اختارت مؤخرًا مجلة «فوربس» وزيرة التربية والتعليم الجزائرية «نورية بن غبريط» ضمن أكثر خمس نساء عربيات ذات تأثير بالمنصب الحكوميّ بحسب قوة المكانة، وعدد الموظفين، ونطاق التأثير، ومصادر النفوذ، ووصفت المجلة التي تصدر في الإمارات العربية المتحدة الوزيرة بالمرأة الحديدية التي لا تنال جهودها قبولًا واسعًا في الأوساط الشعبية.

دكتورة علم الاجتماع «نورية» تعيش ضغطَا رهيبًا منذ تعيينها على رأس الوزارة في مايو (أيار) 2014 كشخصية «تكنوقراطية» في حكومة الوزير الأول «عبد المالك سلال»، والتي كانت قد صرحّت لوسائل إعلام محلية بأنها معتزة بالدين الاسلامي، دين أجدادها الفارين من جحيم محاكم التفتيش المسيحية في زمن سقوط الأندلس عام 1492.

وجاء تصريح اعتزاز «نورية» بالإسلام بعد بروز رواياتٍ كثيرة حول أصولها اليهودية من سكان الإسبان، واستقرارهم بالغرب الجزائري، ومدينة «وجدة» المغربية بالضبط – مسقط رأس الرئيس بوتفليقة – وتعاون جدّها «قدور بن غبريط» مع الاستعمار الفرنسي؛ حيث تقلد منصب رئيس لجنة المسجد الكبير بباريس عاصمة فرنسا عام 1922 وعيّن كأول إمام فيه، تكريمًا له.

نورية بن غبريط الأكاديمية ومديرة مركز البحث في الإنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران، سعت بشكلٍ كبير لتعميم تدريس اللغة الأمازيغية بأكثر من 32 ولاية على مستوى القطر الوطني، وأثبتت في أكثر من مناسبة رغبتها الشديدة في ترقية اللغة الفرنسية الى جانب الأمازيغية كلغة وتراث وثقافة ذات أولوية قصوى، وهاجمت في بداية وصولها للمنصب الحكومي المدارس القرآنية التي وصفتها بـ«دكاكين تخريج ضعفاء المستوى التعليمي».

وعبر هذا التقرير الذي تعده «ساسة بوست» سنعدد مجموعةً من الأسباب التي جعلت «بن غبريط» تقاوم أكثر من عشرين فضيحة في القطاع التربوي والتعليمي لمدة قصيرة – أقل من ثلاث سنوات – حيث يجدد فيها رئيس البلاد الثقة والاستمرارية في إدارة الإصلاحات التربوية، بالرغم من صراع الهوية الذي عاد الى الواجهة مجددًا بعد أكثر من ثلاثين سنة من الغياب.

«ضعف» الرئيس وتفكُّك المؤسسات

منذ استقلال البلاد عام 1962 لم يستقر هرم السلطة في الجزائر بين قطبي الرئاسة والمؤسسة العسكرية، ويتراوح النفوذ دومًا بين الرئيس او الجنرالات التي يكون لها الفضل – دومًا – في وصول أي شخصية لرئاسة البلاد، ويعتبر الكثير من المحللين أن «برنامج فخامة الرئيس» أصبح كالسجلّ التجاري لدى محيط الرئيس الذي دخل في صمت منذ عام 2012؛ بسبب تعقيدات المرض منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2005.

وبالرّغم من وجود حزب إسلامي كبير، «حمس»، في التحالف الرئاسي سابقًا، إلا أنه يُحسب على «بوتفليقة» تجميده لقرار ومرسوم تعميم استعمال اللغة العربية الصادر في عام 1990 بكافة مؤسسات الدولة بعد توليه الرئاسة مباشرة، وفي هذا الشأن يذكر الدكتور «عثمان سعدي» رئيس «الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية» في حواره مع جريدة «الشرق الأوسط» أن الرئيس «بوتفليقة» يتحمَّل مسؤولية تنفُّذ النخبة «الفرانكوفونية» في الدولة، ويعتبر نفس المتحدث أن أعداء الحرف العربي استأسدوا في عهد الرئيس «بوتفليقة»، مضيفًا أن أسوأ فترة حكم عرفتها اللغة العربية هي فترة الرئيس الحالي.

ويعيش البلد على وقع مرحلة تفكك مؤسسات الدولة، لغياب المسؤولية وتداخل الصلاحيات وضعف القاضي الأول في البلاد «بوتفليقة»؛ بسبب المرض، وتستثمر التيارات النافذة في المؤسسات والقوى الخارجية في هذا الوضع الذي انعكس بالسوء على الوظائف الحيوية، مثل التشريع والقضاء والمفاوضات والعلاقات الخارجية، خاصة في المجال الاقتصادي والتجاري والاستثماري.

