دكتورة علم الاجتماع ومديرة معهد الأبحاث الأنثروبولوجيّة سابقًا «نورية بن غبريط» تعيش هذه الأيام ضغطًا كبيرًا بعد تعيينها على رأس وزارة التربية في مايو (أيار) 2014، باعتبارها شخصية «تكنوقراطية». هذا الضغط حسب المراقبين قد يعجلّ برحيلها بعد أن صارت حديث العام والخاص. لم يكن معظم الجزائريين يعرفون اسم وزيرة التربية الجزائرية قبل أن يعينها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بعد مرور شهرٍ على عهدته الرابعة على رأس قطاعٍ حساسٍ ارتبط تاريخه دائمًا بالصراع الأيديولوجي بين الفرنكوفونية ودعاة التعريب.

لكن المرأة الحديدة كما وصفتها مجلة فوربس كانت تحمل للمدرسة الجزائرية ما لم يسرّ قطاعات واسعة من الأساتذة وأولياء التلاميذ ونقابات قطاع التربية وأحزاب سياسية، ليطالبوا بثقةٍ كبيرةٍ بإقالة الوزيرة. وقد تواصل خروج التلاميذ إلى الشارع منذ الثلاثاء الماضي، اليوم الذي أصدرت فيه «بن غبريط» واحدًا من أشد قراراتها إثارة للجدل بفصل الأساتذة المضربين عن العمل منذ شهور، لتتصاعد مطالب شريحةٍ واسعةٍ من الشعب الجزائري التي أغضبتها قرارات بن غبريط، وتتوحد في مطلبٍ وحيدٍ يذكّرنا بشعارات الربيع العربي: الشعب يريد إسقاط بن غبريط.

اقرأ أيضًا: لماذا تستمر «بن غبريط» وزيرةً للتربية في الجزائر؟

بن غبريط.. من «الكراسك» إلى مكتب الوزارة

ولدت «نورية بن غبريط رمعون» يوم الخامس من مارس (آذار) سنة 1952 في مدينة وجدة، المدينة نفسها التي ولد بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، إضافةً إلى أنّها تشاركه المحافظة التي تنحدر منها وهي محافظة تلمسان الجزائرية.

في سؤالٍ عن أصولها أجابت نورية في حوار لجريدة الشروق الجزائرية أن أصلها أمازيغي، وأنها عربية مسلمة. كما كشفت أنها حفيدة قدّور بن غبريط الذي قالت إنه مؤسس ومنشئ مسجد باريس في عشرينيات القرن الماضي، في وقتٍ كان فيه جدها في صراعٍ مع الإمام الجزائري «عبد الحميد بن باديس» بحكم قربه من فرنسا. جاء ذلك بعد الجدل الذي رافق تعيينها من إشاعة البعض عنها بأنها يهودية؛ الأمر الذي لم يُقدّم أي دليل عليه.

وكون بن غبريط غير معروفة من قبل في عالم السياسة، إذ لم تتقلّد مناصب حكومية سابقًا أو تترأس جامعة، جعلها في موقف خصامٍ مع بعض الأحزاب السياسية، إذ أصدرت حركة النهضة ذات التوجهات الإسلامية بيانًا، انتقدت فيه إسناد وزارة التربية إلى شخصية «مشكوك في انتمائها» حسب بيان الحركة، كما هاجمها رئيس حركة «الصحوة» السلفية غير المعتمدة «زيرواي حمداش»، وقال: إن «جبهة الصحوة الإسلامية تستنكر بشدة تنصيب نورية بن غبريط على رأس وزارة التعليم، وتندد بهذا التصرف الخطير، وتحمل الرئيس بوتفليقة ودوائره مسؤولية هذا القرار المخالف لعقيدة الشعب الجزائري، ومغامرة بالأجيال ومخاطرة بمستقبل التلاميذ والطلاب وقطاع التربية».

تلقت نورية تعليمها الجامعي في جامعة السانيا بوهران غربي الجزائر، ومن نفس الجامعة حصلت على شهادة الليسانس في علم الاجتماع عام 1973، ثم شهادة دراسات معمقة في علم الاجتماع التربوي عام 1977 حول موضوع مشاكل التوجيه المدرسي والمهني. كما حازت عام 1982 شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع التربوي من جامعة ديكارت بباريس، وكرست نفسها بعد ذلك للبحث في مجالات دراسات التنمية والتعليم والشباب والمرأة والأسرة.

بعد تخرجها، ترأست بن غبريط مجلس الإدارة للوكالة الوطنية لتثمين نتائج البحث والتطوير التقني، ثم أدارت المركز الوطني للبحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية (الكراسك) بوهران، إلى غاية تعينها في الرابع من مايو (أيار) سنة 2014 وزيرةً للتربية.

قبل ذلك، عند وصول بوتفليقة إلى السلطة في ربيع سنة 1999 أمر بإنشاء لجنة علمية لتقييم المنظمة التربوية، وإدخال إصلاحات عليها، ترأس اللجنة وقتها «بن علي بن زاغو» رئيس جامعة باب زوار، وسميت الإصلاحات على اسمه، كانت نورية أحد أعضاء هذه اللجنة التي خرجت بتوصياتٍ مفادها أنّ المدرسة الجزائرية «تخرّج إرهابيين» ساهموا في العشرية السوداء التي عاشتها البلاد عقب إلغاء المسار الانتخابي، وقد كان نصيب بن غبريط في هذه اللجنة إعداد تقرير باسم «المدرسة والدين»، ترصد فيه أثر الدين في نفسية التلاميذ الجزائريين، وتنتقد حضوره المكثف في المناهج الدراسية، وتدعو إلى «تحديث» المدرسة.

اقرأ أيضًا: تضييق واتهام بعدم الشرعية.. هل كبح النظام في الجزائر الحراك الطلابي؟

بن غبريط الوزيرة.. الفرنكوفونية تتغلب على دعاة التعريب

توصف نورية بن غبريط بأنها ذات توجه فرنكوفوني، أي أنها تنتمي إلى التيار الذي يعمل على تكريس اللغة الفرنسية على حساب اللغة العربية في الجزائر، وقد تعرضت بسبب هذا التوجه إلى انتقاداتٍ حادةٍ منذ توليها منصب وزارة التربية الوطنية، وهو ما عبرت عنه أولى خطوات بن غبريط في الوزارة، لتعقد اتفاقية تعاون مع وزارة التعليم الفرنسية، ما بين 2013- 2017، إذ يرى المدير الفرعي السابق، المكلف بالتعاون والعلاقات الدولية بوزارة التربية الوطنية، حمزة بلحاج، أنّ الاتفاقيّة «تضمّ فقرة صغيرة متعلقة بقطاع التربية، جعلتها الوزيرة برنامجًا وطنيًّا، بهدف تحضير الإطارات التربوية، للانسجام مع الإصلاحات والمناهج الجديدة، ومع طريقة تدريس اللغة الفرنسية، عن طريق تعليمية اللغة- الثقافة، أي تعلم اللغة الفرنسية بالثقافة الفرنسية، من خلال القيم المدنية الفرنسية».

صراع بن غبريط مع العربية كان باكرًا، فلم يمرّ سوى أسبوعين على تعيينها، حتى شنّت حربًا على إطارات التعريب. الضحية الأولى كان وزير التربية السابق، الدكتور علي بن محمد، الذي مُنع من إلقاء محاضرة بعنوان «أساليب فرنسا في تعليم العربية إبان الاستعمار»، بمناسبة عيد الطالب في محافظة معسكر، ليتضامن مع الوزير السابق أكثر من 100 شخصيةٍ وطنيةٍ جزائريةٍ من أساتذة وصحافيين ومثقفين ومحامين ونشطاء في المجتمع المدني، من خلال عريضةٍ تندد بقرار وزيرة التربية، وقد تحوّلت القضيّة إلى استقطاب بين فئتين؛ الفرنكوفوني الداعم لقرار بن غبريط والمندد بقرار المنع. كان ردّ بن محمد على قرار إلغاء محاضرته: «هنالك تيار مربوط سياسيًّا بفرنسا» في إشارة إلى الوزيرة بن غبريط. ويضيف قائلًا: «لقد تلقيت تأكيدات أن الوزيرة بن غبريط هي صاحبة قرار المنع».

استمرت أسهم بن غبريط القاتلة في نعش تعريب المدرسة الجزائرية، عبر حديثها عن استعمال العامية أو ما يصطلح عليه في الجزائر باللغة الدارجة لتعليم تلاميذ الطور الابتدائي، مدافعةً عن الإجراء بقولها: «إذا كان هناك نسبة فشلٍ كبيرةٍ في الطور الدراسي الأول، فذلك بسبب مشكل نقل المعارف»، مضيفة أن: «هذا الاقتراح نتج من مناقشة ثرية خلال أشغال الندوة، والورشات التقنية، إذ أجمع المختصون على أن التعليم عند الطفل يجب أن يرتكز على اللغة الأم»، وأنه «عند استعمالها في التعليم تطور جزءًا كبيرًا من عقله»، لينتقل هذا الهجوم إلى الكتاب المدرسي على شكل أخطاء، بداية من اعترافٍ بدولة إسرائيل في كتاب الجغرافيا وحذف لخارطة فلسطين، وصولًا إلى إجراء حذف البسملة من الكتب المدرسية.

