانشقاقات في قواعد الحزب الشبابية، وشارك شباب منشق عن “النور” في اعتصام المؤيد لمرسي.

«إحنا نصحناهم وهمه اللي ضيعوا نفسيهم .. عايزني أروح معاهم عشان تضيع دعوتي؟!»

هكذا يبرر الشيخ ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية دعمه لبيان 3 يوليو 2013، فالدعوة ترى نفسها أنها نصحت الإخوان، ولم يستجيبوا لهم، وبالأخص بمبادرة الحزب. وبوجهة نظر “النور” فإن معارضتهم لبيان 3 يوليو ستجعل كل من تظهر عليه علامات التدين محل استهداف من الدولة، لذلك فالوقوف معه سيمثل “أخف الضررين” كما أن الحزب يرى أن مرسي قد فشل، وانتقد أداء الإخوان، دون أن يشارك في تظاهرات 30 يونيو، ويرى الحزب أنه لولا وجوده بين القوى المشاركة في بيان 3 يوليو لتم حل مجلس “الشورى”، وهو ما قام به الرئيس المؤقت عدلي منصور بعد أيام قليلة من البيان، وهو القرار الذي انتقده الحزب دون جدوى. ومن ناحية يرى أنصار مرسي وجود حزب النور في مشهد 3 يوليو ساعد في إضفاء الغطاء الديني لتحرك الجيش، وقد ساعد السيسي في إظهار أن تحركه لم يكن ضد “الإسلاميين” وإنما جاء استجابة لمطالب الشعب وفقا لوصفه.

(7) في مواجهة البرادعي

«وجهة نظري الشخصية أن هذا الموقف يتطلب رفع اليد من العملية السياسية التي شاركنا فيها في 3 يوليو. وكل الخيارات مفتوحة أمام الحزب»

هكذا لوح بسام الزرقا نائب رئيس حزب النور في 7 يوليو؛ بعدما تصاعد اسم الدكتور محمد البرادعي مرشحا بقوة لمنصب رئيس الوزراء، وكان مبرر الحزب لذلك التلويح أسبابًا في أغلبها أيدولوجية، “نحن نرفض البرادعي رفضا كاملا. الرجل ذو توجه أيديولوجي حاد، وهو يتحدث بلغتين، الأولى موجهة للمصريين، والثانية موجهة إلى الخارج. يتحدث بالإنجليزية عن العلمانية وشكل الدولة، وبصيغة مغايرة لما يقوله باللغة العربية”. أضاف الزرقا الذي فضل رئيس وزراء “تكنوقراط أو اقتصادي”، كما كشف القيادي بالنور أشرف ثابت عن اتصال من السفيرة الأمريكية آن باترسون لإقناع قيادات الحزب بقبول البرادعي رئيسا للوزراء، ولكن الحزب رفض. شاهد الفيديو: وللحزب خلاف أيديولوجي كبير مع البرادعي باعتبار اتهامهم له بالسعي لنشر الفكر العلماني في الدولة المصرية. وبالفعل تم البرادعي في منصب رئيس الوزراء، وتعيين “حازم الببلاوي” الذي لم يعترض عليه الحزب، في القوت الذي عين فيه البرادعي نائبا لرئيس الجهورية للعلاقات الخارجية.

(8) فض رابعة ليس كافيا للانسحاب من “خارطة الطريق”

EGYPT-POLITICS-UNREST

«وقع الذي نكره وندين ونطالب بوقفه فورًا من إطلاق النار وقتل النفوس من الرجال والنساء والأطفال، واندفع البعض الآخر في اتجاه إحراق وتدمير منشآت الدولة التي هي ملك للشعب كله، ونحمل الحكومة المسئولية عن هذه الدماء والأنفس المحرمة، ونطالبها بضرورة إنهاء هذا الوضع القائم الذي يهدد بانقسام المجتمع بحل آخر غير سفك الدماء».

