التاريخ يملك أدوات عدة لاكتشافه، وليست كل الأدوات محصورة في الوثائق والأوراق الرسمية والكتب، بل يمكن للفن أن يسرد التاريخ ويحكي تفاصيل الحكايات بدقة. في عام 2005 نشرت جامعة ميتشيجان دراسة لأستاذة التاريخ الحديث «شيرلي جيلبرت» بعنوان «Music As Historical  Source الموسيقى بوصفها مصدرًا تاريخيًا» قامت فيها جيلبرت برصد التاريخ الاجتماعي لليهود داخل معسكرات النازية، في فترة الحرب العالمية الثانية، عبر الأغاني التي صنعها اليهود في تلك الفترة داخل معسكرات «هتلر».

وأوضحت جيلبرت عبر نتائج تلك الدراسة؛ أن الأغاني والموسيقى نوع مختلف من التوثيق، لأنها لا تقوم برصد الأحداث الكبرى بل لأنها تهتم بتفاصيل الحالة الشعورية التي يمر بها أصحابها في تلك الفترة، إذ تُعطيهم الكلمات رؤى للحاضر والمستقبل، وتحمل سلاح المقاومة، كما ترصد عدد الضحايا والهزائم؛ فالموسيقى ليست فقط أداة للتوثيق بل أداة للَتذكُر.

اقرأ ايضًا: في ذكرى الهولوكوست.. نماذج بشرية تحدوا الموت ونجوا من النازية

«التاريخ الشفهي للمجتمعات» عبر الأغنية الشعبية

«علياء مسلم» – مؤسسة مبادرة «احكِ يا تاريخ» وأستاذة التاريخ في الجامعة الأمريكية – كتبت بحثًا عن التاريخ الشفهي للشعب المصري في عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر. والتاريخ الشفهي هو الرواية الشعبية التي يتناقلها الشعب وتكون في الأغلب مختلفة عن الرواية الرسمية للدولة، إذ إن التاريخ الشفهي هو تاريخ اجتماعي يتناول تصورًا دقيقًا للأحداث، كما أنه تاريخ العامة الذي لا ينحصر في إنجازات السلطة وسيرة حياة الحُكام.

وقامت «علياء مسلم» في هذا البحث باستخدام الأغاني الشعبية كوثيقة تصف الأحداث التي مرت في عهد جمال عبد الناصر، إذ ركزت على المقاومة الشعبية في السويس وبورسعيد وتطرقت أيضًا لبناء السد العالي وتهجير النوبيين.

كما أوضحت الباحثة الفرقَ بين الأغاني المُسجلة في استوديوهات والأغاني الشعبية التي يتم إنتاجها عبر المجتمع. فالأغنية الشعبية لا يقوم فرد واحد على صنعها، بل هي نتاج تفاعل المجتمع مع الأحداث، وتتميز بالأصالة مقارنة بالأغاني التجارية والقومية، وذلك لأنها تنقل القلق والخوف والإحباط والمقاومة، ولا تُنتج من أجل مصلحة أشخاص أو مؤسسات، بل تخرج خالصة من عباءة المجتمع، ومن أجل التعبير عن هويته. كما يمكن من خلالها تحليل الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها تلك الأغاني، ورصد التحولات المجتمعية من خلال المقارنة بين الإنتاج الفني القديم والحديث لتلك المجتمعات.

وفي بحثها،  ركزت علياء على أغاني التهجير الذي تعرض له أهل بورسعيد والسويس بين عامي 1967 و1974، كما تطرقت إلى تهجير النوبيين من أسوان إلى قرية «كوم أمبو» شمال السد العالي، ذلك التهجير الذي كان بالنسبة للدولة بمثابة تضحيات يجب أن يقوم بها النوبيون، من أجل تحقيق واحد من إنجازات الثورة؛ كالسد العالي، فأتت الأغاني النوبية رثاء وحزنًا ورسائل للأجيال القادمة تسرد فيها الحكاية كاملة.  