اقرأ أيضًا: احتجاجات مسّت قطاعات سيادية.. ما السرّ وراء اشتعال الشارع في الجزائر؟

عاصفة البكالوريا تسقط «بن محمد» وتُبقي على «بن غبريط»

في 12 مارس (آذار) عام 1992، استدعى الرئيس الجزائري الراحل محمد بوضياف الوزير السابق للتربية الدكتور علي بن محمد لمناقشة مشروع إعادة هيكلة التعليم الثانوي، الذي كان بن محمد اقترحته على الحكومة، لكن الرئيس بوضياف طلب منه بعد ذلك تأجيل النظر في المشروع، ما جعل بن محمد يثور غاضبًا ويلوّح بالاستقالة، لتسوء العلاقة بين الرجلين؛ وتصل حد شن بوضياف هجومًا لاذعًا على المنظومة التربوية ووصفه المدرسة بـ«المنكوبة»، وهو ما لم يستسغه بن محمد وجعله يقدّم استقالته في نهاية أبريل (نيسان) 1992، إذ قال: «أرفض أن أكون وزيرًا لمدرسة منكوبة».

كان السيناريو الذي توقعه يوحي بخطة لإقالة بن محمد من خلال الوقيعة بينه وبين الرئيس بوضياف، لكن الضربة القاضية التي تلقاها بن محمد كانت أكثر من عتاب الرئيس، ففي صائفة 1992 حدث تسريب مواضيع لامتحانات البكالوريا على نطاقٍ واسعٍ، بما فيها الأسئلة الاحتياطية، في واقعة وصفها بن محمد بـ«الخطة المدبرة» لإجهاض قرار اتخذ في مجلس الوزراء الجزائري يقضي بإدخال اللغة الإنجليزية في مرحلة التعليم الابتدائي إلى جانب اللغة الفرنسية. وقال: «إن الموضوع طبخ هنا وهناك»؛ إذ كان يعني الجزائريين الذين يدافعون عن الفرنسية، ويعني فرنسا نفسها، ليستقيل بن محمد بعدها من وزارة التربية، ويوضع مخططه الإصلاحي في الدرج.

وفي صائفة 2016، عاود فيروس التسريب نشاطه في البكالوريا مستهدفًا الوزيرة «نورية بن غبريط»، هذه المرة لم تكن السيارات السوداء التي وزرعت أوراق الامتحان سنة 1992 هي وسيلة التسريب، بل كانت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي هي المتهم حسب نورية، لكن الوزيرة تلقت دعمًا كبيرًا كفاها للخروج من فضيحة التسريب سالمةً، مقررةً إعادة دورة البكالوريا، وحجب الإنترنت عن الجزائريين في فترة اجتيازها.

اقرأ أيضًا: 160 ألف هارب منها.. لماذا يتهرّب الشباب الجزائري من أداء الخدمة العسكرية؟

«الشعب يريد إسقاط بن غبريط»

بداية هذه السنة الدراسية كانت تنذر بأنها ساخنةٌ على قطاع التربية، استقبلته نورية بن غبريط بإضراب طلبة المدارس العليا للأساتذة الذي يستمر منذ أكثر من أربعة أشهر، إضافةً إلى الإضراب الذي تشنه نقابة عمّال قطاع التربية «الكنابست»، والذي تحوّل إلى صراعٍ بين الوزيرة والنقابة، بعد أن اتهمت الوزيرة في بادئ الأمر هذا الإضراب بعدم الشرعية، لتتطور بعدها الأمور مقررةً فصل كلّ الأساتذة المضربين.

في حديثه لـ«ساسة بوست» أبرز المكلف بالإعلام في نقابة الكنابست «مسعود بوديبة» أنّ الوزيرة بن غبريط تحاول التماطل ورفض الحوار، معتبرًا أن نقابته تضع جميع الخيارات في الإضراب الحالي بما فيها التصعيد أكثر.

كما تصاعدت الاحتجاجات والمسيرات اليومية لطلبة المدارس العليا في العاصمة الجزائر؛ للمطالبة برحيل وزيرة التربية بن غبريط، إذ تجمهر مئات الطلبة أمام الطريق السريع في محافظة بومرداس للتعبير عن مطلبهم القاضي بإسقاط بن غبريط من على هرم التربية في البلاد، قبل ان تتدخل قوات الأمن. وبعد قرارها فصل الأساتذة المضربين خرج مئات التلاميذ بين الطورين المتوسط والثانوي، وبمساندة من طلبة المدارس العليا إلى الشوارع في مسيرات تنادي برحيلها، كما تزامن ذلك مع حملة على مواقع التواصل الاجتماعي يشنها ناشطون جزائريون لمطالبتها بالاستقالة.

وكانت الوزيرة بن غبريط استبعدت سيناريو السنة البيضاء في ولايات البليدة، وتيزي وزو، وبجاية (الولايات الأكثر استجابة للإضراب) بسبب الإضراب المتواصل لنقابة الكنابست. وقالت بن غبريط: «أقول لهم بكل وضوح لن تكون هناك سنة بيضاء في هذه الولايات الثلاث، نحن نقوم بخطوات لضمان تعلم التلاميذ».

اقرأ أيضًا: 6 أسباب اقتصادية تخيف الجزائريين من عام 2018

المصادر

تحميل المزيد