تجنب عدد من الرؤساء والمسئولين الإجابة عما إذا كانوا سيستخدمون الأسلحة النووية، فلا شك أن امتلاك الأسلحة النووية، وإن لم تستخدم، له قيمة الردع الكامنة.

فالتهديد بالرد النووي قد لا يكفي؛ إلا أن «تيريزا ماي» رئيسة وزراء بريطانيا، صرحت بأنها ستأمر، دون تردد، بشن ضربة نووية؛ لقتل مئات الآلاف من الناس؛ إذا ظنت أن ذلك ضروريًا.

جاء ذلك خلال مناقشة برلمانية حول تجديد برنامج «ترايدنت» للأسلحة النووية. موضحة ردها بأن الغرض من الردع النووي هو إيصال رسالة للعدو بأنهم على استعداد لذلك.

ديفيد كاميرون

بالإضافة لذلك كان «ديفيد كاميرون»؛ رئيس وزراء البريطاني السابق قد صرح في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أنه سيكون مستعدًا لاستخدام القنابل النووية إذا كان الهجوم «مبررًا»، واصفًا إياها بأنها «وثيقة التأمين المطلقة».

الولايات المتحدة لا تضمن عدم إلقاء قنبلة نووية على الشرق الأوسط أو أوروبا

دونالد ترامب المرشح الجمهوري لرئاسة أمريكا

هكذا يبدو المشهد في بريطانيا؛ أما على الجانب الآخر، فقد صرح «دونالد ترامب» المرشح الرئاسي في لقاء تليفزيوني بأنه لا يستبعد إسقاط قنبلة نووية على أوروبا، وأنه لا يضمن للشرق الأوسط أن الولايات المتحدة لن تستخدم الأسلحة النووية. قائلًا إنه ليس على استعداد «لاستبعاد أية بطاقات من على الطاولة«، مضيفًا إذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام أسلحتها النووية، فـ«لماذا نصنعها؟»

الردع النووي وسيلة للسلام لا الحرب

وهو ما يثير تساؤلات حول ما إن كان العالم قد أصبح أكثر خطورة؟ فوفقًا لما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز» مؤخرًا أن العالم على شفا سباق تسلح نووي جديد. وإذا كان كذلك، هل يمكن لتحديث الأسلحة النووية إبقاء أمريكا وغيرها من القوى العظمى أكثر أمنًا؟

على الجانب الآخر، جاء الغرض من السلاح النووي في الأساس لتجنب خوض الحروب كوسيلة للردع؛ في حال الدخول مع خصم ما. وتوصيل رسالة بالقدرة على إلحاق الأذى به، فيكف الخصم عن التفكير في الهجوم، وما يترتب عليه من إزهاق للأرواح وتشريد لكثيرين. فهي وسيلة لفرض السلام، لا العكس.

أمريكا تبشر بعالم خالٍ من النووي وتنفق تريليون دولار على ترسانتها

تخطط الولايات المتحدة لإنفاق تريليون دولارعلى ترسانتها النووية

ونظرًا لأن الأسلحة النووية تثير خوف الكثيرين، خاصة عند وقوعها في يد سلطات طاغية. تعالت دعوات كثير من الدول نحو «عالم خال من الأسلحة النووية» وهو ما صرح به الرئيس «أوباما» علنًا؛ مشيرًا إلى تقدم إدارته «المزعومة» خلال قمة الأمن النووي التي جمعت 50 دولة بأبريل (نيسان) الماضي في واشنطن العاصمة. إلا أن إدارته في واقع الأمر سجلت فشلًا ذريعًا في خفض الأسلحة النووية إلى حد كبير.

و تأتي هذه التصريحات متناقضة؛ فمع أن الولايات المتحدة تمتلك ترسانة نووية ضخمة، إلا أنها تخطط لإنفاق أكثر من تريليون دولار على مدى العقود القادمة؛ لمواصلة ترسيخ النظام النووي بشكل دائم.

و هو ما يحتمل أن يؤدى إلى سباق جديد للتسلح، لا يخلو من الخطورة، فقد بدأت بالفعل القوى النووية الكبرى في إعادة بناء ترساناتها ورفع مستواها، مثل روسيا وبريطانيا وغيرها.

الولايات المتحدة قتلت أكثر من مائتي ألف قتيل في اليابان على سبيل التجربة

ما نعلمه أن الولايات المتحدة أسقطت القنابل النووية على «هيروشيما وناجازاكي»؛ من أجل إنهاء الحرب العالمية الثانية، وحفظ حياة الأمريكيين واليابانيين. إلا أن معظم كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين في ذلك الوقت قالوا خلاف ذلك؛ فقد قال آيزنهاور: «أؤمن أن اليابان قد هزم بالفعل، وأن إسقاط القنبلة كان من غير الضروري تمامًا».

لم نكن بحاجة للقيام بذلك، وكنا نعرف أننا لسنا بحاجة للقيام بذلك، وكانوا يعرفون أننا نعرف أننا لسنا بحاجة للقيام بذلك، وإنما استخدمنا القنابل الذرية على سبيل التجربة *الجنرال «كارتر كلارك» – ضابط الاستخبارات العسكرية خلال عهد الرئيس ترومان.

فبناءً على المسح الاستراتيجي، واستنادًا إلى الحقائق التي تدعمها شهادة القادة اليابانيين المعنيين، كان من المؤكد أن اليابان ستستسلم حتى لو لم يجر إسقاط القنابل، أو تدخل روسيا الحرب، وحتى لو كانت اليابان تخطط لأي غزو.

ذرائع الحرب وسياسة الأمر الواقع

تاريخ حدود إسرائيل منذ 1948 وحتى الآن

عقب قرار التقسيم عام 1947 اكتفت إسرائيل بالحدود التي منحها القرار لها، لكنها عام 1967انطلقت لتهديد أمن ثلاث دول عربية. وهو ما تفسره تكهنات بأن إسرائيل كانت قد بدأت الدخول المجال النووي، بعد تأسيس دولتها ببناء مفاعل ديمونة سرًا بدعم فرنسي، وأنها تمكنت من بناء أول سلاح نووي لها في ديسمبر (كانون الأول) 1966وفقًا لما ذكره «آري شافيت» في كتابه «بلدي أرض الميعاد».

ومع أنه لم يسبق أن صرحت إسرائيل رسميًا بامتلاكها أسلحة نووية، إلا أن «د.عبد الوهاب المسيري» يذكر في «موسوعة اليهود والصهيونية» اقتراح «حاييم أرونسون» ما أسماه «الحائط النووي»: بحيث تحاط إسرائيل بحزام مسلح تحميه الأسلحة النووية. وهو ما يحدده الفكر العسكري الإسرائيلي وفقًا لـ«ذرائع الحرب»أي أنه يحمل أية دولة عربية مسؤولية أي نشاط ذي طابع فدائي ينطلق من أراضيها، ويعد ذريعة للحرب.

نوشيونال انتريست: أمريكا لا يمكن أن تغدو الشرطة النووية للعالم

تبدو سياسة الولايات المتحدة المتعلقة بالأسلحة النووية متضاربة، فمع سعيها للتبشير بمعاهدة منع الانتشار النووي الذي حدا بها إلى عرض توفير «مظلة نووية» لبعض الدول؛ إذا ما وافقت على المعاهدة، وتعهد الولايات ـ في المقابل ـ باستخدام الأسلحة النووية؛ للدفاع عنها إذا لزم الأمر.

وترى تحليلات سياسية أن هذا من شأنه منع وقوع الأسلحة في يد «الأشرار». ومحاولة توفير التوازن الجيو ـ سياسي.

توقيع معاهدة بين روسيا والولايات المتحدة بشأن الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية.

ندعم بطريقة أو بأخرى انتشار الأسلحة النووية في بلدان أخرى * «بن رودس» نائب مستشار الأمن القومي.

فيما قوبل بجدل من آخرين حول أن هذا يعني تعريض لوس أنجلوس نفسها للخطر؛ لحماية سيول وطوكيو، وربما «تايبيه وكانبيرا»، مقابل منع الانتشار النووي في شرق آسيا. أو أنه غطاء للحفاظ على مصالح أمريكا السياسية والاقتصادية ومركزها في الصدارة الأمنية، وتملية إرادتها السياسية بشكل أو بآخر.

دونالد ترامب: «أمريكا تأتي أولًا، وعلى الجميع أن يدفع»

بجانب ذلك، فقد قال «دونالد ترامب» إنه عند انتخابه قد يوقف شراء النفط من المملكة العربية السعودية وحلفاء عرب آخرين؛ إذا لم تلتزم القوات البرية في المعركة ضد الدولة الإسلامية، وإلا فعلى هذه الدول أن تقدم «تعويضًا كبيرًا» للولايات المتحدة؛ لمكافحتها الجماعة المسلحة التي تهدد استقرارها.

بيونغ يانغ: «مستعدون لاستخدام الأسلحة النووية في أي وقت».

قد تصبح الأسلحة النووية وسيلة للتهديد وفرض الهيمنة؛ فالصين تتصرف «بعدوانية» تجاه اليابان، والفلبين، وفيتنام على وجه الخصوص؛ فيما تواصل روسيا تحديها للولايات المتحدة، بينما تنفث كوريا الشمالية النار باستمرار ضد جيرانها والولايات المتحدة كذلك.

فقد صرح مدير معهد كوريا الشمالية للطاقة الذرية أن بلاده مستعدة لاستخدام الأسلحة النووية في أي وقت ضد الولايات المتحدة، وأي خصوم آخرين؛ إذا استمروا في «سياستهم العدائية الطائشة» نحو نظام «كيم جونغ أون». وهو ما ذكرته الـ«سي إن إن» في تقريرها أن «بيونغ يانغ» طالما أصدرت تصريحات مقلقة وسيئة السمعة وملفتة للانتباه مرارًا وتكرارًا، وهددت باستخدام الأسلحة النووية ضد الولايات المتحدة.

إسرائيل متهمة بمنع الشرق الأوسط من الحصول على نووي

قدم «مردخاي فعنونو»، الفني النووي الإسرائيلي السابق، تفاصيل واضحة وصور لصحيفة «صنداي تايمز» عن ترسانة إسرائيل النووية. وقد استخدمت إسرائيل وحدها أو بمساعدة الدول الأخرى، الجهود الدبلوماسية والعسكرية، وكذلك العمل السري؛ لمنع دول الشرق الأوسط الأخرى من الحصول على أسلحة نووية.

منها الاعتقاد أن إسرائيل كانت قد قدمت براءة اختراع «ليزر» كاذبة أواخر 1970؛ لتضليل الأبحاث النووية العربية. فيما تسبب عملاء من الموساد في تفجيرات أبريل (نيسان) عام 1979 في مصنع إنتاج فرنسي قرب تولوز، وإلحاق أضرار باثنين من المفاعلات المخصصة للعراق. ويشتبه تورط عملاء الموساد في اغتيال مهندس نووي مصري في باريس، فضلًا عن اثنين من المهندسين العراقيين؛ كانوا من العاملين في البرنامج النووي العراقي.

فعلى ما يبدو أن الهدف من الردع النووي تغير ليصبح وسيلة محتملة للحرب بدلًا من السلام، و وهو ما يعرض بعض الدول لخوض حرب غير متكافئة ومباغتة. وقد يعطي امتلاك دولة لقوة مثيلة قوة لاستخدام قدرتها من مجرد ردع وإيقاف العدو وحمايتها من الضربات، إلى وسيلة لفرض سيطرتها ونفوذها السياسي على غيرها؛ فيتحول من وسيلة لتعزيز الهيمنة العسكرية، إلى وسيلة لإملاء إرادتها السياسية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد