تسنيم فهيد

28

تسنيم فهيد

28

1,570

تأثر الأدب المغاربي أيما تأثر بالاستعمار وبالتجربة الكولونيالية تحت سطوة السلطة العسكرية الفرنسية، حتى أن العديد من الأدباء المغاربة، بزغ نجمهم وعُرفوا كـكُتاب فرانكوفونيين، واعترفوا بعدم قدرتهم على الإبداع بلغتهم الأم، التي تحيط بها هالة من القداسة والرهبة، بحسب ما قاله الأديب المغربي الكبير الطاهر بن جلون، بيد أن بعض الأدباء، تمكنوا من فصم عرى هذه الإشكالية، وكتبوا باللغة العربية ووصلوا للعالمية في سبيل البحث عن التحرر، وتُرجمت أعمالهم المكتوبة بالعربية إلى العديد من اللغات وعلى رأسها الفرنسية، لغة المنفى الاختياري.

في السطور التالية، نستعرض بعض أهم الروايات المغاربية، التي أثْرت الأدب العربي، ورسخت الهوية المغاربية بلغتها الأم.

اقرأ أيضًا: الأدب والثورة: تعرف إلى 3 أقلام جزائرية قاومت الاستعمار

«سوناتا لأحلام القدس»- واسيني الأعرج

أرأيت المفتاح الخشن المعلق عند مدخل البيت؟ هل تعتقدين أنه سيفتح شيئًا يومًا ما؟ لا أعتقد. الأحياء تُسرق واحدًا بعد الآخر، بعد سنوات قليلة لن يصبح لهذا المفتاح أيّ معنى، باستثناء التذكر والألم.

تناول الروائي واسيني الأعرج في هذه الرواية، القضية الفلسطينية من زاوية إنسانية بحتة، فالروائي الجزائري أراد عبر سرده قصة الفنانة التشكيلية «مي»، التي غادرت الوطن وهي في الثامنة من العمر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وبقيت هناك، حتى أصيبت في نهاية حياتها بالسرطان، فتاقت نفسها المغتربة إلى العودة، وأوصت قبل وفاتها أن تُحرَق وأن يُذَرَّ رمادها فوق نهر الأردنّ وفي حارات القدس، وأن تدفن عظامها في أمريكا، أن يصور النكبة الفلسطينية والشتات، كقضية شخصية، بعيدًا عن رمزية القضية الجماعية، فكل شخص في فلسطين -بحسب الأعرج- لديه مأساة شخصية ليحكيها.

فبالرغم من أن «مي» حاولت جاهدة الهرب من أشباح نكبتها، وقطعت كل ما يربطها بالوطن البعيد الذي يلوح كوشمٍ في ظاهر اليد، إلا أن كيمياء الارتباط بالوطن، تلك العلاقة الأبدية التي لا يمكن فصم عراها، تعود وتتجلى برغم كل محاولات الانعتاق، لتقرر «مي» في نهاية حياتها أن تعود لُتدفن في ثرى الوطن، فمنه بزغت وإليه تعود.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية فازت في عام 2008، بجائزة الكتاب الذهبي.

ليلة السنوات العشر- محمد صالح الجابري

إحدى الروايات المختارة ضمن أفضل 100 رواية عربية، كتبها التونسي محمد صالح الجابري سنة 1982، وتحولت إلى فيلم سينمائي، تحكي عن قصة كفاح الشعب التونسي إبان الاستعمار الفرنسي، عبر اجتماع ثلاثة زملاء قدامى منذ أيام الدراسة: لمياء، ونجيب، ومروان، بعد 10 سنوات من الفراق، ليبدأوا في سرد ما فاتهم من أحداث في حيوات بعضهم البعض، والحديث عن الوطن الذي يعاني من حالة اجتماعية متردية، توشك على الانفجار.

وتسرد هذه الرواية أحداث يناير (كانون الثاني) عام 1978 في تونس، بما فيها من تباين بين الحكومة والمنظمة النقابية، وما تولد من أزمات آنذاك، وبداية تشكل الفكر التقدّمي في تونس، ذلك الفكر الذي لم ير في رموز الاستقلال حقيقة كاملة، ولم يرغب في الرضوخ لهم أو إطاعتهم، وما تبع ذلك من بلورة الرفض السياسي، والتمرد على الروابط الاجتماعية السائدة.

الخبز الحافي- محمد شكري

يُخرج الحي من الميت. يُخرج الحيّ من النتن ومن المتحلِّل، يُخرجه من المتخم ومن المنهـار.. يُخرجه من بطون الجائعين ومن صُلب المتعيّشين على الخبز الحافي.

لا يمكن أن نتطرق لأفضل الروايات المغاربية المكتوبة باللغة العربية، دون أن نذكر رواية «الخبز الحافي»، التي كتبها الأديب المغربي الكبير «محمد شكري» باللغة العربية، عام 1972، ونُشرت أول نسخة منها، مترجمة إلى اللغة الإنجليزية على يد «فريدريك بول بولز» عام 1973، ثم ترجمها الأديب المغربي «الطاهر بن جلون» إلى الفرنسية عام 1981، وتُرجمت فيما بعد تباعًا إلى 38 لغة أجنبية قبل أن تُنشر باللغة العربية.

فبالرغم من أن هذه الرواية، قد قوبلت بترحاب شديد، وحفاوة كبيرة في الأوساط الأدبية الغربية، حتى عُرف شكري بصفته أديبًا عربيًّا دون أن يُنشر له عمل بالعربية؛ إلا أنها أثارت ضجة كبرى في الأوساط المغربية، ما بين إعجاب شديد ورفض كبير وصل إلى حد المنع والقمع وحظر التداول، وذلك عندما نشرها «شكري» على نفقته الخاصة بعد 10 سنوات من نشر أول نسخة منها بترجمة إنجليزية.

فلقد رأى النقاد أنها رواية جريئة، خارجة عن أعراف المجتمعات العربية، ولا تتوافق مع تقاليدها، بالرغم من أن «شكري» لم يتجن على التقاليد العربية، ولم يحاول الخروج عنها بالتباهي بالكتابة عن المسكوت عنه؛ بل قصّ على القراء بكل أريحية قصة حياته منذ مولده وحتى بلوغه العشرين من العمر، دون أن يخجل مما كان عليه.

وتُعد هذه الرواية التي كتبها شكري وهو في السابعة والثلاثين من عمره، الجزء الأول من سيرته الذاتية، إذ دوّن فيها الكاتب كل ما مرّ به في الفترة من 1935 وحتى 1956، وحكى عن مستنقع القاذورات، الذي غاص فيه طوال 20 سنة، ووصف القاع السفلي للمجتمع المغربيّ، بكل ما فيه من فقر وخوف وأمراض نفسية مستعصية وشذوذ وعهر وكدح، من أجل أن يرشد آخرين لا زالوا في هذا الدرك الأسفل من القاع نحو طريق الصعود، وتُعد هذه الرواية حجر الأساس لما يُعرف بـ«أدب الكشف العربي».

و«محمد شكري» من أهم روائيي المغرب، وإنتاجه الأدبي متنوع، بين الرواية والقصة القصيرة والمسرحية، وترجمت كتاباته إلى مختلف لغات العالم، وحولت رواية الخبز الحافي إلى فيلم سينمائي، وعند وفاته في عام 2003، نعاه ملك المغرب محمد السادس بوصفه «أحد المبدعين المرموقين»، قائلًا: المشهد الثقافي لبلادنا، فقد أحد أعلامه البارزين في فن الرواية.

التبر- إبراهيم الكوني

يا ربي: هل من الضروري أن يمرَّ الشفاء عبر الجحيم؟ هل يعدم الخلاص إلا في أقصى الألم؟ هل ثمن الإثم فادح إلى هذا الحد؟

ترتكز هذه الرواية على الموضوعين الأثيرين لدى الأديب الليبي إبراهيم الكوني: الخطيئة، والحرية. لكن الخطيئة في هذه الرواية، تتخطى المعنى الدارج والمتعارف عليه عند العامة، والذي يتمحور حول الإثم الجنسي بين الذكر والأنثى، ليرتكز في الرواية على المعنى الصوفي للخطيئة، أي تعلُق القلب بالدنيا والمظاهر الزائلة، كحب الأب أو الابن، أو الزعامة وجمع الثروات.

وكعادته، جعل إبراهيم الكوني من الصحراء في هذه الرواية، نقطة الارتكاز وبؤرة الانبعاث والتجدد والاستمرار، فمثلت الصحراء رمز القداسة في مقابل «التبر»، ذلك الرمز المادي الذي يتملك الإنسان ويجبره على الانحناء والتخلِّي عن الارتقاء.

بمراجعة سريعة لكل أعماله الروائية والملحمية والنثرية، نجد أن الكوني، سفير الصحراء العربية باقتدار، فقد توحد مع صحرائه بما تحتويه من موروثات شعبية وأسطورية، وعلاقات عجيبة ومدهشة بين البدويّ والرمال والحيوانات والطيور والأشجار الصحراوية، ونقلها بحذافيرها في كتاباته، التي لاقت انتشارًا كبيرًا واستحسانًا غربيًّا، وأثنى على الحرية والترحال الذي تفرضه الصحراء على قاطنيها، وذم الاستقرار الذي تمنحه الواحة أو المدينة، وما يوّرثه من عبودية وقيد.

وتدور الرواية حول «أوخيد» ابن شيخ القبيلة، المتعلق بمهريّه الأبلق، تعلقا جمًّا، يدفعه إلى الذهاب لـ«قرعات ميمون»، بحثًا عن عشبة «آسيار» التي قد تجلب الشفاء لحيوانه المحبب، الذي أصيب بالجرب بسبب كثرة تردده على النوق، بالرغم مما يُعرف عن أعشاب هذا الوادي وأنها تصيب بالجنون، فيخرج أوخيد مع مهريّه، ويتجرعا الموت في سبيل أن توهب لهما الحياة. ثم يتخلى أوخيد عن مهره الأثير، ويرهنه لابن عم زوجته، مقابل جمل يسد به جوع أطفاله، بعدما أثقلته الديون، ثم يعود ويرضخ لتعلقه بمهريه الأبلق، ويقبل مساومة ابن عم زوجته، ويطلق امرأته في مقابل استرداد «المهريّ الأبلق» بالإضافة إلى كيس من التبر، فيشاع في الصحراء أن «أوخيد» طلق زوجته في مقابل كيس من التبر، فيغضب أوخيد ويقتل ابن عم زوجته، ثم يكتشف كم الدنس الذي ولج فيه، فيقرر أن يعتزل الناس ويتخلى عن الولد والتبر والقبيلة، في محاولة للانعتاق والطهارة، والتحرر من الدنس والخطيئة.

ذاكرة الجسد- أحلام مستغانمي

أحسد الأطفال الرضّع، لأنهم يملكون وحدهم حق الصراخ والقدرة عليه، قبل أن تروض الحياة حبالهم الصوتية، وتعلِّمهم الصمت.

تًعد الكاتبة الجزائرية «أحلام مستغانمي»، واحدة من أكثر الكاتبات العربيات تأثيرًا، فيما تُعد مؤلفاتها من بين الأعمال الأكثر رواجًا حول العالم. ولاقت أحلام شهرة واسعة، بسبب روايتها «ذاكرة الجسد» التي صدرت طبعتها الأولى عام 1993، ولاقت نجاحًا كبيرًا، وانتشرت انتشارًا واسعًا، وفازت في عام 1998 بجائزة نجيب محفوظ.

وجاءت تسمية هذه الرواية، التي تعد المفتتح لثلاثية روائية -مكونة من هذه الرواية، وأخرى بعنوان فوضى الحواس وأخيرة تحمل اسم عابر سرير- للتدليل على أن لكل جسد ذاكرة شاهدة على التاريخ، تروي الكثير من الحكايات، فللوطن ذاكرة لا تنسى ولا تغفل، وللمحبوب والمحِب ذاكرة أيضًا، وكل منا يروي حياته حسب ذاكرته، فـ«الحياة ليست ما يعيشه أحدنا بل ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه» كما قال عراب الواقعية السحرية الأديب العالمي، جابرييل جارسيا ماركيز.

وحملت هذه الرواية رؤى مختلفة، ووجهات نظر عديدة، أرادت الكاتبة أن تعرضها على القراء من خلالها، فقدمت بعدًا تاريخيًّا، وسلطت الضوء عل جزء مهم من تاريخ الجزائر وبعض أحداث العالم العربي بأسره، وتطرقت إلى بعد نفسي مهم، من خلال رصد انفعالات وشعور بطلي الرواية خالد وحياة. وبرز البعد السياسي والاجتماعي في الرواية، عندما تحدثت عن الوطن وما آل إليه، وعن الطبقات الرأسمالية والسلطة والنفوذ، والانبطاح للغرب، وتحدثت عن العسكر، ورمزت إلى ذلك بزواج بطلة الرواية حياة من الرجل العسكري ذي النفوذ، وأظهرت البعد العقائدي أو الديني من خلال رصدها المظاهر الزائفة التي لا تتعدى القشرة الخارجية، في العالم العربي عامة وفي الجزائر خاصة.