اتخذ الرئيس الأمريكي باراك أوباما قرارًا “إستراتيجيًّا” في 2011 بإعادة توجيه السياسة الخارجية الأمريكية صوب آسيا، لكن هذا “المحور” لم يُكمِل دورته أبدًا – بحسب “ديفين دواير” لاحق الذكر- لأن الأنظار صُرِفَت عنه مرارًا وتكرارًا؛ صوب أزمة أوكرانيا وحرب سوريا ومحادثات السلام الإسرائيلية – الفلسطينية وغيرها من القضايا التي سيطرت على الأجندة الدبلوماسية الأمريكية خلال الفترة الماضية.

وفي بداية عام 2012 أعلن أوباما عن تعديل في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية، يقضي بتخفيف الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وأماكن أخرى من العالم، في مقابل تعزيز الوجود العسكري في منطقة آسيا المحيط الهادي؛ حيث تعتزم أمريكا نشر 60% من سفنها الحربية و60% من سلاحها الجوي خارج التراب الأمريكي في منطقة آسيا المحيط الهادي بحلول عام 2020، وهو التعديل الذي ذكرته صحيفة الشعب اليومية أونلاين في صدر تقريرٍ بعنوان الماضي الذي يطارد المستقبل الأمريكي في آسيا المحيط الهادي.

واستكمالًا لهذا التوجه استهلَّ أوباما أول أمس الأربعاء جولته الآسيوية الخامسة، التي تستغرق 7 أيام، سيزور خلالها 4 دول، هي: اليابان (باكورة المحطات) ثم كوريا الجنوبية وماليزيا والفلبين، دون الصين التي ستبقى برغم ذلك حاضرة الذكر كما كوريا الشمالية.

وهكذا يتضح أن الدلالة الأهم لهذه الزيارة تكمن في توصيل رسالة بسيطة، مفادها أن “محور آسيا حقيقيّ” حسبما ذكر فيليب يوينج في بوليتيكو تحت عنوانمحور أوباما الآسيوي.. العمل مستمر، تماشيًا مع استراتيجية أوباما لإعادة توازن المصالح الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية مع منطقة آسيا – المحيط الهادي (الباسفيك)، في ضوء مكانتها كأكبر منطقة ناشئة في العالم حسبما نقله ميرل ديفيد كيليرهالس، المحرر في موقع آي آي بي ديجيتال، عن مستشارة الأمن القومي، سوزان رايس، وما ذلك إلا تصويبٌ لـ سياسة أوباما الآسيوية المشتتة والغامضة على حد وصف جدعون راتشمان، في فاينانشيال تايمز، وطمأنة لحلفاء أمريكا في آسيا حسبما أشارت “يو إس إيه توداي”.

أما المفارقة الأهم فتكمن في أن البلد الذي سيحظى بالاهتمام الأكبر (الصين) لن يكون إحدى محطات الزيارة، بل ستمثل جولة أوباما الآسيوية أنباء سيئة لبكين، كما قال شانون تييزي في ذا دبلومات؛ لأنها تغذي مخاوفها حيال سعي الإدارة الأمريكية لاحتواء صعود الصين، التي “وإن لم تكن على خط السير، فإنها على جدول الأعمال”، وهو ما يفسر التحدي الصيني لمحور أوباما الآسيوي بحشد عسكري سريع الذي رصده ديفيد لينش عبر واشنطن بوست، رغم تأكيد جولييت إليبرين في الصحيفة ذاتها أن أوباما سوف يجدد الجهود الرامية لـ”إعادة توازن” علاقة الولايات المتحدة مع المنطقة خلال رحلة آسيا، وتأكيد أوباما شخصيًا على أن “موقفنا واحد في الدعوة إلى تسوية سلمية للنزاعات في المنطقة بما فيها النزاعات البحرية من خلال الحوار”، استدراكًا لتصريحاته بشأن جزر “سنكاكو” المتنازع عليها بين الصين واليابان، وأنها مشمولة بالمعاهدة الدفاعية الأمريكية اليابانية.

ولذلك تجد هاتين النقطتين هما الأكثر بروزًا في التغطية الصحفية الأمريكية للزيارة، حيث تقرأ مثلا في “إيه بي سي نيوز” الإخبارية تقريرًا لـ”ديفين دواير” تحت عنوان7 أيام و4 دول.. 5 أشياء جديرة بالمتابعة مع رجوع أوباما من آسيا، سلَّط فيه الضوء على:

(1) ارتفاع قوة الصين اقتصاديًّا وعسكريًّا، واحتلال هذا الملف مكانة هامة خلال الزيارة رغم أن الصين ذاتها لن تكون إحدى محطاتها

(2) السيارات الأمريكية والأسواق الآسيوية والاتفاق التجاري الذي يعارضه كثير من الديمقراطيين

(3) توجيه التحية لقوات الولايات المتحدة في آسيا، في الماضي والحاضر، ويبلغ عددهم حاليًا 80 ألف جندي أمريكي منتشرين في أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، بما في ذلك 28.500 في كوريا الجنوبية و38.000 في اليابان

(4) الزيارة التاريخية لماليزيا، في أول زيارة لرئيس أمريكي منذ ليندون جونسون عام 1966

(5) درب المآسي الذي سلكته الفلبين والمساعدات الإنسانية الأمريكية.

وفي استعراض واشنطن بوست لـأربعة عوامل تشكل زيارة الرئيس أوباما إلى آسيا، تقرأ عن:

(1) تمحور أولوية إدارة أوباما حول آسيا

(2) المخاوف بشأن الصين

(3) التجربة النووية الرابعة لكوريا الشمالية

(4) القلق بشأن القوة العسكرية الروسية وعلاقات موسكو بالصين الصاعدة اقتصاديًّا.

وبرغم كل شيء، تبقى السياسة الخارجية الأمريكية في عهد أوباما تتميز بقليلٍ من الحزم، وكثيرٍ من التواضع.

المصادر

تحميل المزيد