عندما نشاهد أفلام الخيال العلمي أو نقرأ الروايات التي تتنبأ أو تتحدث عن المستقبل، نظن أن أحداثها ما هي إلا ضرب من الخيال، ولا نستطيع التأكد من صحتها، فغالبًا لن نكون على قيد الحياة في الوقت الذي قد تقع فيه، أي بعد 100 أو 200 عام. ولكن الأمر يختلف حينما نقرأ رواية قديمة تنبأت بأشياء شهدنا حدوثها بالفعل، هنا يراودنا الشك – خاصة مع شدة تطابق الأحداث – وربما نتساءل، هل سافر مؤلفوها عبر الزمن؟ ونستعرض في هذا التقرير أربع روايات قديمة ربما تثير لديك هذا التساؤل.

1- باريس في القرن العشرين.. جول فيرن يتنبأ بالتطور التكنولوجي في باريس

«عزيزي فيرن، حتى لو كنت نبيًّا، فلن يصدق أحد اليوم هذه النبوءة، لن يهتموا بهذا العمل ببساطة»

هكذا جاء تعليق الناشر بيير جولي هيتزيل على مشروع رواية «باريس في القرن العشرين»، وعقَّب بأن النص سيكون كارثة على سمعة الروائي جول فيرن. بعد تلقي الروائي فيرن هذه الكلمات اللاذعة عن روايته الجديدة في عام 1863، لم يكن أمامه سوى تركها كما هي بين مقتنياته.

جول فيرن وروايته باريس في القرن العشرين
جول فيرن وروايته باريس في القرن العشرين

بعد مرور أكثر من قرن، وتحديدًا في عام 1989، تمكن أحد أحفاد فيرن من فتح خزانة قديمة تحوي مقتنيات الروائي الفرنسي، ووجد بينها مخطوطة لرواية تحمل اسم «باريس في القرن العشرين» لم تُنشر بعد، ومع نشرها عام 1994 لاقت اهتمامًا كبيرًا بسبب تنبؤاتها المستقبلية.

قصة الرواية عن حياة شاب يكافح من أجل البقاء ويحلم بالعمل شاعرًا في باريس في الستينيات، لكنه يتفاجأ باستحالة بيع كتابه في وقتٍ يفضل الكتابة التكنولوجية فقط. يقدم فيرن وجهة نظر بائسة للتقدم التكنولوجي وحضارة المستقبل التي تحترم الأعمال والتكنولوجيا ومجتمعها مُعادٍ للفنون.

جاءت تنبؤات فيرن في الرواية مثيرة للإعجاب، فقد ذكرت مركبات تعمل بالغاز، وتسير على طرق إسفلتية ومحطات لتعبئة الغاز، في عالم مليء بناطحات السحاب الزجاجية المجهزة بالمصاعد والمضاءة بالكهرباء طوال الليل، والقطارات عالية السرعة، والآلات الحاسبة، وشبكة اتصالات عالمية تشبه الإنترنت، وأجهزة الفاكس، وكذلك كرسي الإعدام الكهربائي، وأسلحة الحرب شديدة الخطورة.

2- حادثة على قارب نجاة.. نبوءة آلان بو التي تحققت بعد قرابة 50 عامًا

على متن قارب نجاة عام 1884، يجلس أربعة أفراد يلتهمهم الجوع والعطش بعدما نجوا من حادث تحطم سفينة «ميجنونيت» في عرض البحر أثناء إبحارهم من إنجلترا إلى أستراليا. لم يجد الناجون أمامهم سوى التهام سلحفاة نيئة، قبل أن يلجأ ثلاثة منهم لأكل الشخص الرابع، ريتشارد باركر، ثم شربوا من دمه ليتمكنوا بذلك من النجاة والبقاء على قيد الحياة.

أحد أحفاد الضحية باركر أرسلَ قصة جده إلى آرثر كويستلر، صحافي طلبَ من قرائه إرسال قصص حقيقية عن صُدف مذهلة، والذي دفع الحفيد باركر لإرسال قصة جده هو تطابقها إلى حد بعيد مع رواية قديمة للكاتب الأمريكي إدجار آلان بو، ما دفع الصحافي لتخليد القصة بنشرها على صفحات صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية في عام 1974.

إدغار آلان بو
إدجار آلان بو/ مصدر الصورة: موقع فليكر

في روايته المسمَّاة «حكاية آرثر جوردن بيم من نانتاكيت»، والمنشورة عام 1838، أي قبل 46 عامًا من حادثة باركر، تنبأ الكاتب الأمريكي إدجار آلان بو في روايته بهذه الحادثة، وتدور أحداث الرواية على لسان بيم، الذي يحكي عن رحلة بحرية محفوفة بالمخاطر على متن سفينة صيد حيتان تسمى «جرامبوس»، يرافقه فيها صديقه أغسطس، يختبئ الصديقان معًا على متن السفينة المملوكة لوالد أغسطس، ولكن بعد عاصفة قاسية ومدمرة، يجد الصديقان نفسيهما في قيادة سفينة محطَّمة ومعهما ناجيان، هما: ديرك بيترز، وريتشارد باركر. نعم بالضبط، اسم بطل القصة الحقيقية نفسه.

بعد أيام عصيبة في عرض البحر بين ضربات الموج والعطش والجوع، بدأ الأربعة بالهذيان وتسللت لهم فكرة التضحية بأحدهم من أجل البقاء. أجرى الأربعة قرعة لاختيار الضحية، وبالطبع كما توقعت أنت أيضًا، وقع الاختيار على ريتشارد باركر، وبكل الأحوال بعد أيام مات أغسطس وكتبت الحياة للمتبقَين.