اقرأ أيضًا: الأسطورة أصدق من التاريخ.. تلك الحكايات القديمة التي تبقينا أحياء

كُلما بُني في أسوان «خزان» هُجِّر النوبيون

تهجير النوبيين من أجل بناء السد  لم يكن الأول. ففي 1902 وأثناء الانتهاء من بناء خزان أسوان في عهد الخديوي «عباس حلمي الثاني» عرفت النوبة سلسلة متعددة من التهجير. إذ إنه ونتيجة لبناء «خزان أسوان»، ارتفع منسوب المياه خلف الخزان ليغرق 10 قرى نوبية. ليدفع أهالي هذه القري بمفردهم ثمن بناء الخزان، واضطروا للهجرة إلى قرى في البر الغربي وإلى مختلف محافظات الجمهورية طواعية.

أما الذين لجؤوا لاختيار أراضٍ على مرتفعات كي يتجنبوا الغرق، فقد تعرضوا للغرق ثانيةً عندما حدثت التعلية الأولى للخزان عام ‏1912‏، وارتفع منسوب المياه وأغرق ثماني قرى أخرى (قورتة والعلاقي والسيالة والمحرقة والمضيق والسبوع ووادي العرب وشاترمه)،  ثم جاءت التعلية الثانية للخزان عام‏1933‏ وأغرقت معها 10 قرى أخرى‏.

وتجدر الإشارة إلى أن النوبيين في النوبة القديمة كانوا يملكون أراضيَ زراعية، تُنتج ما يكفيهم من محاصيل العام، إذ كان كل فرد آنذاك يملك ما لا يقل عن 50 فدانًا. ومع كل عملية تهجير كان النوبيون ينقلون ما يستطيعون نقله من ماشية ومحاصيل، ويشرعون في بناء بيوت جديدة وزراعة أراضٍ جديدة.

آمال النوبيين في العودة والحياة الكريمة

بعد قيام ثورة 1952، ظن النوبيون أن رحلة تهجيرهم قد انتهت، لكن سرعان ما بدأت الحكومة عام 1954 بالتخطيط لبناء السد العالي، من أجل توفير فائض المياه وتوليد الكهرباء. لتبدأ عملية التهجير في عام 1963 وتنتهي في يونيو 1964‏.

وفي يناير عام 1960 ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطابًا في مدينة «أبو سمبل» لأهل النوبة واصفًا قرار
التهجير بأنه سيحل عدة أزمات تعانيها النوبة، تتلخص في الانعزال الثقافي والحضاري. كما أن التهجير سيكون بمثابة فرصة لإشراك النوبيين في النهضة الصناعية، مؤكدًا أنهم سينتقلون إلى أماكن تتوفر فيها خدمات صحية ومرافق، وأن عودتهم إلى أراضيهم حين يثبت منسوب المياه بعد بناء السد أمر محتوم. لكن كل تلك الوعود ذهبت هباءً منثورًا، وما زال النوبيون حتى يومنا هذا يطالبون بحق العودة والتعويض عما حدث.

خطاب جمال عبد الناصر في يناير عام 1960.

اقرأ أيضًا: الطنطورية المصرية: «ساسة بوست» يستقصي أسرار الجرح النوبي المفتوح في ذكرى التهجير

التهجير في الأغنية النوبية

الأغنية في التراث والثقافة النوبية مصدر لتناقل اللغة والتعبير عن مختلف درجات البهجة والحزن. ويلاحظ ما تركه التهجير من أثر ملموس على تماسك اللغة النوبية وتناقلها بين الأجيال، فأغلب الشباب الآن لا يستطيعون التحدث باللغة النوبية بسلاسة، كما أصبحت اللغة العربية متداخلة مع اللغة النوبية، أما من تربى خارج النوبة، فلا يستطيع التحدث باللغة النوبية.

الشعر والأغاني والإيقاع النغمي هي ترجمة حقيقية لحياة المجتمع ومشاعره وممارساته اليومية، وتسجيل لأحداث مهمة كالزواج والمولد والسبوع والنذور، فضلًا عن الأعياد الدينية والرسمية وأعياد المحصول الجديد وغير ذلك من شئون الحياة، وعلى رأسها أغاني الحب والعاطفة. وغنى النوبيون عن  البيئة الطبيعية والمجتمعية في النوبة القديمة التي قد أصبحت تراثًا في المهجر الجديد عند حوض «كوم أمبو».

وتُظهر بعض الأغاني النوبية قصة التهجير ومشاعر النوبيين تجاهه، ومن تلك الأغاني؛ أغنية «واه حنينة» للفنان الراحل «سيد جاير»، الذي ولد عام 1930 في نجع «سلماندية» بقرية فرّيج «أبو سمبل» بالنوبة القديمة، وشاهد التهجير عام 1963 وتوفي في يوليو عام 2005.

إذ تحكي الأغنية قصة شاب نوبي ذهب إلى أرضه بعد سنوات من التهجير ووجدها غارقة تحت الماء باستثناء مرتفع صغير يطفو على سطح النيل، ويصف الحالة المؤلمة التي تأتي فيها الجبال والطيور لتقول له «أيها الغريب.. ما الذي أتى بك إلى هنا». تلك الأغنية تم العمل عليها بين عامي 1963 و1970، ولأنها تحمل الكثير من الأسى والحزن فإن النوبيين لا يغنونها في لقاءات عامة.

أغنية «واه حنينة» للراحل الفنان  «سيد جاير».

وهناك بعض الأغاني التي لا يعرف أحد تاريخ صدورها بالضبط بسبب ما تحمله من معانٍ تحكي مأساة التهجير التي بدأت منذ عام 1902، مثل أغنية «صندلية» التي غناها الفنان النوبي «أحمد منيب»، وتتحدث عن الصندل أو القارب الذي يمر بالقرى النوبية ولا يجد مرسى، فيظل ينطلق إلى الشمال باستمرار، كناية عن التهجير المستمر لأهل النوبة. كما تُعبر أغنية «أويش» الجميلة عن الحنين وتصف الأرض والنخل والنيل وجمال الطبيعة في النوبة القديمة.

أغنية «أويش».

أما أغاني التهجير التي غناها الفنان الراحل «حسن جزولي» الذي ولد بقرية «قورتة» بالنوبة القديمة ثم نزح منها إلى القاهرة، فمن أشهرها؛ أغنية «المُهاجر» التي يقول فيها:
على فين يا بلاد الغربة وخداني.. يا أما تأخديني معاكي يا تسبيني في حالي
بتمشي تسيبيني في الهَم وتبعتيلي فلوس.. هي الفلوس تعوضني بيكِ

أغنية «المُهاجر» للفنان «حسن جزولي».

وبالرغم من خوف الأجداد النوبيين على الأحفاد من أن ينسوا تاريخ النوبة ويتخلوا عن تراثهم بعد التهجيرات المستمرة التي تعرضوا لها، ونشأة الأحفاد على أراضٍ جديدة دون أي اتصال بموطنهم الأصلي، والخوف من فتور رغبتهم في العودة وتمسكهم بهذا الحق مقارنة بكثير من الأجداد، إلا أن الجيل الذي وُلد بين عامي 1970 و1990 لم ينسَ ما حدث، وكان منهم الفنان الراحل خضر العطار الذي غنى أغنية «اسمي هناك» في عام 2008، والتي تحكي عن التهجير القسري وحق العودة والشعور بالغربة في أرض المهجر، وأغنية «فخور أنا» التي يفتخر فيها العطار بانتمائه للنوبة وبالحضارة النوبية.
أغنية «اسمي هناك» للفنان النوبي خضر العطار.

تأييد الزعيم أيضًا طال الأغاني النوبية

لم تكن «أم كلثوم» الوحيدة التي غنت للسد العالي، عندما شيد عام 1959 بأغنية «قصة السد»، من كلمات «عزيز أباظة» ووصفت السد بأوصاف جمالية وأشادت بالإنجاز العظيم، بل تغنى شعراء النوبة أيضًا بالسد العالي، ومنهم الشاعر النوبي «صدقي سليم»، الذي عمل في إدارة البحوث التقنية بمشروع السد العالي عام 1960، وكتب أغنية «دايمًا نصريبو وونيل»، بعد تردد كلمة السد العالي في أرجاء الجنوب وزيارة جمال عبد الناصر لأسوان وإلقائه خطبة هُناك.

والأغنية تمدح النيل وتقول إن الخير الذي يأتي منه سيظل متصلًا وتمدح عبد الناصر وتنتظر الخير على يده. وفي عام 1961، كتب صدقي أغنية أخرى بعنوان «البوسطى»، تحكي عن شاب يتكلم مع مركب ويريد منها أن توصله للسد العالي لكي يراه، ويحمل معه شوقًا ومودة.

Embed from Getty Images

الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس العراقي عبد السلام عارف، ورئيس اليمن عبد الله السلال في زيارة لموقع بناء السد العالي في أسوان.

وبالتزامن مع غناء عبد الحليم حافظ لأغنية «على راس بستان الاشتراكية»، والتي تمدح إنجاز السد العالي وخيراته، كان صدقي أيضًا في النوبة يُغني أغنية «تاناه تاناه» أو «تعالى تعالى» للوحدة العربية، ويقوم بربط النوبة بالقومية المصرية حتى لا تنفك عن إنجازات الدولة وإخفاقاتها، ويكون للمعاناة والظلم عنوان مختلف يُسمى «التضحية من أجل الوطن». ويقول في الأغنية: « تعالوا نلف العالم أيها العرب، فنحن ننتمي إلى كل ركن من أركان الدول العربية، وأينما يذهب عبد الناصر نذهب معه فكنا قبل ذلك مكتوفي الأيدي».

أغنية «دايما نصريبو وونيل».

اقرأ ايضًا: «حمزة علاء الدين» سفير النوبة للسلام حول العالم

لماذا لا يستطيع «محمد منير» خداع النوبيين؟

يُعد محمد منير الخيار الأخير للنوبيين، فلم تكن أغاني منير تلقى رواجًا بين النوبيين، بالرغم من قدرته على «خداع» غيرهم بالموسيقى النوبية في أعماله الفنية، وبالدُف الذي يحمله في أغانيه المصورة،  وبالأطفال السُمر الذين يمرحون معه. كما يمكنه خداع أي شخص بقَصره المشيد على ضفاف النيل بأسوان، وكأنه يعود وحيدًا بعد غرق قريته بمنشية أسوان بعد بناء السد، ولكن هذا الخداع لا ينطلي على النوبيين.

Embed from Getty Images

المطرب محمد منير.

فأغانيه النوبية مختلطة باللغة العربية، تعكس مدى ركاكة نطقه للغة النوبية التي لا يجيدها؛ فخلال مشواره الفني الذي وصل إلى ما يقرب من 350 أغنية، كان إنتاجه لأغانٍ نوبية جديدة قليلًا جدًا؛ ومع ذلك تظهر مهارته التجارية في كل ألبوم، باختياره لأغنية نوبية يقوم بتعريب جزء منها وإعادة صياغتها،  كما حدث مع أغنية «شمندورة»، وأغنية «أباياسا» للفنان النوبي الراحل «سيد جاير»، التي كانت في الأساس رثاء لحال النوبيين بعد التهجير وأحلام العودة، لكن منير اقتنص مقطعين منها وغفل عن باقيها الذي يتحدث عن قضية حق العودة، التي لم يقحم نفسه بالإشارة إليها طيلة مسيرته الفنية.

أغنية أباياسا الأصلية – مترجمة.

في لقاء البيت النوبي مع منير عام 2008 سألته المذيعة عن مشكلة النوبيين وقضية التهجير وكان رده مخيبًا للآمال النوبية تمامًا حين قال: «إيه مشكلة النوبيين! مفيش مشكلة.. ماتكبريش الموضوع»، لتتلاشى طموحات النوبيين في المُغني النوبي المشهور، الذين أملوا أن يكون لهم سندًا وعونًا، وختم أفعاله مع أهل النوبة بمسلسل «المُغني» الذي صور فيه النوبيين وهم مسرورون بالتهجير، ويحملون صورًا للرئيس جمال عبد الناصر، بالإضافة إلى استخدامه اللهجة الصعيدية في حوارات المسلسل، والتي لا تمت بصلة للغة النوبية القديمة التي كان يتحدث بها أهل النوبة قديمًا، ليأتي هذا المسلسل ويقصم ظهر البعير، ويترك منير خارج اختيارات النوبيين وخارج مجتمعهم، حتى إنهم أطلقوا وسمًا  بعنوان «#المغني_لا_يمثل_النوبة» على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهروا فيه مدى رفضهم للعمل الزائف وخيبة أملهم الكبيرة في المغني الشهير.

لقاء البيت النوبي مع منير.

اقرأ أيضًا: منيب وحمزة علاء الدين والبحر أبو جريشة.. النوبة ليست منير فقط

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد