ينظر العلماء إلى الطاقة النووية باعتبارها مصدرًا حقيقيًا لا ينضب للطاقة، لكن ما يثير المعارضة حول مستقبل الطاقة النووية هو توجيهها للأغراض العسكرية والحربية، والتكاليف العالية لبناء المفاعلات، ومخاوف العامة المتعلقة بالسلامة، وصعوبة التخلص الآمن من المخلفات عالية الإشعاع، ما جعل انضمام الدول النامية لنادي النوويين الكبار أمرًا في غاية التعقيد، لكن بعض الدول تحدت كل هذه المعوقات وتمكنت من بناء برامج نووية محكمة رغم إمكانياتها المتواضعة مقارنة بالدول الكبرى. نحاول في هذا التقرير التعرف على 4 تجارب نووية لدول نامية في مواجهة القوى العظمى، هي كوريا الشمالية، والهند، وباكستان، وإيران.

التجربة النووية الكورية

بدأت كوريا الشمالية في تشكيل نهضتها الصناعية والسياسية (التي توجتها الآن بامتلاك سلاح نووي) بعد حرب مدمرة اندلعت بين عامي 1950 و1953 نتج عنها تقسيم كوريا إلى دولتين؛ شمالية وأخرى جنوبية.


منذ عام 1991 شنت الولايات المتحدة حملة سياسية ودبلوماسية ضد كوريا الشمالية بسبب أعمال المجمع الصناعي النووي الكوري الشمالي في بيونغ يانغ، وظلت الأمور بين شد وجذب ومفاوضات حتى انتهت إلى وقف تطوير البرنامج الكوري. فقد تصاعدت حدة المواجهة بعد تولي جورج بوش الأب مهام الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية وإعلان كوريا الشمالية أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعملون لصالح المخابرات الأمريكية، وأعقب ذلك انسحابها من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وبعد تصاعد حدة الأزمة قامت كوريا الشمالية في مايو 1994 بتفكيك 8000 سبيكة من الوقود المشع في مفاعلها النووي، وهي الكمية الكافية لتصنيع 5 أو 6 قنابل ذرية.


بعد وصول كلينتون إلى منصب الرئاسة، دارت عجلة التفاوض بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة ليتوصل الطرفان إلى اتفاق، قامت على أساسه وكالة الطاقة الدولية بختم مفاعل يونغ بيون بالشمع الأحمر وأغلقت على الوقود المشع بكتل إسمنتية، وأخضعت هذا المفاعل للرقابة الدائمة، ولكن ذلك كله جرى دون اتفاق شامل على تجميد البرنامج النووي الكوري الشمالي، وبقي الوضع على هذا الشكل حتى ظهرت بوادر غزو العراق، فقامت كوريا الشمالية بطرد مفتشي الوكالة الدولية يوم 27 ديسمبر 2002 ونزعت الشمع الأحمر عن مفاعلها وشحنته بسبائك الوقود، ثم أعلنت بعد نحو أسبوعين، مطلع عام 2003، عن انسحابها من التوقيع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وأنها تعد أية عقوبات تصدر ضدها من مجلس الأمن الدولي بمثابة إعلان حرب عليها.


توقفت كل التطورات والاتجاهات العدوانية الأمريكية عند هذا الحد ولجأت إلى لغة الحوار والمفاوضات التي ما زالت لم تراوح مكانها، في وقت تشير فيه كل التقارير إلى إنتاج كوريا الشمالية لنحو 5 أو 6 قنابل نووية على الأقل، هذا قبل إعلانها قبل أيام عن إجراء تجربة مثيرة للجدل لاختبار قنبلة هيدروجينية تحت الأرض.

التجربة النووية الهندية


حصلت الهند على استقلالها عن بريطانيا سنة 1947، فبدأت من فورها محاولتها الأولى لتوليد الطاقة النووية سنة 1948، ما يعتبر سابقة في ذلك حتى لدى الدول المتقدمة، ووضعت نصب أعينها منذ بداية الاستقلال كل قضايا التطوير التكنولوجي؛ فأسست قاعدة علمية قادرة على إيصالها إلى بلوغ حد إنتاج السلاح النووي، وحد إطلاق الأقمار الصناعية التي بدأت مشروعها سنة 1972، لتصل فيما بعد إلى إجراء أول تجربة للتفجير النووي سنة 1974، وواصلت تجاربها حتى عام 1998 بمجموع خمس تجارب تفجيرية، إلى جانب التجارب الدائمة والمستمرة للصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، وقد جاءت هذه الإنجازات الهندية رغم تعرض الهند للانقسام واستقلال باكستان، ورغم خوض الهند حروبًا مع هذه الأخيرة ورغم ثقل وطأة أوضاعها الاقتصادية بسبب عدد سكانها الضخم وحالة الفقر الواسعة داخل المجتمع .


المثير للتأمل في التجربة الهندية هو أن الفقر والوضع الاقتصادي المتضعضع لم يعيقا الهند عن سلوك طريق الصناعات النووية أو الفضائية؛ إذ كانت الهند أشد فقرًا وإنهاكًا وأكثر عددًا وانضغاطًا في تدبير الموارد مقارنة بدول أخرى كثيرة، ومع ذلك فقد تفوقت تكنولوجيًّا على فقرها ماليًا بينما تخلفت الدول التي امتلكت الفوائض المالية. والفارق بدقة هنا بين الهند ودول أخرى هو أن الهند وضعت هدفًا إستراتيجيًّا رأت أن إنجازه هو عامل التطوير لكل العوامل والأوضاع الأخرى ففازت، بينما لم يضع الآخرون هدفًا وطنيًّا محددًا لهم ففشلوا، كما تمكنت الهند من امتلاك السلاح النووي على خلفية إدارة الصراعات الدولية بما يخدم المصالح الوطنية في أعلى قمة الإستراتيجيات والتخطيط.

التجربة النووية الباكستانية


تميزت التجربة الباكستانية بكونها التجربة الأولى لدولة إسلامية في امتلاك السلاح النووي، رغم أنها جرت في أطراف العالم الإسلامي وليس في ما يمكن اعتباره “قلبه” العربي، وفي مواجهة دولة جارة هي الهند، وليس في مواجهة العدو الإسرائيلي، وقد ظهر أن “أبا القنبلة النووية الباكستانية” عبد القدير خان وأعوانه قد بذلوا كل جهد ممكن لجمع الخبرات الضرورية من كل الدول المتقدمة لبناء مشروع باكستاني الملامح. وواقع الحال أن التجربة الباكستانية في امتلاك السلاح النووي معقدة جدًّا؛ فباكستان دولة حديثة الولادة، استقلت عن الهند سنة 1947، كما تعرضت للانقسام سنة 1971 بعد انفصال بنجلاديش، وعاشت حالة تقلب سياسي مؤثر، فقد شهدت صراعًا عسكريًّا استمر نحو 22 عامًا بعد استقلالها وحتى إجراء أول انتخابات تعددية سنة 1970 أعقبها انقلاب عسكري أوصل ضياء الحق إلى الحكم بين 1977 و1988، تلته حقبة حكم ديمقراطي انتهت إلى انقلاب عسكري آخر قاده الجنرال برويز مشرف قبل عودة النظام الديمقراطي فيما بعد.


المثير للتأمل في التجربة الباكستانية هو أن الفقر والاضطرابات السياسية الداخلية والتقلبات في النظام السياسي لم يتسببوا في انحراف الدولة الباكستانية عن جوهر التخطيط لامتلاك الرادع النووي، فقد كانت باكستان وظلت حتى الآن الدولة الأشد تقلبًا في النظام السياسي والأشد اضطرابًا على صعيد الاستقرار الداخلي، إذ شهدت عدة انقلابات عسكرية وانتقالات متعددة من الحكم الليبرالي إلى العسكري، وتعاني حتى الآن من الفقر ومشكلات اقتصادية واجتماعية كثيرة، لكنها مع كل ذلك أنجزت مشروعها النووي والعسكري بما حمى كل مقدرات البلاد وبما بات دافعًا لكل عمليات التطوير التكنولوجي، فقد أخذت من التصنيع العسكري قاطرة لتطوير التصنيع المدني، كما هو الحال في كل الدول المتقدمة، عكس الدول التي أخذت التصنيع المدني قاطرة للتصنيع العسكري وهي تواجه عدوًا أو تطمح إلى التفوق، قد تخلفت أو أصبحت دولا غير قادرة على تحقيق استقلالها فيما بعد. كما أن التجربة الباكستانية تعطي المثال بدولة طرفية وحديثة الوجود تمكنت في زمن قياسي من الوصول إلى التفجير النووي في نفس التوقيت الذي وصلت فيه الهند لهذا الهدف، فالحروب التي خاضتها لم تعق جهدها الإستراتيجي رغم تفوق عدوها بشريًّا وتسليحيًّا.

التجربة النووية الإيرانية


تبدو دلالات التجربة الإيرانية بالغة الأهمية في مختلف المجالات؛ فهي من ناحية تجربة معاشة ليس فقط بالمعنى المباشر للتعبير ولكن بالمعنى الإستراتيجي الذي يكشف أبعاد وملامح القوة في الصراع الدولي الآن، كما أنها تجري الآن وفق نمط من الصراعات والمناورات بما يقدم النموذج العملي والمدرك أو الملموس على إمكانية استثمار الخلافات في الوضع الدولي، والقدرة على الحركة والنفاذ من خلال الثغرات المتاحة في الوضع الدولي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وبين روسيا والصين، كما أنها حالة متميزة في بروز دور الإرادة والتعبئة الشعبية خلف المشروع الوطني النووي الذي انتهى بتوقيع اتفاق نووي اعتبره كثيرون تاريخيًّا بعد جولات مفاوضات مكوكية.


منذ انتصار الثورة الإيرانية، وأحداث سفارة الولايات المتحدة في طهران بشكل خاص، والولايات المتحدة تعمل على تغيير النظام الجديد من خلال الضغط بأوراق البرنامج النووي الإيراني وتطوير إيران للصواريخ متوسطة المدى، وملفات أخرى مثل حقوق الإنسان وإيواء عناصر من تنظيم القاعدة، وإذا كان الكونجرس الأمريكي قد أصدر قانونًا شهر يوليو 2004 لدعم المعارضة الإيرانية والإطاحة بما أسماه الحكومة الدينية الحاكمة لإيران، فإن الولايات المتحدة خلال الولاية الثانية لجورج بوش الابن قد صعدت لهجتها وتهديداتها بالعدوان على إيران، وكان الانقلاب في الموقف الأمريكي مستندا بالأساس إلى تطورات البرنامج النووي الإيراني الذي رأت واشنطن أن حسمه لن يتم إلا بشن عدوان عسكري على إيران، خاصة على خلفية الدور الإيراني في العراق بعد الاحتلال الأمريكي له.

عادت الصحف الأمريكية للحديث عن سيناريوهات لقصف المنشآت النووية الإيرانية في مرحلة تكاثرت فيها أنباء استعدادات إسرائيلية لنفس الغرض، الأمر الذي دفع إيران لإدارة عجلة تهديداتها المقابلة وإظهار ما لديها من أوراق سواء عبر الإعلان عن تطويرات جديدة لصواريخها وألغامها البحرية، أو من خلال التهديد بوقف تصدير النفط من منطقة الخليج كليًّا من خلال إغلاق مضيق هرمز، ثم إدارة الأزمات المتفجرة في سوريا والعراق واليمن، واستمرت لهجة التهديد إلى أن بدأت الدول الأوروبية عرض مقترحات جديدة على إيران فخففت إيران من لهجتها وباتت أقرب إلى التفاوض مجددًا مع تمسكها بحقها الذي اكتسبته منذ إعلانها بدء ونجاح تخصيب اليورانيوم في يناير 2006، الأمر الذي توج بتوقيع الاتفاق النووي الشهير والرفع التدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد.



عرض التعليقات
تحميل المزيد