لا يزال الرئيس الأمريكي باراك أوباما يطارد قوس قزح في مفاوضاته مع إيران؛ فالرئيس الأمريكي لم يكتفِ بالتخلي عن عقود من التعهدات للعالم المتحضر كان قد تعهد بها رؤساء أمريكيون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل إنه ضلل الشعب الأمريكي بقوله مرارًا وتكرارًا بأن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك أسلحة نووية، والتي من شأنها أن تضمن سباق تسلح جديد.

في الواقع، نحن على أعتاب سباق جديد بدأ بالفعل. تشير تقارير موثوقة إلى أن باكستان مستعدة لشحن حزمة نووية إلى المملكة العربية السعودية، الأمة السنية التي تعارض العبث الإيراني بالمنطقة.

بيد أن طهران تعمل عبر خطوط دينية أيضًا. فرغم أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حركة سنية، إلا أن إيران أرسلت ملايين الدولارات إلى تلك الحركة التي تسيطر على قطاع غزة بهدف إعادة بناء شبكة الأنفاق التي دمرتها قوات الدفاع الإسرائيلية الصيف الماضي.

قارن ما نحن فيه اليوم مع الشروط التي نص عليها أوباما منذ عامين. في إشارة إلى الرئيس الإيراني الجديد المبتسم آنذاك، حسن روحاني، قال أوباما:

«في الواقع، إذا كان الرئيس الإيراني لديه خطة ذات مصداقية تقول بأن إيران تسعى للطاقة النووية السلمية، ولا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، وبأنها على استعداد لأن تكون جزءًا من تحقيق دولي يسمح لجميع الدول الأخرى بالتيقن من أن طهران لا تسعى لامتلاك أسلحة نووية، حينها سيكون لدى إيران الفرصة لتحسين العلاقات، وتحسين الاقتصاد. ويجب علينا اختبار ذلك».

بالتأكيد، دعونا نختبر ذلك:

التخصيب

قبل بدء المحادثات، أصرت إدارة أوباما ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على أن تقوم إيران بوقف جميع عمليات تخصيب اليورانيوم. وكذلك نصت اتفاقية 2013. الآن، يكرس الاتفاق الحالي حق إيران في عمليات التخصيب.

المخزون

في فبراير 2015، كانت إيران تمتلك 10 آلاف كيلوجرام من اليورانيوم المخصب. وبحسب الاتفاق، سيجري تخفيض هذا المخزون إلى 300  كجم، بينما سيتم تصدير الكميات الأخرى إلى روسيا، ومن ثّم تحصل إيران في المقابل على وقود لمحطات الكهرباء.

غير أن نائب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، نفى لوسائل الإعلام الرسمية في نهاية مارس الماضي أن تكون هناك أي عمليات تصدير لمخزون اليورانيوم إلى الخارج.

أجهزة الطرد المركزي

لدى إيران حوالي 19,000 من أجهزة الطرد المركزي. وفي حين دعت الولايات المتحدة في بداية الأمر إلى تخفيض هذا العدد إلى ما بين 500 و1500، فإن الاتفاق الحالي يسمح لإيران بامتلاك 6,104 جهاز طرد مركزي.

ليس ذلك فحسب، بل إن وزير الخارجية الإيراني، منوشهر متكي، أكد على أن أجهزة الطرد المركزي من طراز IR-8 , والتي تخصب اليورانيوم بمعدلات أسرع 20 مرة من أجهزة الطرد المركزي الحالية من طرازIR-1 ، ستكون قيد التشغيل في الوقت الذي سيدخل فيه الاتفاق النووي حيز التنفيذ ، الأمر الذي يناقض ما كانت الولايات المتحدة أكدت عليه من قبل.

البنية التحتية

كان إغلاق المواقع النووية في فوردو، ونطنز، وآراك هدفًا للولايات المتحدة لمدة عشر سنوات. وبموجب الاتفاق، سيتم الاحتفاظ بالمحطة النووية التي تعمل بالماء الثقيل في آراك، والتي تنتج البلوتونيوم، وإن كان سيتم تخفيض إنتاج البلوتونيوم.

كما يسمح الاتفاق بتحويل منشأة «فوردو» إلى مركز «أبحاث سلمي» مع السماح لإيران بالاحتفاظ بألف جهاز للطرد المركزي بها. هذا بالإضافة إلى أن محطة «نطنز» ستبقى مفتوحة.

الصواريخ

عرقلت إيران المخاوف بشأن الأبعاد العسكرية لبرنامجها النووي. وليس أدل على ذلك من خفض المطالب الأمريكية لطهران بتقييد تطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والتي يمكن استخدامها لتقديم رؤوس حربية.

التنفيذ

يعد الرئيس أوباما بأن العالم سيكون على دراية كاملة بأي محاولات للتلاعب أو الغش من جانب إيران. يبدو هذه غير واقعي بشكل لا يصدق. خلال العام الماضي وحده، انتهكت إيران الاتفاقات الدولية ثلاث مرات على الأقل، فضلًا عن الخلاف المحتدم حول عمليات التفتيش التي ستتم بموجب الاتفاق.

ففي حين أكد وزير الطاقة الأمريكي أرنست مونيز على أنه سيتم السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بإجراء عمليات التفتيش في أي وقت وفي أي مكان، يعارض آية الله خامنئي وجيشه هذا الأمر بأي حال من الأحوال.

العقوبات

تمنح الصفقة لإيران ما أرادته بالضبط. إلغاء دائم للعقوبات الاقتصادية في مقابل قيود مؤقتة. وبينما لم يستبعد أوباما إعادة فرض العقوبات، تشير مواقف اثنتين من القوى الرئيسية في محادثات القوى الستة إلى النقيض من ذلك.

ففي الوقت الذي وصفت فيه الصين طهران “بالدولة السلمية” كما لو كانت سويسرا، قالت روسيا بأنها بصدد الإفراج عن صفقة لبيع صواريخ الدفاع الجوي S-300 إلى طهران.

السلوك الجيد

يأتي ذلك في الوقت الذي لا يزال فيه آية الله خامنئي يندد بالولايات المتحدة باعتبارها الشيطان الأكبر، موضحًا أن إيران لا تتوقع تطبيعًا للعلاقات بين البلدين. تشير خطاباته إلى أن إيران لا تزال ترى نفسها في حرب مقدسة مع الغرب.

بعد كل ما تقدم، يبدو أن الولايات المتحدة على استعداد للتنازل عن القدرات النووية لإيران، تلك الدولة التي تعتبرها واشنطن تهديدًا رئيسيًّا.

لا عجب إذن أن تصر السعودية ومصر على تطوير قدراتهما النووية المماثلة. فحلفاء الولايات المتحدة التقليديين خلصوا إلى أن الولايات المتحدة قايضت التعاون المؤقت مع إيران بالإذعان لهيمنتها في نهاية المطاف.

ربما يكون الرئيس أوباما قد تجاهل عن عمد السياسات الإيرانية العدوانية ونفوذها المتنامي في بيروت ودمشق وبغداد والعاصمة اليمنية صنعاء. وبدون العقوبات، قد تكون إيران أكثر حزمًا.

أخيرًا، لا يوجد في الأفق أقواس قزح، فقط غيوم يكتنفها الخطر والوعيد.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد