هل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي هو حليف بحق للولايات المتحدة في نضالها ضد الجهاد الإسلامي والإرهاب في الشرق الأوسط؟

هكذا تساءل روبرت كاجان، زميل في معهد «بروكنجز»، في تقرير له عن الشأن المصري نشرته صحيفة واشنطن بوست مؤخرًا، مشيرًا إلى أن هذه تبدو وجهة النظر السائدة في الوقت الحالي. لم لا وقد دعت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية السيسي بأنه «هبة جيوسياسية من السماء»، بينما طالب جورج ويل في قناة «فوكس نيوز» أن يتم منح الرئيس المصري جائزة نوبل «للقتل الجماعي والتعذيب».

وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد منح السيسي قبلة الحياة الأسبوع الماضي حيث أعلن استئناف الولايات المتحدة لمساعداتها العسكرية لمصر، والتي كان قد تم تعليقها في أعقاب الإطاحة العسكرية في 2013 بأول رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر، وذلك على الرغم من انتهاكات الحكومة المصرية بحق حقوق الإنسان.

جاء قرار الرئيس الأمريكي بعد أيام فقط من إعلان مصر أنها سترسل أربع سفن حربية لمساعدة المملكة العربية السعودية في الحرب ضد المتمردين المدعومين من إيران في اليمن. يشي ذلك بأن خطوة أوباما كانت مكافأة لمصر على مشاركتها في تلك الحرب.

 للأسف، تبدو فكرة كون السيسي حليفًا فعالًا ضد الإرهابيين أمرًا مضللًا. في الواقع، بات الرجل أحد الأدوات الأكثر فاعلية في تجنيد الجهاديين. فمنذ قدوم السيسي إلى السلطة، تصاعدت وتيرة الهجمات الإرهابية في مصر. ففي الوقت الذي تجاوزت فيه أعداد الهجمات الإرهابية أكثر من 700 في العامين الماضيين، لم تتخطَ أعداد الهجمات الرقم 90 ما بين عامي 2011 و2012.

وإذا كان من الصعب أن نقوم بإحصاء أعداد الشباب الذين قادهم قمع السيسي إلى التطرف، إلا أننا يمكننا القول بأن هذه الأعداد تشهد تزايدًا مضطردًا. قدرتْ المنظمات الحقوقية في مصر أعدادَ المعتقلين السياسيين بما يوازي 42 ألف معتقل يعانون من وطأة التعذيب والاعتداء الجنسي وظروف الاعتقال الوحشية.

حتى أن أعمال القتل الجماعي التي طالت الكثيرين في عام 2013 لم تتعرض لأيَّة مساءلة. بل إن منظمة العفو الدولية قامت بإدراج مصر كواحدة من أكثر الدول التي أصدرت أحكامًا بالإعدام، وليست أحكام الإعدام التي صدرت في عام 2014 بحق 509 شخص منا ببعيد.

المعارضة السياسية هي الأخرى كان لها نصيب من ذلك القمع والاعتقال، بما في ذلك النشطاء الشباب العلمانيون وكذا جماعة الإخوان المسلمين التي حازت على النصيب الأكبر من الأصوات في انتخابات 2012. عاث جهاز الأمن الداخلي في الأرض فسادًا بعد انقلاب الثالث من يوليو. فرغم مقتل الناشطة شيماء الصباغ على يد أحد ضباط الشرطة الملثمين خلال مشاركتها في مسيرة سلمية بالقاهرة في يناير الماضي، إلا أن قوات الشرطة، وبدلًا من التحقيق مع الجاني، ألقت القبض على أحد الشهود الذين تقدموا للإدلاء بشهادتهم.

في بيئة كهذه، لم تعد التقارير التي تتحدث عن اتجاه الشباب المصري، بما في ذلك الإسلاميون السلميون، نحو التطرف أمرًا مستهجنًا. إن الإجراءات الوحشية للسيسي بات صوتها مسموعًا في الآفاق لدى هؤلاء الشباب بدرجة أكبر من بضع كلمات قالها الرجل عن الثورة الدينية. يبدو الأمر ضربًا من الخيال حتى نعتقد بأن كلمات السيسي أو المؤسسات الدينية في حكومته يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي على الشباب الذي بات عرضة للتطرف.

لم تتعلم الولايات المتحدة من التجربة بعد. ففكرة دعم الحكام المستبدين كوكلاء لأمريكا في معركتها ضد التطرف في الشرق الأوسط ليست جديدة. ولم يعد فشل هذه الإستراتيجية سرًا يُخشى من إذاعته.

دعمت الولايات المتحدة شاه إيران الذي قمع المعارضة المعتدلة والأصولية لينتهي به الحال مع ثورة إسلامية أطاحت به في أهم أحداث القرن الماضي. وبينما حاز الديكتاتور العسكري الباكستاني محمد ضياء الحق على ذات الدعم رغم أن فترات حكمه شهدت أقسى أنواع التطرف الإسلامي، فقد حظيت الديكتاتورية السعودية والمصرية في عهد مبارك بدعم أمريكي لم يسمن ولم يغنِ من جوع، خاصة وأن قمع هذه الديكتاتوريات أفضى إلى صعود تنظيمات جهادية كالقاعدة وما يرتبط بها من هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

الشيء المضحك هو أن السيسي لم يكن بحاجة إلى الأسلحة التي تمتلك مصر مخزونًا كبيرًا منها. ما أراده السيسي هو إشارة لتأييد الولايات المتحدة الكامل لتعزيز شرعيته. أما وقد منحته الولايات المتحدة ذلك التأييد، فما هو المقابل إذن؟

هل الولايات المتحدة بحاجة للسيسي في حربها ضد التطرف؟

إذا كان الأمر كذلك فتلك حماقة أخرى كبيرة للسياسة الخارجية الأمريكية. فالسيسي سوف يذهب إلى محاربة الإرهاب على طريقته الخاصة سواء قامت الولايات المتحدة بالدفع مقابل ذلك أو لم تدفع. الفارق الوحيد هنا هو تواطؤ الولايات المتحدة. الآن، ومع قيام «الحليف» بتعذيب الشباب المصري الذي قد يتحول إلى إرهابيين، فإن سهام هؤلاء الإرهابيين ستوجه إلى هدف آخر أكبر.

من جديد تعود الولايات المتحدة إلى عهدها السابق في مصر. إنها عقيدة نيكسون تبعث من جديد. لا تزال الإدارة الأمريكية فريسة لذات الأوهام التي تقول بأن الديكتاتورية تساوي الاستقرار وبأن القمع الوحشي هو رد الفعل في مقابل التطرف. تحتفي الولايات المتحدة بالسيسي كما احتفت بأسلافه الشاه ومبارك وغيرهم من الحكام المستبدين في الشرق الأوسط. إنه رجلنا حتى يأتي اليوم الذي سنشهد فيه انهيار نظامه.

«هبة جيوسياسية من السماء» دعونا نجرب «قنبلة جيوسياسية موقوتة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد