«لا معتقلين سياسيين في مصر»، ردّ الرئيس المصري على مضيفته في قناة «CBS» الأمريكية في اللقاء الذي طلب عدم إذاعته لاحقًا، وهو الرد نفسه الذي رد به على صحافي قناة «France 24» قبل عام من تلك المقابلة. يبرر الرئيس حديثه بأن هؤلاء ليسوا إلا منتمين لجماعات متطرفة، أو محتجزين لأسباب قانونية أخرى، وليست سياسية.

نظريًا كلام الرئيس المصري صحيح، لكن بالنظر إلى حالات وأعداد هؤلاء المحتجزين نجد أن أغلبهم محتجز لخرقهم قوانين فرضت في غياب مجلس النواب، أو بعد انتخاب مجلس جديد في انتخابات برلمانية شهدت انتهاكات عدة، لتفضي إلى مجلس نواب يتبع أغلبيته جهات أمنية، أو ينسق معها. كما أن غياب استقلالية القضاء المصري وخصومته المعلنة ضد جماعات المعارضة يشككان في عدالة الإجراءات في الكثير من القضايا التي تأخذ طابعًا سياسيًا.

كيف إذًا نحصي ضحايا انتهاكات حرية الرأي وممارسة السياسة في مصر؟ في هذا التقرير استعنّا ببعض المراكز البحثية المحلية، والتي تصدر إحصاءات سنوية وشهرية في ملفات عدة، تركز على حرية التعبير، والإدلاء بالآراء السياسية في مصر، وتمكننا من إحصاء حجم المعتقلين، أو بعضهم على الأقل، والوقوف على الوضع الحقيقي لحرية التعبير في مصر.

إليك الترجمة الكاملة لنص حلقة «سي بي إس» الأمريكية مع السيسي ومحمد سلطان

قانون التظاهر: أولى خطوات القمع «القانوني»

بدأت مصر منذ 2013 فرض قوانين جديدة، لم تعرض على مجلس النواب – المنحل في وقتها – واستفردت الحكومة بوضع تلك القوانين؛ لتمهد لقمع الآلاف في الأشهر التالية، ومن بين هذه القوانين قانون التظاهر.

المظاهرة هى كل تجمع ثابت لأفراد أو مسيرة لهم فى مكان أو طريق عام يزيد عددهم على 10، بقصد التعبير سلميًا عن آرائهم أو مطالبهم أو احتجاجاتهم السياسية. *المادة 4 من قانون 107 المعروف بقانون التظاهر الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013.

حوار السيسي

إنفوجراف من تقرير مركز دفتر أحوال الإحصائي عن المدانين وفقًا لقانون التظاهر خلال ثلاث سنوات (2013 – 2016).

السلطة الرابعة في السجن

لم يعرف عهد السيسي اتساع رقعة الاعتقالات السياسية فقط، فالسلطة الجديدة لم تعد تسمح لأية سلطة أخرى بمشاركتها، فكانت الصحافة ضحية أخرى، واختفى هامش الحرية المكتسب بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، سواء على أرض الواقع، أو على الإنترنت، وشاشات القنوات الفضائية. بحسب تقرير مؤسسة «حرية الفكر والتعبير»، شهدت مصر 242 انتهاكًا ضد حرية الإعلام في عام 2017.

حوار السيسي

انتهاكات حرية الإعلام في مصر في 2017، وفقًا لـتقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

بالطبع لم تكن مصر لتحظى بمرتبة جيدة في حرية الصحافة بعد هذه الانتهاكات، فحلّت – منذ 2013 – في مؤخرة ترتيب مؤشر «مراسلون بلا حدود» لحرية الصحافة، بل إن ترتيبها انخفض في آخر عامين مرتبتين؛ لتصبح الدولة 161 في حرية الصحافة، ضمن الدول ذات الوضع الأخطر للصحافيين في عام 2018.

حوار السيسي

خريطة العالم وفقًا لحرية الصحافة، بحسب المؤشر الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود».

الإنترنت الجديد

امتدت القوانين الجديدة لتطال الإنترنت أيضًا، فبعد أن حجبت السلطة مواقع إلكترونية عديدة دون سند قانوني، كتبت الحكومة قانونًا مرره البرلمان وأقره الرئيس في أغسطس (آب) 2018، يقنن عملية حجب المواقع، بل أضيفت مواد بمصطلحات واسعة النطاق تسمح باستخدامها ضد أي معارض، كما أن القانون يعتبر أي حساب شخصي على مواقع التواصل الاجتماعي، أو أية مدونة، أو أي موقع على الإنترنت، يتابعه أكثر من 5 آلاف شخص، منفذًا إعلاميًا يخضع لقانون الإعلام.

حوار السيسي

انتهاكات حرية التعبير الرقمي في 2017 وفقًا لنوع الانتهاك، من تقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير.

قبل إصدار القانون كانت السلطات تقبض بالفعل على مستخدمي إنترنت لتعبيرهم عن آرائهم أو إدارتهم صفحات لها نشاط سياسي، ولم يتوقف الأمر عند الأجهزة الأمنية، بل امتد لبعض الجهات الأخرى، مثل الجامعات وأماكن العمل.

سجن أفضل من إعدام أو إخفاء

قد يكون هذا لسان حال بعض المحتجزين في مصر؛ فقد شهدت مصر في السنوات الأخيرة عقوبتين جديدتين على النشاط السياسي: الأولى كانت أحكام الإعدام الجماعية، التي أدين فيها المئات منذ 2013، وكانت هذه الأحكام الأكبر في تاريخ القضاء المصري، ولاقت انتقادات حقوقية – دولية ومحلية – لافتقادها أسس المحاكمات العادلة، واتُّهمت الأحكام بأنها محاكمات على خلفية المتهمين السياسية، لا على القضايا المنظورة.

حوار السيسي

إحصاء بأحكام الإعدام على خلفية سياسية من 2013 حتى 2017، من موقع مركز عدالة.

أما العقوبة الثانية فهي الاختفاء القسري، وهي الظاهرة التي أدانتها الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى. طال الإخفاء القسري المعارضين، والمحامين، والناشطين الحقوقيين، وتجاوز عدد المختفين المئات كل عام، وبحسب حملة «أوقفوا الاختفاء القسري»، التابعة للمفوضية المصرية للحريات، فإن أكثر من 1500 مصري قد تعرضوا للإخفاء منذ 2013.

 

حوار السيسي

 

عدد ضحايا الاختفاء القسري من أغسطس 2016 حتى أغسطس 2017، بحسب تقرير المفوضية المصرية لحقوق الإنسان.

حوار السيسي

عدد ضحايا الاختفاء القسري من أغسطس  2017 حتى أغسطس 2018، بحسب تقرير المفوضية المصرية لحقوق الإنسان.

المصادر

تحميل المزيد