هكذا جاء بيان “النور” و”السلفية عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013، وذكر الحزب في بيانه رئيس الوزراء بموقفه بتقديم استقالته من وزارة المالية في وقت سابق عقب أحداث ماسبيرو، مؤكدين: “نرى أن ما حدث اليوم أولى أضعافًا بتقديم الاستقالة من أحداث ماسبيرو، حتى يتسنى لحكومة أخرى أن تتحمل هذه المسئولية التي تحافظ على وحدة البلاد والدولة وبقائها، وتحافظ على حرمة النفوس”. وأقر الببلاوي بقتل حوالي 1000 قتيل في عمليات فض الاعتصامات المؤيدة لمرسي، ولم يستجب لمطالب “النور” واستمرت الإجراءات القمعية، إذ أفادت منظمة العفو الدولية بأن “الشرطة قتلت ما لا يقل عن 121 متظاهرًا في محيط ميدان رمسيس” يوم 16 أغسطس بعد تظاهرات ضخمة رافضة لبيان 3 يوليو ومتضامنة مع ضحايا فضي رابعة والنهضة.

«لقد أصبح من الصعب علي أن أستمر في حمل مسئولية قرارات لا أتفق معها وأخشى عواقبها، ولا أستطيع تحمل مسئولية قطرة واحدة من الدماء أمام الله، ثم أمام ضميري ومواطني خاصة، مع إيماني بأنه كان يمكن تجنب إراقتها»

هكذا ختم البرادعي رسالة استقالته للرئيس المؤقت عقب فض الاعتصام رافضا الدماء التي أسيلت يومها، رغم أنه كان نائبا لرئيس الجمهورية وقت وقوع أحداث الحرس الجمهوري والمنصة اللتين أدتا مجتمعتين إلى مقتل 143 شخصا بحسب العفو الدولية. ورغم إدانة النور في بياناته الصحفية عملية فض الاعتصامات، إلا أنه لم يقدم على اتخاذ موقف سياسي تجاه مشاركته في خارطة الطريق

(9) أين ذهبت المادة 219؟

«219 هوية شعب»

هي حملة أطلقها حزب النور، إبان التعديلات الدستورية في أعقاب بيان 3 يوليو، وبممثل واحد فقط عن حزب النور بلجنة الخمسين. تم إلغاء المادة المفسرة للشريعة الإسلامية، رغم كل شيء، مع مواد أخرى متعلقة بـ”الشريعة الإسلامية” بما فيها المادة 4 في دستور 2012 التي كانت تتحدث عن “أخذ رأي الأزهر في الأمور المتعلقة بالشريعة الإسلامية”، كما ألغيت المادة التي كانت تحظر “إهانة الأنبياء والرسل”. ورغم كل الخطوط الحمراء التي أعلنها الحزب حول ما يعرف بـ”مواد الهوية في الدستور” فقد جاء رد فعله مفاجئا وصداما، حيث صرح يونس مخيون رئيس الحزب من أن يؤكد “مواد الهوية والشريعة في الدستور الجديد أفضل من دستور 2012. الدستور الجديد فى مجمله يتضمن الحد الكافي لكل غيور على الشريعة والهوية”. واستكمل النور حملاته الدعائية لحث المصريين لدعم الدستور- الذي تم إقراره بأغلبية كبيرة في ظل مقاطعة المعارضة- متخليا عن مواد دافع عنها بقوة في دستور 2012.

(10) نتعبد إلى الله بدعم السيسي

«دعمنا للرئيس عبد الفتاح السيسى في انتخابات الرئاسة المصرية، كان تعبداً لله لأنه الاختيار الأقرب لحفظ حقوق المسلمين وغيرهم ووحدة مصر ومنع الفتنة والاضطرابات»

هكذا وصف الدكتور ياسر برهامي دعم حزب النور لـ”السيسي في الانتخابات الرئاسية معللا ذلك بأنه ليس علمانيًا يُعادي التيار الإسلامي كما يرون “البرادعي”. وفي الفترة ما بين 3 يوليو 2013 وحتى انتخاب السيسي رئيسا بدا أن حزب النور يشغل موقعا جيدا في نظام ما بعد 3 يوليو، وكثر ظهور رموزه في وسائل الإعلام، وتركز خطابه على انتقاد الإخوان والتبرؤ من ممارساتهم. ولكن الحزب لم يكن محلا للرضا من قبل سائر مكونات تحالف 3 يوليو، حتى إن بعض وسائل الإعلام المؤيدة للنظام، كانت تبث المخاوف منه باعتباره وجها آخر للإعلام. وارتبط وصول السيسي للرئاسة بخفوت واضح للظهور الإعلامي لرموز حزب النور، مع تزايد واضح لنبرة العداء ضده في الإعلام المؤيد للدولة.

(11) مع أننا نقف مع الدولة

«السيسي سابنا نضرب وتشوه صورتنا، ولم يتدخل رغم علمه أننا حزب يقف مع الدولة وساهمنا في إنقاذ الدولة من الفوضى والحرب الطائفية، فهل هذا هو جزاؤنا؟ …. سنحاججه أمام الله»

هكذا قال الشيخ ياسر برهامي بعد الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية، مضيفا “الدولة بقيادة السيسي مسئولة عما حدث في الانتخابات البرلمانية من تجاوزات، وخاصة سيطرة المال السياسي وعدم الحياد،أجهزة الدولة وإعلامها الرسمي شاركت في الهجوم على حزب النور وروجت لمنافسيه”. في هذه الانتخابات حرص النور على إظهار نفسه على أنه لا يمثل خطرًا على التكويت السياسي للدولة؛ فقد ترشح على قائمتين انتخابيتين بدلاً من 4، وعلى 160 مقعدًا فرديًّا بدلاً من 448 مقعدً، ورشح “الأقباط” على قوائمه، كما لفتت “أسوشيتد برس” إلى تقليص الخطاب الديني للحزب على عكس الانتخابات البرلماية السابقة عندما أفادت أن “الحزب الذي كان من أقوى المدافعين عن دور الإسلام في المجتمع والحكومة، أصبح نادرا ما يشير إلى الدين”. كل ذلك لم يعصم الحزب من موجة الهجوم الضارية ضده من قبل إعلان النظام، فضلا عن الإعلام المعارض، “الذي يؤثر على قواعد النور” بحسب برهامي الذي “أضاف “والله أنا مش قادر أقنع ولادي إنهم يشاركوا في العملية الانتخابية”. تطورت الأمور بشكل لافت، حيث إعلان حزب النور اعتقال عدد من شبابه المشاركين في الحملة الانتخابية، واتهمت الأجهزة الأمنية بعضهم بـ”الانتماء لجماعة إرهابية” وهو ما جعل برهامي يصرح لأول مرة بأن “السيسي” ونظامه تخلى عنهم، ولوح الحزب بالانسحاب من الانتخابات، ولكن لم يفعل. انتهى الحزب إلى نتائج مخيبة للآمال بحصوله على 12 مقعد من بين 600 مقعدًا تأتي بالانتخاب و30 تأتي بالتعيين، وبذلك لم تتعدَ نسبة تمثيلهم في البرلمان الـ 2% .

(12) حزب النور إلى أين؟

تقلص اهتمام النظام ببقاء حزب النور في صفه بعد إتمام “خارطة الطريق” ، ورغم ذلك فقد شرع الحزب في التنازل عن خطوطه الحمراء واحدا تلو الآخر. وقد ظهر جليا انخفاض مستوى طموحات النور مع استمرار تمسكه بالنظام. يتمسك الحزب بسردية “النجاه” وأن مواقفه السياسية، وإن بدت مرتبة، إلا أنها عصمته من مصير مماثل لمصير الإخوان. وتعاني سرديات الحزب السياسية “الهشة” من ارتباك غير مسبوق. وقد ألمح عدد من قادة الحزب في وقت سابق، بعد إشارات باحتمال حل الحزب قضائيا، أنهم لا يمانعون في ترك السياسة والعودة للمساجد وفقا لقولهم، ولكن يبدو أن الحزب غير قادر على اتخاذ مثل هذا القرار بإرادته أيضا. يسير الحزب وفق نظرية القصور الذاتي السياسي إلى حد كبير. حيث يتمسك ببقايا الوجود في المشهد السياسي، ولكن دون معارضة فعالة للنظام كي يحمي نفسه من الاضطهاد. ولكن لا يبدو أن الكثير من مكونات الدولة قد تقنع بهذا الوضع أيضا. ووحدها الأيام تحمل لنا كل جديد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد