حسنًا، يمتلك القابع في المكتب البيضاوي – أيًّا كان اسمه- رقمًا قياسيًّا لعدد كارهيه في العالم ربما يتفوق على كارهي رئيس وزراء الكيان الصهيوني، هو ممثل محور الشر والقوة العظمى التي تعيث في الأرض فسادًا، ويراه ما يزيد على نصف مليار إنسان الشيطان الأكبر ومنسق المؤامرات الماسونية وسفاحٌ متسلح بالبنتاجون وصديق الصهاينة وربيب الشواذ وقلب أسلحة العالم ومصدر كل الآثام، صورة نمطية شديدة الانتشار لسنا في معرض تفصيلها أو التطرق لها من قريب أو بعيد، في النهاية الحقيقة أن (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يبقي أولًا رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية ومواطنيها)!

في عام 2008 هزم السيناتور الأمريكي ومرشح الحزب الديموقراطي (باراك أوباما) السيناتور (جون ماكين) مرشح الحزب الجمهوري ليصبح الأول الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة والشخص الأول على الإطلاق في تقلده للمنصب من أصل أفريقي، أتى أوباما في ظل تركيبة من الأحداث والظروف جعلت الانتخابات الأمريكية حينها حالة خاصة جدًّا وغير شبيهة بأي دورة أخرى، أحداث ما بين الأزمة الاقتصادية العالمية، ارتفاع معدلات البطالة، نظام تأمين صحي أمريكي في منتهى السوء، وصورة أمريكية بالغة الرداءة يراها العالم بعدما ورطت إدارة جورج بوش الرئيس الأسبق الولايات المتحدة في غزو أفغانستان ثم العراق مرتكبةً سلسلة من الأخطاء جعلتها في نهاية مدتها والحزب الجمهوري من ورائها في أدنى مستويات الشعبية، فضلًا عن كاريزما أوباما نفسه وتفرده مما دعا عددًا لا بأس به من الأمريكيين لتشبيهه بلينكولن.

للأمريكيين مصطلح أصيل هو (President Legacy) أو (ميراث الرئيس) يعبر عما يتركه أي رئيس أمريكي وراءه من مشاريع وإنجازات وقوانين أو تعديلات تشريعية تسهم في تحسين حياتهم، منذ أقل من شهر ذهب باراك أوباما إلى سجن فيدرالي في ولاية أوكلاهوما شمال تكساس ليصبح الرئيس الأول في تاريخ الولايات المتحدة الذي يزور سجنًا فيدراليًّا أثناء فترته الرئاسية، كنت أتابع أخبار الزيارة وما وراءها من أسباب على بعض المواقع، حتى أشد أعداء أوباما من الجمهوريين ووسائل الإعلام المحافظة أثنوا على الخطوة ووصفوها على أقل تقدير بالذكية، على إحدى المقالات وجدت تعليقًا لأمريكي يقول بوضوح شديد (أنا سعيد جدًّا أن رئاسته ستنتهي قريبًا، سيرحل أخيرًا، أكرهه، أكرهه بشدة مهما فعل من إنجازات)، هذا بالتحديد هو نوع الآراء الذي سيتجنبه هذا التقرير محاولًا إجابة سؤالين هما: (لماذا سيرحل أوباما في العام القادم وهو ضمن قائمة قصيرة افتراضية يتفق عليها الكثير تضم أنجح عشرة رؤساء حكموا الولايات المتحدة الأمريكية؟)، و (ما هو ميراث أوباما؟).

(1) كيف تخرج من أزمة اقتصادية عاصفة؟

سياسات باراك أوباما الاقتصادية أعطتنا اقتصادًا شبيهًا بالزومبي!

بهذه العبارة واصل جيب بوش هجومه المستمر على سياسات إدارة باراك أوباما الاقتصادية واصفًا ما يفعله القاطنون في البيت الأبيض بإهداء أمريكا اقتصاد شبيه بالموتى الأحياء وأكمل حرفيًّا (هو اقتصاد زومبي، ولا يهم أي شيء آخر سيحدث) في عبارة شديدة الغرابة والتناقض، جيب بوش حاكم ولاية فلوريدا السابق وأحد مرشحي الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية القادمة، والشقيق الأصغر لجورج دبليو بوش الرئيس الأمريكي السابق، هذا التعبير سمعه جيسون فورمان – أحد مهندسي الخروج من الأزمة الاقتصادية العالمية ورئيس مستشاري الرئيس الأمريكي الاقتصاديين- فقال بوضوح: (هذا جنون محض، الأرقام لا تقول ذلك)!

في مقابلة محرر مؤسسة بوليتيكو الصحفية (مايكل جرنوالد) مع فورمان العام الماضي قال له الاقتصادي الخبير إنه بأي منطق في العالم فقد نجحت الإدارة الأمريكية في الخروج من أزمة عالمية نحن قلبها بأقل الأضرار، بعد ست سنوات من أزمة عام 2008 عاد معدل البطالة إلى تقريبًا ما كان عليه قبلها وانخفض بأعلى معدل منذ عام 1980 وشاهدت أمريكا أسرع وتيرة نمو وظائف منذ عام 1990، في يناير 2009، استلمت إدارة أوباما البيت الأبيض مسئولًا عن دولة مثقلة بتريليونات الدولارات كدين داخلي وعجز في الموازنة الفيدرالية، في أكتوبر من نفس العام بلغ معدل البطالة نسبة قياسية هي 10% مع استمرار الارتفاع، كان الاقتصاد ينزف ويخسر 800 ألف وظيفة شهريًّا، وضع كارثي أليس كذلك؟!

الآن يمكنك أن ترى معي الأرقام التي يوضحها تقرير الوظائف الدوري، انخفض معدل البطالة من نسبته القياسية إلى 5.5% وهو رقم يقارب ما قبل الأزمة وحالة البلاد المهترئة فيها، تمت إضافة 280 ألف وظيفة في مايو الفائت فقط، معدل شهري قياسي مستمر منذ 63 شهرًا على التوالي، ونجح القطاع الخاص في توفير 12.6 مليون وظيفة وتراجعت أسعار أحد أكثر قطاعات الأعمال توحشًا (العقارات)، وظل التضخم منخفضًا مع انخفاض ملحوظ في عجز الميزانية الفيدرالية للولايات المتحدة.

يكمل فورمان بإجابات أخرى شبه دقيقة ردًّا على سؤال مايكل حول التحسينات الاقتصادية التي أنتجتها الإدارة الأمريكية بتوصيات فريقه، تم تقليص الضرائب المفروضة على الجامعات والمؤسسات التعليمية والطلبة أنفسهم مع تسهيل القروض بما يتناسب مع دخولهم الشهرية أو دخول أسرهم، ونالت الأسر الأمريكية الفقيرة والمتوسطة ذوي الأطفال نصيبها أيضًا من التخفيض الضريبي مما خلق فجوة ضريبية ينبغي سدها لكي لا تسبب عجزًا في مورد مهم للخزانة الأمريكية كالضرائب، عالجت إدارة أوباما ذلك وحصَّلت نفس نسبة الخفض بفرضها على الأسر الغنية وذات الدخول المرتفعة وهو ما أثار حفيظة الجمهوريين الذين يسعون بالأساس لإلغاء جميع الضرائب العقارية!

ربما بدت هذه الأرقام غريبة مع استطلاعات الرأي الإعلامية الاقتصادية المتوالية التي بينت أن الشعب في غالبه يظن أن عجز الموازنة في ازدياد مستمر وهو ما نفاه فورمان الذي طالب أي شخص بالاطلاع على تقديرات الكونجرس لعجز الموازنة والتي يجريها دوريًّا قياسًا على السنوات القادمة وحتى 75 عامًا للأمام ويقارنها بنفس الأرقام منذ خمس سنوات، ويلاحظ الانخفاض الكبير، وقال إن الإعلام (الجانب الجمهوري منه بالذات) يركز على رأي الناس متجاهلًا الأرقام الحقيقية، ثم تهرب من إجابة سؤال محرر بوليتيكو عن فشل التواصل بين إدارة أوباما والشعب الأمريكي بمختلف أطيافه لتوضيح الصورة أكثر.

(2) برنامج الرعاية الصحية «ObamaCare»

للولايات المتحدة تاريخًا بالغ السوء في الرعاية الصحية أو ما نطلق عليه نحن (التأمين الصحي) وهو ببساطة أن تتكفل الدولة – أي دولة- بنسبة تتجاوز الـ50% من تكاليف علاج أي مواطن وترتفع النسبة وتتحدد معطيات تختلف من دولة لأخرى منها (الدخل الشهري/ العمر/ الحالة/ مكان العلاج)، هذا النظام الذي تمتلكه أمريكا يعتبر هو الأسوأ على الإطلاق بين الدول الصناعية المتقدمة كلها، حسب بعض التقديرات فإن التأمين الصحي الأمريكي برداءته يترك وراءه حوالي 48 مليون أمريكي بدون رعاية صحية (15.4% من سكان الولايات المتحدة).

تستعمل ورقة (تعديل نظام التأمين الصحي) كورقة انتخابية بالغة القوة تأتي بالأصوات في جميع الانتخابات (الولايات وصولًا إلى الرئاسية) وأيضًا لاكتساب أصوات أعضاء الكونجرس، في الأربعين عامًا الأخيرة كان تعديل نظام الرعاية الصحية محور حرب مستمرة بين الحزب الجمهوري والحزب الديموقراطي مع محاولة كل منهما أن يضع بصمته على نقطة شديدة الحساسية في النظام الأمريكي، في عام 1993، حاول الرئيس الأمريكي آنذاك (بيل كلينتون) أن يمرر تشريعًا عبر الكونجرس يغير نظام التأمين الصحي بحيث تتشارك فيه الدولة الفيدرالية مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخاصة والشركات لتحمل تكاليف الرعاية الصحية لكل موظف، على الفور قام أعضاء الكونجرس الجمهوريون بقصف دعائي شديد الكثافة ضد التشريع مع تقديمهم لبديل يضع الرعاية الصحية على الأفراد ليبتاعوها حسب الدخول الشهرية حماية لاقتصاديات السوق الحر، وبالفعل نجحوا في إفشال التشريع؛ مما أدى بكلينتون إلى أن يتفق معهم على تعديل قانون الرعاية الصحية للأطفال فقط كحل وسط!

في 2006، كان الاصطدام الجمهوري الديموقراطي الثاني عندما قام الحزب الديموقراطي بتغيير نظام الرعاية الصحية في ماساتشوستس ليرفعوا نسبة الأمريكيين تحت مظلة التأمين الصحي من 90% إلى 98% وهي النسبة الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة، في البداية عارض ميت رومني (حاكم الولاية حينها الجمهوري) التغيير ووصل إلى أنه استخدم الفيتو الخاص به لعرقلة مشروع القانون، لكن الديموقراطيين نجحوا في نقض الفيتو الخاص به وحشدوا لتمرير التعديل واضطر الحاكم للتوقيع على المسودة وبالتالي تحقيق هذه النسبة وهو ما استخدمه فيما بعد ميت رومني نفسه لتسويقه في انتخابات 2008 الرئاسية الجمهورية على أنه إنجازه الشخصي، من هنا سينطلق الديموقراطيون فيما بعد عن طريق إدارة أوباما لتطبيق نموذج ماساتشوستس على جميع ولايات أمريكا.

عندما تولى باراك أوباما رئاسة الولايات المتحدة كان قانون الرعاية الصحية الجديد – المعروف اختصارًا ب ACA – على رأس أولوياته وهو ما أدخله في حرب مستعرة منذ البداية مع الجمهوريين، ومستلهمًا تجربة ولاية ماساتشوستس في تعديل قوانين الرعاية الصحية ألقى خطابه في 9 سبتمبر لعام 2009 مؤيدًا ما يحدث من مناقشات حول تعديل القانون، وكانت اللجنة المشكلة من ستة أعضاء جمهوريين وديموقراطيين بالتساوي اجتمعت 31 اجتماعًا بمجموع أكثر من ستين ساعة ليخرجوا في النهاية بمسودة القانون، يتبقى بعد ذلك أن تمر المسودة من الكونجرس موافقًا عليها بأغلبية، ثم من مجلس الشيوخ، وأن يوقع الرئيس الأمريكي عليها، والثالثة كانت مضمونة ولذلك كانت المعارك كلها في الأولى والثانية، والمثير للاهتمام أن عددًا كبيرًا من الأعضاء المؤيدين لتشريعات سابقة محدودة مثل هذا التشريع من الجمهوريين انبروا بعدها في صوت واحد ليقولوا إن مشروع القانون (غير دستوري)!

في السابع من نوفمبر من نفس العام وفي تصويت تاريخي نجح الديموقراطيون في الخطوة الأهم ومرروا مشروع القانون إلى مجلس الشيوخ بالرغم من الجهود الضخمة التي بذلها الجمهوريون لعرقلة المشروع، وحصل المشروع على موافقة 220 صوتًا مقابل 215 صوتوا بـ (لا) (نسبة تمرير أي قانون أغلبية 218 صوتًا)، من بين الموافقين والذي ساهم في ترجيح كفة مشروع إدارة أوباما هو جوزيف كاو العضو الجمهوري الوحيد الذي نجح البيت الأبيض في استقطابه لصفه بينما صوت الـ 178 جمهوريًّا في مجلس النواب بالرفض، ثم في 23 مارس من عام 2010 وبعد أن عبر القانون من مجلس الشيوخ وقعه باراك أوباما ليصبح نافذًا كقانون وتبدأ رحلة الطعون عليه في المحكمة الدستورية العليا، والتي لم تنته إلى هذه اللحظة.

ما سيقوم به القانون ببساطة هو تغطية جميع سكان الولايات المتحدة الأمريكية (مواطنين / مهاجرين شرعيين) برعاية صحية مرتفعة المستوى مناسبة الثمن بالنسبة لشرائح الدخول الشهرية، سيتم صرف 2 تريليون دولار تقريبًا على مدار العشر سنوات القادمات لتغطية نسبة 138% من المواطنين على وتحت خط الفقر الاتحادي في الولايات المتحدة، سيقلل التشريع مباشرة – حسب توقعات الكونجرس- عدد غير المؤمن عليهم من 48 إلى 32 مليون أمريكي ثم يصل العدد في 2019 إلى 23 مليون أمريكي لا تشملهم مظلة التأمين الصحي، من بين هؤلاء سيكون هناك ثمانية ملايين محرومين من التأمين الصحي وهم العدد التقديري للمهاجرين غير الشرعيين بعد أربعة أعوام أخرى، ومع ذلك سيكون لهم الحق – بحكم قانون العمل وأحكام حالات الطوارئ- في الحصول على علاج طبي في الحالات الطارئة.

حتى الآن تستمر الطعون على قانون الرعاية الصحية والحملات الشرسة بعدم دستوريته، أوباما وتحالفه في الكونجرس حتى الآن يربحون بشكل متوالٍ وآخرها منذ أيام عندما رفضت المحكمة الدستورية العليا طعنًا بعدم دستورية القانون وإبطاله، قانون الرعاية الصحية – حتى الآن ومع الاتفاق النووي الإيراني- هما ميراث أوباما الأهم.

(3) تفريغ الأعداء!

يجلس جون ستيوارت – صاحب البرنامج السياسي الكوميدي الأشهر عالميًّا – في أواخر يوليو الفائت وأمامه باراك أوباما في حلقة فريدة من نوعها بعد أعوام من انتقاد جون للرئيس الأمريكي وإدارته، في الدقيقة الثالثة يقول أوباما إن وظيفة الرئيس كأي وظيفة في العالم يتحسن فيها المرء بمرور الوقت وتزداد خبرته، ثم ضرب مثالًا بإيران وقال إن الاتفاق الذي أنجز الأيام الماضية هو نتاج عمل كبير من فريقه وعلى رأسهم جون كيري وزير الخارجية وإرنست مونيز وزير الطاقة والفيزيائي النووي الشهير على مدار سنوات ليحولوا المفاوضات في النهاية لاتفاق راسخ.

في الثلاثاء الموافق الرابع عشر من يوليو الماضي توصلت دول المجموعة (1+5) المسئولة عن الملف الإيراني منذ أكثر من عامين إلى اتفاق تاريخي في العاصمة النمساوية فيينا شكل صدمة للعالم، الصدمة – التي اختلفت ردود الأفعال عليها- جاءت بعد ماراثون طويل من محاولات مستمرة لتركيع طهران وجعلها تقبل بالحد الأقصى من الشروط وسط إمساكها بأربعة أوراق لعبة شديدة الأهمية والخطورة في أربع دول محورية في المنطقة، ما يهمنا هنا هو التخطيط الأمريكي للسياسة الخارجية، أما اتفاق إيران فيمكن القراءة عنه تفصيليًّا بمصادر متنوعة في تقرير (كيف يبدو الشرق الأوسط الجديد بعد اتفاق إيران النووي؟).

منذ بداية رحلته الرئاسية كان أوباما واضحًا فيما يتعلق بتجنب طريق سلفه (جورج بوش) المحدد، بوش كان واضحًا فيما يفعل ويلوح ويستخدم البنتاجون كأغلى وأقوى عصا سحرية يستعملها لتمرير أي اتفاق، بينما نهج أوباما هو استعمال الحوار أو كما قالت الـ CNN (يؤمن أوباما أن التحدث لخصوم وأعداء الولايات المتحدة ليس ضعفًا وإنما هو أكبر استعراض وإثبات للقوة الأمريكية)، لذلك لم يكن اتفاق إيران النووي هو الوحيد في قائمة ما أنجزته الإدارة الأمريكية بالنسبة للشعب الأمريكي، وإنما أيضًا في أواخر العام الماضي قام أوباما باتخاذ خطوة تاريخية لتطبيع العلاقات مع كوبا وبدء رفع تدريجي للحظر المفروض عليها منذ عام 1961، بعد ذلك وفي أبريل الماضي قام أوباما بلقاء راؤول كاسترو الرئيس الكوبي والشقيق الأصغر لـ (فيدل كاسترو) ومصافحته في مشهد تاريخي على هامش قمة الأمريكتين التي أقيمت في بنما.

توجهات أوباما ناحية إيران، كوبا، تهدئة الأوضاع ومحاولة احتواء الأعداء التاريخيين، ومحاولة الانسحاب من الشرق الأوسط وإيقاف نزيف المصالح الأمريكية هناك والاعتماد على حلفاء جدد، كل ذلك يتبع سياسة أوباما التي انتهجها وإن كان هو نفسه يعترف بمخاطرها عندما قال إنه بعد عشرين عامًا لو امتلكت إيران سلاحًا نوويًّا فسوف يكون اسمي على هذا السلاح بكل تأكيد، لكن جزءًا لا يستهان به من تغيير سياسات الولايات المتحدة ينبع من توغل الصين على المستوى العالمي ووصولها لحدائق الولايات المتحدة الخلفية لذلك كان أوباما يريد أثناء ولايته الأساسية تفريغ الساحة والالتفات للصين بشكل كامل وقطع توغلها الذي تفرضه، وهو ما تحقق متأخرًا بطبيعة الحال وبشكل غير كامل فالسياسة لا انتصارات مدوية فيها الآن تبعًا لتعقيد العالم الحالي وتوازناته.

لقراءة أكثر عن الحرب الباردة الأمريكية الصينية غير الرسمية: (لماذا على قاطني جادة بنسلفانيا الشعور بالقلق؟!) و(كيف تغير الصين النظام العالمي؟!).

(4) وزيارة السجن التاريخية!

{مرحبًا بالجميع، أوجه التحية بداية لكل الأصدقاء الذين يعملون هنا في مؤسسة الرينو الإصلاحية والذين ساعدوا لترتيب هذه الزيارة، ربما سمعتموني وأنا أتكلم في فيلاديلفيا الخميس الماضي عن أننا كولايات متحدة نمثل 5% من سكان العالم لكننا لدينا 25% من مساجين العالم، هذا يكلف خزانتنا 80 مليار دولار كل عام، وأؤكد على أنني لا أمتلك أي تسامح تجاه مرتكبي الجرائم العنيفة فهناك أناس ينبغي أن يعاقبوا ومهمتنا أن نبقي المجتمع آمنًا}. (باراك أوباما / من أمام زنازين سجن الرينو الفيدرالي)


في الخميس – السادس عشر من يوليو الماضي- قام أوباما بزيارة لسجن الرينو (EL RENO) وهو سجن فيدرالي متوسط الحراسة في شمال أوكلاهوما يضم 1301 سجينًا ليصبح الرئيس الأمريكي الأول الذي يزور سجنًا فيدراليًّا أثناء الرئاسة، أتت الزيارة في إطار مشروع إدارة أوباما الطموح لتعديل نظام العدالة الجنائية، أثناء وجوده هناك قابل مسئولي السجن وجلس مع بعض السجناء في ساحة الفحص متكلمًا معهم حول ما يجب أن يحدث لإصلاح أنظمة السجون، وهو ما أكد عليه جوش إرنست سكرتير البيت الأبيض الصحفي عندما قال إن كل ذلك جزء من حملة الإدارة لإصلاح نظام العدالة الجنائية في أمريكا.

ما يفكر فيه أوباما وإدارته وقطاع كبير من المتضررين من نظام العدالة الجنائية هو ما قاله باراك بنفسه أمام زنازين الرينو عندما أخبر الصحفيين أن أغلب المتورطين في جرائم مخدرات غير عنيفة نشأوا في بيئات حيث تشكل تجارة المخدرات فيها عاملًا أساسيًّا ومشتركًا، وبيئات حيث أغلب أفراد العائلة يعملون في التجارة، عندما يكبر طفل أو مراهق في هذه الأجواء بالتأكيد لن يصبح رائد فضاء، لذلك يرى أوباما أنه يجب إعادة النظر في عقوبات الـ 20 والـ 30 عامًا لمرتبكي الجرائم غير العنيفة لأن السجن طويل المدى ليس الحل الأمثل لهذه الظاهرة.

يكمل أوباما أن ما يتم هنا في مؤسسة الرينو هو عمل جيد فعلًا حيث ينال المساجين تدريبات احترافية على وظائف وأعمال معينة ويمكن لأي منهم أن يدرس في جامعة بمنح مع تقديم جلسات علاج نفسي واستشارات لهم، لكن ما أفكر فيه ونريده هو كيفية وضع هذه البرامج وطرق الحماية في الخارج وجعل هؤلاء أعضاء فاعلين في المجتمع قبل أن يصبحوا مجرمين بالأساس وبالتالي لا نراهم في السجون، وأنه عندما جلس مع ستة منهم كان العامل المشترك بينهم إرادتهم في أن يصل إليهم المجتمع وأمثالهم قبل أن يرتكبوا هذه الجرائم أو يدخلوا إلى عالم المخدرات.

ما يفعله أوباما وإدارته في الرعاية الصحية، التغيير المناخي، العدالة الجنائية، وإصلاحات الاقتصاد واسعة النطاق ربما لا يبدو الآن واضحًا للنظر، ربما فيما بعد يأتي رئيس يهدم هذا كله، وكما يحذر المؤرخ الشهير أرنولد توينبي المؤرخين من أن يفهموا حاضرهم الآن لأننا نفتقر جميعًا للمعطيات المستقبلية للحكم، وعلى الرغم من ذلك فإن ما يفعله أوباما بالنسبة للولايات المتحدة سيظل باسمه فريدًا من نوعه كعمل صلب ومجتهد لرئيس يريد فعلًا أن يترك ميراثًا يتذكره الناس به.

عرض التعليقات
تحميل المزيد