وبالعودة للواقع، لم تنته قصة ريتشارد باركر بأكل جثته، فبعد نجاة توم دودلي وإدوين ستيفينز، حوكما بتهمة قتل البحار باركر من أجل إنقاذ حياتهما في عام 1884، وأدين الاثنان بجريمة القتل، وجاء في الحكم أن «قتل الأبرياء لإنقاذ النفس لا يبرر القتل، حتى لو كان في ظل الضرورة القصوى للجوع».

3- التنبؤ بتحطم سفينة تيتانيك قبل غرقها بـ14 عامًا

نعلم أن الفيلم الأمريكي تيتانيك ببطولة النجم ليوناردو ديكابريو، مبني على قصة حقيقية لغرق السفينة العملاقة «آر إم إس تيتانيك» بعد اصطدامها بجبل جليدي خلال رحلتها الأولى من لندن إلى نيويورك عام 1912، ولكن ربما لا تعرف أن هناك رواية تنبأت بغرق سفينة بالمواصفات نفسها تقريبًا، واسمها تيتان، كُتبت قبل غرق تيتانيك بـ14 عامًا.

كتب الرواية عام 1898 الروائي الأمريكي مورجان روبرتسون، وسمَّاها بـ«حطام السفينة تيتان»، وفي الرواية تغرق السفينة تيتان في شمال المحيط الأطلسي بعد اصطدامها بجبل جليدي، وبعد 14 عامًا، غرقت «آر إم إس تيتانيك» في شمال المحيط الأطلسي إثر اصطدامها بجبل جليدي.

Embed from Getty Images

صورة لحطام سفينة تيتانيك الحقيقية

تعد أوجه التشابه بين الرواية والحقيقة أمرًا مثيرًا للغرابة، فبالإضافة إلى التشابه الكبير بين الاسمين، غرقت السفينة الخيالية في ليلة من شهر أبريل (نيسان) مثل سفينة تيتانيك، ولم تكن هناك قوارب نجاة كافية على السفينة مثلما في الرواية، 24 على تيتان و16 على «آر إم إس تيتانيك»، وزُعم أن كلتيهما لا تغرقان ولكن غرقتا في الإبحار الأول، بعد الاصطدام بجبل جليدي في الجانب الأيمن لكل منهما.

وتقاربت السفينتان في الطول والحجم تقريبًا، فكان الفارق بينهما حوالي 25 مترًا فقط، حيث كان طول تيتان 269 مترًا، وتحمل 2500 راكب، بينما كان طول تيتانيك 244 مترًا وتحمل 2200 راكب، وقد سارت السفينتان بسرعة تجاوزت السرعة القصوى التي تقدر بـ20 عقدة، فقد كانت تيتان تسافر بسرعة 25 عقدة وتايتانيك بسرعة 22.5 عقدة.

لم تكن أوجه التشابه بين السفينتين مانعًا لوجود الاختلافات في تفاصيل أخرى، ففي حين غرقت تيتانيك في طريقها من إنجلترا إلى أمريكا، غرقت تيتان أثناء رحلتها في الاتجاه المعاكس، كما كان عدد الناجين من غرق تيتانيك 705 أشخاص، بينما لم يتجاوز 13 فقط في تيتان.

4- رحلة أبولو على صفحات رواية كتبت قبلها بأكثر من 100 عام

يبدو أن الروائي الفرنسي جول فيرن كان متمرسًا في السفر عبر الزمن، فلم تكن تنبؤاته الصادقة في رواية «باريس في القرن العشرين» وحدها ما أثارت الشكوك. إذ نُشرت لفيرن في عام 1865 رواية بعنوان «من الأرض إلى القمر»، جاء فيها العديد من أوجه التشابه مع رحلات مَهمَّة أبولو إلى القمر في أواخر الستينيات.

كتاب جول فيرن ومواصفات رحلات أبوللو
كتاب جول فيرن ومواصفات رحلات أبولو/ مصدر الصورة: موقع فليكر

ظهر وجه التشابه بين مركبة فيرن في الرواية، ومركبة المهمة أبولو، ولكن لم يكن هذا هو وجه الشبه الوحيد، فقد رصدت الرواية أن الولايات المتحدة ستكون أول من يطلق مركبة مأهولة إلى القمر، وهو ما حدث بالفعل، وأيضًا، كان عدد أفراد الطاقم في الرواية ثلاثة أفراد، وهو عدد أفراد طاقم أبولو.

وفي الرواية، انطلقت المركبة من فلوريدا، وهذا ما حدث في الواقع بعدما حسم الكونجرس الأمريكي الجدل لاختيار مكان الإطلاق بين فلوريدا وتكساس، فوقع الاختيار على فلوريدا.

وفي رواية فيرن، كانت وحدة القيادة تعرف باسم الكولومبياد، وفي رحلة أبولو 11 سميت وحدة القيادة باسم كولومبيا، وتنبأ فيرن في روايته أيضًا بأن عودة طاقم الرحلة سيكون عبر السقوط في المحيط، وبالفعل، بعد انتهاء الرحلة، هبطت وحدة القيادة في المحيط الهادئ بعد إطلاق المظلات.

فنون

منذ 3 سنوات
بين الكوميديا والفلسفة.. 10 أفلام حديثة عن السفر عبر الزمن

المصادر

تحميل المزيد