ومعلوم في الجزائر أن الأحزاب الكبرى انخرطت في برنامج رئيس البلاد منذ تقلده زمام الحكم عام 1999، حيث ظل كلٌ من الإسلاميين والوطنيين والعلمانيين يمجدون إصلاحات «الرئيس»، ولا يمكن لأي تيار التشكيك في ذلك الذي باشره منذ أول عهدةٍ له في إطار ما سمي بالتحالف الرئاسي آنذاك.

«بن غبريط» لا تسقط بحكم الصندوق

يقر الدستور الجزائري لرئيس البلاد بتشكيل الحكومة أو إسقاط أية حكومة يتم تشكيلها، كما لا يسمح نفس الدستور لحزب الأغلبية من تشكيل حكومة منتمية للأحزاب أو أي تحالفاتٍ أخرى إلا بقرار من رئيس البلاد.

وخلال العقدين الأخيرين، عرفت الجزائر أكثر من 10 حكومات كلها من تعيين الرئيس «عبد العزيز بوتفليقة»، ولا تخضع التعيينات ولا قرارات التبديل الحكومي لنتائج الانتخابات مثلما هو الحال مع حزب الأغلبية «جبهة التحرير الوطني» الذي ينادي بهذا الحق منذ سنوات.

ومن هذا المنطلق تعيش الوزيرة «نورية» حالة من الاطمئنان تجاه مشروعها في مباشرة الإصلاحات التربوية، ويغلب على تصريح الوزراء في الحكومة الجزائرية تمجيد برنامج «الفخامة» في وسائل الاعلام المحلية والدولية.

ويطرح متابعون أن تثمين وتمجيد برنامج رئيس البلاد هو «تملق» وفي نفس الوقت «هروب» من المسؤولية في حال الفشل، ولم يعرف عن أي وزير تمت محاسبته في الحكومات المتعاقبة بسبب الفساد أو الفشل في قطاع حكومي، بالرغم من وجود ملفات فضائح وفساد بعشرات ملايير الدولارات بأروقة المحاكم ولدى القضاء الجزائري والإيطالي والكندي مثل ما يعرف بفضيحة «سوناطراك» أو «الطريق السيار شرق غرب» وكذلك فضيحة القرن «الخليفة».

«التيار العلماني» أمام فرصة لا تعوض في تجسيد برامجه

منذ عامٍ واحد تقريبًا، غادرت وزيرة الثقافة سابقًا «نادية لعبيدي» الحكومة الجزائرية بعد تعرضها لهجومٍ شديد من رئيسة حزب العمال «لويزة حنون» المحسوبة على التيار العلماني في البلاد، وفي فترة لا توصف بالقصيرة تقلدت «خليدة تومي» كذلك منصب وزيرة للثقافة منذ عام 2002 إلى غاية 2014، والتي تعتبر من أشد الشخصيات تعصبًا للفرانكفونية والعلمانية في البلاد، وبالرغم من حجم الفساد الذي قدرته مصادر عديدة بالملايين في ميزانية الثقافة، إلا أن «خليدة مسعودي» تلقت كامل الدّعم من التيار العلماني والرئيس بوتفليقة.

ولعلّ خروج التيار الإسلامي في صورة حركة «حمس» عام 2012 من الحكومة وفكّ ارتباطه بالتحالف الرئاسي الذي يقوده رئيس البلاد «بوتفليقة» ساهم في إضعاف التيار الوطني المحافظ، وجعل التيار العلماني يمرر الكثير من القرارات والقوانين ذات الصلة بالشعارات اللائكية (العلمانية لفرنسية).

هذه الشعارات المستفزة لتيارٍ عريضٍ من الجزائريين، سواءً ما تعلَّق بالقطاع الإداري، كإلزام المرأة المحجبة نزع الحجاب في البطاقات «البيومترية» عام 2009، والقطاع التجاري بالترخيص لبيع الخمور في محلات بيع التجزئة عام 2014، والقطاع التربوي بتقليص حجم اللغة العربية، وتعويضها بالفرنسية عام 2016. كلها قرارات وأخرى ساهمت في عودة صراع الإيديولوجية إلى واجهة الساحة الفكرية في البلاد.

ودافع المثقفون العلمانيون عن الوزيرة «بن غبريط» من خلال الأقلام الصحفية بوسائل الإعلام «المفرنسة»، مثل جرائد «الوطن، وليبرتي، ولوسوار دالجيري»، بالإضافة إلى الكتاب والروائيين، مثل «كمال داوود» الذي وصف المعرِّبين بالدواعش في وقتٍ سابق، في حين دعا الروائي المعروف «أمين الزّاوي» النخبة والمجتمع لإنقاذ «بن غبريط» من هجوم وعنف الإسلامويين، كما سمّاهم في مقالٍ له نشرته يومية الخبر.

وتشهد الساحة الفكرية والثقافية في البلد صراعًا متجددًا بين دعاة الحفاظ على هوية الانتماء العربي الإسلامي، ودعاة قطع الصلة بهذا الانتماء، وضرورة إحياء التراث الأمازيغي، وترقية لغة أهل المنطقة وتطويرها على حساب اللغة العربية، والتمكين للُّغات الأجنبية، خاصة الفرنسية.

ويدافع الروائي «محمد ساري» في ندوة «يومية الخبر» عن فكرة الاهتمام باللغة الفرنسية، حيث يصف المطالبين بتعويض الفرنسية بالإنجليزية بعدم الصدق والتناقض مع النّفس، مشيرًا أن هذا التّيار له ارتباطٌ بالمشرق أكثر من الجزائر، واعتبر ان المعضلة الكبرى التي يجب أن يهتم بها القائمون على المنظومة التربوية هي مشكلة «الهوية» من خلال تحديد «الهوية القائمة عن الإقليم» في إشارة إلى الأمازيغية ولهجاتها، وعدم الانتماء إلى الهوية «الخيالية» غير المتجذرة، حسب تعبيره.

ضعف النقابات العمالية وغياب الطبقة السياسية

في شهر أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أشرفت الوزيرة بن غبريط على توقيع ميثاق الشرف لأخلاقيات المهنة في القطاع التربوي والتعليمي، واعتبرت الوزيرة النقابات شركاء اجتماعيين ضمن استراتيجية تمهد لعدم وجود أي اضطرابات خلال الموسم الدراسي، وفي محاولة منها لتحييد النقابات على الخوض في الإصلاح التربوي المسمّى بالجيل الثاني وعدم التشويش على العمل الجوهري للوزيرة، وهو ما تحقق لها في النهاية بمرور موسم دراسي هادئ من جانب النقابات العماليَّة.

ونجحت إلى حدٍّ بعيد وزيرة التربية في تحييد النقابات عن النقاش الجوهري في بناء محتوى المناهج، خاصةً مع ظهور تسريبات في امتحان البكالوريا لهذا العام، والقيام بمسيرة للأساتذة المتعاقدين لقرابة شهر من الاعتصام في الشوارع.

وفيما انشغلت بعض النقابات في النضال من أجل رفع أجور ورواتب الموظفين، اختلفت المعارضة تجاه الإصلاح التربوي الذي تقوده «بن غبريط»، وباستثناء «حركة مجتمع السلم/حمس» وبعض الهيئات المحسوبة على التيار الإسلامي كجمعية العلماء المسلمين، لم تشهد الوزيرة أي اعتراض أو تنديد بفضائح الأخطاء، بل العكس من ذلك لقيت «نورية» تأييدًا من أحزاب محسوبة على التيار العلماني في المعارضة على غرار «التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية/الأرسيدي» و«جيل جديد».

ويعرف في الجزائر أن القطاع النقابي العمالي يحتكره الاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي يرأسه الأمين العام «عبد المجيد سيدي سعيد» منذ عام 1997، ويعتبر هذا الاتحاد أحد الأدوات والأجهزة الموالية للحكومية، وذات تأثير كبير في ضعف النقابات العمالية المستقلة، وهو ما يحد من ممارسة نقابية ذات تأثير على السلطة أو أجهزة الحكومة.

 

بن غبريط تجسِّد إصلاحات الأمم المتحدة وتلقى الدعم الخارجي

في 17 ابريل (نيسان) 2016 صرحت الوزيرة «بن غبريط» أن إصلاحات الجيل الثاني للمنظومة التربوية تندرج ضمن برامج التنمية المستدامة للأمم المتحدة التي تلزم كل الدول المنخرطة بـ«ترقية التعليم» مدى الحياة، وكانت الجزائر قد صادقت على هذه الاتفاقيات عام 2015، وقالت بأن الجيل الثاني من الإصلاحات سيخلص المدرسة الجزائرية من الرداءة وسينقذ مستقبل البلد.

وبالموازاة مع تغيير المناهج في الجزائر، تشهد دول عربية أخرى مثل الأردن، ومصر، وتونس والمغرب تغييرات جذرية في اعداد مناهج التربية والتعليم وفق توصيات الأمم المتحدة في برنامجها المعروف بالتنمية المستدامة العالم 2030.

ولم تتوان وسائل الاعلام الفرنسية في الدفاع عن الوزيرة «بن غبريط» حول موضوع الإصلاحات التربوية، في صورة مجلة «جوان أفريك» وصحيفة «العالم الدبلوماسي le monde diplomatique» التي نشرت مقالًا بعنوان «اصلاح المنظومة التربوية ومأزق الهوية» تتهم فيه أطرافًا من التيار الإسلامي بعرقلة جهود الإصلاح التي تقوم بها «نورية بن غبريط».

واتهمت فعلًا أطراف من التيار الإسلامي وبعض الإطارات السابقة من قطاع التربية والتعليم الوزيرة بمحاولة «تغريب» المنهاج، وذكر نواب إسلاميون بان ما تقوم به «بن غبريط» هو تحقيق لأحلام فرنسا بعد فشلها مع جيل الثورة السابق.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد