أيام قليلة تفصل العالم عن نهاية جولة مفاوضات أخرى بشأن البرنامج النووي الإيراني، يسيطر الترقب والقلق على كل شيء في إيران، الأسواق، الصناعة، البترول العقارات والبورصة وقطاعات أخرى تبدو جميعها في حالة هدوء حذر.تتصاعد الأماني والابتهالات الشعبية ليتحقق لإيران النصر الدبلوماسي الذي تتمنى أن يزيح عن كاهلها عبء العقوبات الدولية.

بحلول الـ 24 من نوفمبر يفترض أن يكون الدبلوماسيون الإيرانيون، الأمريكيون، الأروبيون، الروسيون والصينيون قد توصلوا إلى توافق حول برنامج إيران النووي. بعد تفاهمات جنيف العام الماضي، فإن الضغوط الناتجة عن العقوبات الغربية على إيران قلت نسبيًّا، والأمل يملأ الدبلوماسيين الإيرانيين في التخلص من العقوبات جميعًا في اتفاق قد يكون تاريخيًّا بعد 12 عامًا من المفاوضات المضنية. ينتظر الاقتصاد الإيراني انتعاشًا كبيرًا في حال إزالة جميع العقوبات عليه، إذ سيتمكن المستثمرون من الدخول إلى إيران بحرية أخيرًا.

بحسب توافق جنيف العام الماضي تمكنت إيران من الحصول على ملياري دولار من أرباحها النفطية المجمدة. منتصف نوفمبر هذا العام دفعت الهند 500 مليون دولار لإيران لتسدد دينها النفطي لإيران، الذي يبلغ 900 مليون دولار، الدولارات التي أنعشت البنك المركزي الإيراني. إضافة إلى ذلك فإنه حسب تفاهمات جنيف، تقوم شركة بويينج لأول مرة بعد قطع العلاقات بين إيران وأمريكا بإعطاء إيران بعض الخرائط والمعلومات الفنية. من الممكن إذن القول إنه في الـ 12 شهرًا الماضية تحسن النمو الاقتصادي الإيراني تحسنـًا طفيفـًا، وشهدت إيران زيادة في عدد المسافرين الأجانب. مما أنعش الآمال في انفراجة قد تكون وشيكة.

الجولة الحالية من مفاوضات مجموعة 5+1 مع إيران مستمرة منذ عام كامل، لكنها دخلت الآن مراحلها النهائية. أمام فندق كوبورج في العاصمة النمساوية فينا يخيم عشرات الإعلاميين في انتظار لحظات الحسم. لم يتمكن الصحفيون حتى الآن من رؤية وجوه جميع المفاوضين، إذ تحيط سرية كبيرة بالفندق.

تنتشر الكثير من التخمينات عما يمكن أن تتوصل إليه المفاوضات، لكن ربما يمكن تلخيص احتمالات المفاوضات في سيناريوهات ثلاث: نجاح المفاوضات والتوصل إلى تفاهم شامل، تمديد مدةالمفاوضات، أو فشل المباحثات وإيقافها.

الوصول إلى تفاهم

هو خيار مازالت الدبلوماسية الإيرانية تضع عليه أملاً، لكن في ظل الأجواء السرية التي تحيط بالأيام الأخيرة من المفاوضات والضغوط التي تمارسها التحالفات الإقليمية والمجموعات المتطرفة داخل البلدين الأساسيين في المفاوضات -إيران وأمريكا- من الصعب التكهن بالمسار التي قد تسلكه التفاهمات في ساعاتها الأخيرة، إذ تقلصضغوطات المتطرفين من مرونة الخيارات لدى الطرفين.

سيعني هذا السيناريو نهاية 12 عامًا من المفاوضات الشاقة على المشروع الإيراني الأكثر إثارة للجدل، وانفراجًا كبيرًا في العلاقات الإيرانية الغربية. ربما قد يعني أنه على المدى البعيد قد تصبح إيران دولة “شقيقة” لدول كثيرة تعتبرها الآن إرهابية.

يؤمن بعض المحللين أن الأمل في الوصول إلى الوفاق الذي طال انتظاره مازال موجودًا. فالمفاوضات في عامها الماضي طرحت العديد من الحلول لمحاور مهمة مثل استمرار تخصيب اليورانيوم تحت سقف الـ 5% وعدم بناء أجهزة طرد مركزي متقدمة، والقبول بتغييرات رئيسية في مفاعل أراك المنتج للماء الثقيل لتقليل توليدالبولوتونيوم. كذلك يمكن إضافة التفاهم الروسي الإيراني الأخير بشأن البرنامج النووي إلى الأجزاء المضيئة التي تعطي أملاً في نجاح المفاوضات.

من الناحية الاقتصادية فإن هذا الاحتمال هو أفضل خيار ممكن لإيران، إذ سيتأثر به الاقتصاد الداخلي بحجم ما قد يتوصل له المفاوضون من رفع تدريجي للعقوبات عن إيران وإعطاء إيران الحق في الحصول على أموالها المجمدة . لكن ربما لا يجب أن يتوقع المواطن الإيراني تحسنًا كبيرًا في أبعاد حياته، فحتى لو رفعت جميع العقوبات سيظل الاقتصاد الإيراني متأثرًا بالفساد الإداري الكبير والتدخل الواسع للمؤسسات العسكرية في اقتصاد البلاد.  

في هذه الحالة ستتمكن إيران من تقليل التضخم الداخلي فيها، كما ستتمكن من القيام ببعض الإصلاحات الاقتصادية التي لا تؤثر كثيرًا على مصالح القوى العسكرية المتحكمة في اقتصاد البلاد.

تمديد المفاوضات

الحالة الثانية يتوقعهاوزراء خارجية فرنسا وأمريكا وبريطانيا. فهم أكدوا أن خلافات هامة مازالت قائمة بين الدول 5+1 وإيران على الرغم من أن الغرب حريص ومهتم بالوصول إلى توافق، مضيفين أن التفاهم الحقيقي يعتمد على نوايا إيران وجديتها في التفاوض.

من الممكن اعتبار هذه الحالة استمرارًا لتفاهمات جنيف، في هذه الحالة قد تشهد إيران ركودًا اقتصاديًّا ناشئًا عن الإحباط في نهاية جولةأخرى. ستتواصل المفاوضات على أمل أن يتم الاحتفاظ بالوضع الحالي، في هذه الحالة من المحتمل أيضًا أن تحصل إيران على أجزاء أخرى من أرباحها النفطية المجمدة .

لهذا السيناريو مشاكله. فالكونجرس الأمريكي منذ عدة أشهر انتخب بأكثرية جمهورية، وهو الحزب الذي يرغب في وضع عقوبات أكثر على إيران وليس في التفاهم. لكن إيران خاصة بالنظر إلى الوضع الاقتصادي المعقد يبدو أنها حريصة حقـًّا على التخلص من العقوبات هذه المرة. حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني بحاجة حقيقية لاقتصاد منفتح لتستطيع تنفيذ وعودها للناخبين الذين أتوا بروحاني.

ربما من الممكن القول إن هذا الخيار أفضل من سابقهفقط لكثير من العسكريين والمتطرفين داخل إيران، بقاء الوضع كما هو عليه يحفظ لكثير منهم امتيازات مطلقة. فهم يسيطرون ويحتكرون العديد من الأسواق بسبب العقوبات، كذلك فإن تمديد المفاوضات سيسمح لإيران بمحافظة نسبية على لهجة العداء للغرب والعبارات الثورية التي يفضلها المتطرفون داخل إيران، سيعني الوصول إلى تفاهم نووي أن إيران ستدخل مرحلة جديدة في التعامل مع الغرب، قد تحتاج تغييرًا حقيقيًّا في لهجتها الدبلوماسية والتخلي عن عباراتها التقليدية عن الغرب الكافر. الأمر الذي يضغط كثير من المتشددين على الرئيس الإيراني حسن روحاني لعدم تغييره باعتباره تهاونـًا في ميراث الثورة الإسلامية.

فشل المفاوضات

تتحدث الأطراف في فينا قليلاً عن هذا السيناريو، فهو الأبعد احتمالاً والأكثر كارثية على المتفاوضين. فبالنظر إلى التقدم الحاصل حتى الآن وكذلك إلى الآثار الثقيلة المترتبة على فشل المفاوضات ليس من المتوقع كثيرًا إعلان توقفها. سيعني فشل المفاوضات عقوبات أكثر على إيران، وهو ما لا تبدي دول مثل الصين وروسيا وكذلك الاتحاد الأوروبي استعدادًا له. سيعني أيضًا استمرار إيران في برنامجها وربما حصولها على قنبلة نووية في فترة قريبة، وهي كارثة لكثير من الدول خاصة في الوضع غير المستقر للشرق الأوسط.

لكن هذا السيناريو هو الأفضل للعسكريين والأفراد الأكثر تطرفـًا داخل إيران، في حال توقف المفاوضات ستعود إيران إلى ما قبل تفاهمات جنيف. في هذه الحالة ستضطر إيران للقيام بحزمة تقشفية ستجلب غضبًا شعبيًا. ستسقط العملة الإيرانية سقوطًا كبيرًا آخر أمام الدولار. سيزيد التضخم وسيضطر المستثمرون الذين بدأوا بالفعل بعض النشاطات الاقتصادية في توقف كامل وسحب أموالهم، مما سيدخل إيران مرحلة ركود اقتصادي عميق وعزلة دولية جديدة. سيمارس كثير من المقربين للنظام هوايتهم في التحدث عن اقتصاد المقاومة والممانعة دون أن يلاحظوا أن المحللين الاقتصاديين يؤكدون على أن قدرة الاقتصاد الإيراني على المناورة في حال عقوبات جديدة تقترب فعليًّا من الصفر.

مناورات دبلوماسية دولية

على هامش المفاوضات تشهد عديد من الدول حراكـًا دبلوماسيًّا كبيرًا لمحاولة كسب الساعات الأخيرة. ففي بيان أصدرته إسرائيل في الـ 20 من نوفمبر أي قبل انتهاء المفاوضات بأربعة أيام فقط، قال يوفال اشتاينيتز وزير المخابرات الإسرائيلي إن أي توافق مع إيران يجب أن يشترط حذف كل قدرة لإيران على تخصيب اليورانيوم، وضمانـًا إيرانيًّا بالتوقف عن تعاونها الصاروخي مع كوريا الشمالية. ما يعتبره المرشد الأعلى الإيراني أمرًا غير مطروح للنقاش أبدًا.

 

اشتاينيتز أعرب عن قلقه أيضًا من احتمال التوصل لما وصفه بالـ “توافق السيئ”، وهو بحسب اشتاينيتز توافق يسمح لإيران أن تمضي في اتجاه الحصول على قنبلة نووية. يقول اشتايتنز إذا تمكنت إيران من الحصول حتى على أي تخصيب لليورانيوم فإنها ستتمكن من إنتاج القنبلة النووية في خلال أشهر قليلة.

 إسرائيل وصفت تفاهم جنيف العام الماضي بالـ “خطأ الدولي التاريخي” وطالبت بتعويض هذا الخطأ في مفاوضات العام الحالي.

مارك كرك السناتور الجمهوري من ولاية إيلينوي يؤكد أن هدف إيران الوحيد هو الحصول على السلاح النووي لضرب إسرائيل، فلكونها دولة تنتج البترول بقيمة دولارين للغالون، فهي بحسب كرك لا تحتاج أي مصادر طاقة أخرى. يقول كرك إذا قررت دولة أوباما تجاوز الكونجرس والتوافق مع إيران ستفقد داعمين أساسيين لها، ولن تحظى أية سياسات أخرى لأوباما بدعم الكونجرس. كذلك أعلنت مؤخرًا الوكالة الدولية للطاقة النووية أن إيران لم تجب بعد عن سؤالين أساسيين بخصوص احتمالية استخدام طاقتها النووية في أغراض عسكرية. 

ردًا على هذه المحاولات صرح الرئيس الإيراني بأن التوافق ممكن إذا وجدت الإرادة السياسية الغربية وإذا توقفت البلاد الأخرى عن التطاولات، مضيفًا: “دولةفاز أو خسر فيها حزب ما هو أمر لا يخصنا في شيء، وعلى الدول حل مشاكلها الداخلية بنفسها.”كما أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن الدول 5+1 لم تطرح أية عروض جديدة في الجولة الحالية من المفاوضات، وأن العروض محل التفاوض كلها اقتراحات إيرانية يتم التفاوض عليها بشكل شاق ومكثف برغبة إيرانية حقيقية.

يقول محللون أن أفضل سيناريو معقول سيكون الوصول إلى تفاهم حول المواضيع الرئيسية لكن التفاصيل الفنية ستحتاج بالتأكيد وقتًا أطول، مثل الجدول الزمني لتخفيف العقوبات عن إيران، والذي مازال أمرًا أساسيًّا في المفاوضات. في هذا السياق أعلن علي شمخاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن أي توافق نووي يجب أن يعني حذف جميع العقوبات على إيران، وأن إيران لن تقبل حتى بعقوبة واحدة.فهل يمكن أن يصبح يوم الـ 24 من نوفمبر القادم عيدًا وطنيًّا للشعب الإيراني ينتهي فيه أخيرًا كابوس العقوبات الغربية على إيران؟

المصادر

تحميل المزيد