في البدء كان بائعًا متجولاً، خياطًا، جنديًّا، ثم جاسوسًا.. بعدها استحال إدوارد سنودن شيئًا آخر. لا أحد محايدٌ بشأنه؛ فقد سمعتُ ضابطًا عسكريًّا رفيع المستوى يصفه، بلا مواربة، بـ”اللص”.. في واشنطن يُنظَر إليه عالميًّا باعتباره خائنًا، وفي أوروبا يعتبره كثيرون شخصًا ذو مبادئ يُبلغ عن المخالفات، في أسوأ الأحوال، وفي أحسنها بطلًا من طراز دانيال إلسبرج.

وبرغم كل شيء، مهما كنت تعتقد بشأنه، ثمة شيء واحد واضح؛ هو أن سنودن داهيةٌ مهووس. والدليل على هذا يكمن في الطريقة التي أدار بها مهمة الإبلاغ عن المخالفات، فبعدما خلُص (كما فعل قبله موظفون موقرون آخرون في الوكالة الوطنية للأمن القومي) إلى أن “ناسا” أساءت تفسير التعليمات أو تجاوزتها، حدد حالات بارزة من تجاوز الوكالة، وحمَّل لكل فئة دليلاً يدعم حدسه.

الآن وصلنا إلى نقطة يمكننا فيها تقييم صورة أكبر. فما الذي تخبرنا إياه تسريبات “سنودن” بشأن ما هو خطأ في “ناسا”، ومالذي تقوله عن امتيازاتها الرائدة في الخارج، عزيزي مقر الاتصالات الحكومية؟

الإدراك الأول، والأكثر وضوحًا، هو أن ما يسمى “الرقابة” الديمقراطية لهذه الوكالات الاستخباراتية غير ملائمة لكي تكون غير موجودة بفعالية. وقبل أن يَغُصَّ السيد مالكولم ريفكند بطعامه، عليَّ أن أضيف أن ذلك ليس لأنه وأمثاله – كل أولئك المشرعين والمسئولين المشاركين في هذه “الرقابة” – كسالى وفاسدون أو غير أكفاء، بل تشير أغلب الاحتمالات إلى أن معظم الأطراف القوية المشاركة في المهزلة الرقابية يطبقون القواعد بضمير كما يرونها.

المشكلة هي أن نظام القواعد التي تضمن التزام وكالات الاستخبارات الشبكية جانب الصواب عفى عليها الزمن بشكل سخيف فيما يتعلق بالتقنيات والمهووسين الذين يفترض أن ينظموها، ومع تضاعف قدرة الحوسبة كل عامين، وتضاعف معدل نقل البيانات ثلاث مرات، والسعة التخزينية  أربع مرات، كل عام، فإن أي مجموعة من القواعد توضع في أي سنة سوف تصبح قديمة في غضون ثلاث سنوات، ومضحكة في غضون خمس.

الأمر الثاني الذي تظهره تسريبات “سنودن” هو  كيف كان مفهوم “الحرب على الإرهاب” كارثيًّا. عادة، عندما تعلن دولة الحرب، تدخل مجموعة من المواثيق القانونية المقبولة حيز التنفيذ، وينبغي على الجمهور ببساطة أن يتحملها، على سبيل المثال، في عام 1939 أصبحت حكومة صاحبة الجلالة تمتلك القدرة التامة داخل حدود المملكة المتحدة. كان يمكن للحكومة أن تفعل ما تراه ضروريًّا، وصولاً إلى مصادرة أيٍّ من الممتلكات الخاصة لأغراض عسكرية، وعُلقت الحريات المدنية. وكانت الرقابة شاملة. كان الأمر، بطبيعة الحال، شديد القسوة، لكن الناس كانوا يعرفون أين يقفون. وكان الناس يعرفون من هو العدو.

بهذا المعنى، لم تكن “حرب” بوش (وبلير) على الإرهاب حربًا. بل كانت – ولا تزال – أداة بلاغية محضة، ولم يكن لها أي موقع دستوري مقارنة بما يحدث في الحروب الحقيقية، لكنها منحت الأجهزة الأمنية مبررًا للمطالبة بحريات شبه حربية، وهو ما رأيناه خاصة في “ناسا” حسبما كشف “سنودن”، وكما يقول الخبير الأمني بروس شناير (الذي شهد العديد، إن لم يكن كل، وثائق “سندون”)، فإن الوكالة “استولت على الإنترنت” بالطريقة ذاتها التي استولت بها إدارات زمن الحروب على سفن البضائع، والعقارات، وشبكات السكك الحديدية. بعبارة أخرى، عاملت شبكة الإنترنت كما لو أنها تملكها.

أبرز جوانب ذلك هو الطريقة التي اخترقت بها “ناسا” (وبالتالي أضعفت) أنظمة التشفير المستخدمة بشكل روتيني لتمكين-  وحماية- التجارة الإلكترونية، والعمليات المشروعة الأخرى عبر الإنترنت. وإدخال أبواب خلفية إلى هذه الأنظمة وتقويضها بطرق أخرى هي نوعية الإجراءات التي تتخذها الحكومات في زمن الحرب، لكنها لا تكون مقبولة أبدًا في خلاف ذلك، وبالطبع في هذه الحالة، كان لهذه الإجراءات آثارًا جانبية قوضت الثقة في الشركات الأمريكية، التي تسيطر على الإنترنت، لذلك فإن عقلية زمن الحرب التي تتبناها “ناسا” ربما تتحول على المدى الطويل لتصبح هدفًا هائلاً خاصًّا.

بقدر ما يشعر مهاويس “ناسا” بالقلق، تُفَصِّل بعض شرائح الباور بوينت ما وصلت إليه الوكالة، وامتيازاتها في المملكة المتحدة، من الضرب على الوتر الحساس؛ أي شخص يعمل مع المبرمجين يعرف كيف يبتهجون حين ينجحون في إنجاز شيء مثير وذكي؛ لإظهار قدرتهم على فعل شيء صعب أو غريب من خلال الكتابة البرمجية البارعة. في الأعمال التجارية، تُعرَف هذه المفاخر” بـ”الاختراق الأنيق”، وتحظى باحترام الزملاء المبرمجين على نطاق واسع.

نشر سنودن مؤخرًا شريحة باور بوينت تابعة لـ”ناسا” تُفَصِّل واحدة من هذا المشار إليها آنفًا، وأظهرت كيف تمكنت “ناسا” من اختراق حركة البيانات (المشفرة) المتدفقة بين مزارع خوادم جوجل، وتُظهِر الشريحة- باستخدام خط منقط- المرحلة التي وجدت عندها “ناسا” وسيلة لاختراق الحركة المفترض أنها محمية، ويمكن قراءة ملاحظة مكتوبة على عجل، تقول: “أُضيف هنا بروتوكول طبقة المنافذ الآمنة، وأُزيل”، يليها وجه مبتسم؛ بما يشير إلى أن الكاتب رآها “اختراقًا أنيقًا” حقًّا.. هؤلاء هم الرجال الذين يعتقد “ريكفيند” ونظرائه الأمريكيين أن بإمكانهم السيطرة عليهم؟ فليحلموا!

عرض التعليقات
تحميل المزيد