ما يجب أن يؤخذ في الحسبان عند تقييم السِجل الخارجي لأمريكا في عام 2014 هو أن السياسة الخارجية صعبة للغاية. هكذا كانت مقدمة مقالي سجل نتائج السياسة الخارجية لأوباما لسنة 2013، وما تزال هذه الجملة صالحة لليوم. تقريبًا لا يوجد دولة على وجه الأرض نجاحاتها أكثر من إخفاقاتها في السياسة الخارجية، وهذا بالطبع يشمل الولايات المتحدة، والتي تواجه أكبر وأصعب التحديات بطبيعة الدور الذي تقوم به في العالم.

حتى وبالرغم من هذا المقياس، فعام 2014 لم يكون جيدًا لسياسة أوباما الخارجية. فما يلي هو سجل نتائج – غير موضوعي وغير علمي بالمرة- عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، مُقسم تبعًا لما بدا أنه أهم عشر أولويات خارجية. وقد وضعتُ التقييم بناءً على مدى تحقيق الإدارة الأمريكية أو فشلها في إنجاز أهدافها التي وضعتها لنفسها، بدلاً من التقييم تبعًا لمزايا تلك الأهداف أو نفعها العام للسياسة الخارجية للولايات المتحدة.

بناءً على هذا التقييم – غير العلمي-، فدرجات السياسة الخارجية للولايات المتحدة 1.94ــ مقبول(C-) ، وهو ما يبدو أقرب للصحة.

روسيا: جيد جدًا (A-) 

أوباما وبوتين بالقمة الدولية بالمكسيك

يمكن القول إن عدائية روسيا في أوروبا كانت أهم تحدٍ يواجه السياسة الخارجية الأمريكية. نعم، داعش سيئة، ولكنها لا تمتلك آلاف الرؤوس النووية وثاني أكبر جيش في العالم. اختار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين – بينما اقتصاده ومؤيدوه السياسيين مفتتتين في الداخل- أن يحل مشاكله عبر إعادة إحياء تراث روسيا الاستعماري العظيم، ونسج العديد من الصراعات مع الغرب.

أدت الولايات المتحدة عملاً مذهلاً طوال الوقت في التفريق بين التهديدات الروسية الحقيقية وبين التهديدات الفارغة، فتصدت بحزم للأولى بينما أصابت بتجاهل الأخرى. أوباما شخصيًّا عمل مع القادة الأوروبيين ليظل متأكدًا من بقاء الغرب موحد وبلا مشاكل داخلية أمام بوتين، وهي مهمة صعبة لكن في غاية الأهمية، وخاصة مع الألمان الحذرين من الحرب. فقد سافر إلى إستونيا ليُظهر أن الولايات المتحدة ستدافع عن تلك البلد الصغيرة المجاورة لروسيا والعضو السابق بالاتحاد السوفيتي كأنها بلده، وذلك بعد تهديدات بوتن المبطنة بأن يفعل بها كما فعل بأوكرانيا. وأيضًا ضرب روسيا ضربة موجعة بتنظيمه لعقوبات محددة ضد بوتين ونخبته المؤيدة له، والتي تعمل على إبقائه في السلطة.

روسيا تدخل عام 2015، وما تزال تمثل تهديدًا رئيسيًّا، ولكن تم إدارته وعزله بشكل محكم بواسطة أوباما، وبينما تم تقليل خطر جدي بإشعال حرب عالمية ثالثة، فالثمن الوحيد كان أوكرانيا.

أزمة أوكرانيا: مقبول (C+)

حراسة متمردي شرق أوكرانيا لمبنى في عاصمتهم الانفصالية دونيتسك

الحسابات الاستراتيجية الباردة التي اتخذتها إدارة أوباما أبدت أنه من الممكن عزل وإضعاف روسيا، ومن الممكن أيضًا حماية دول حلف الناتو الأوروبية، لكنها لم تتمكن من إنقاذ أوكرانيا من العدوان الروسي. هذه الحسابات كانت في الأغلب صحيحة لأن أي تدخل مباشر من الولايات المتحدة كان سيخاطر بنشوب حرب عالمية ثالثة، بالإضافة لأن الولايات المتحدة لم تكن لتتمكن من إنجاز الكثير بدون مساعدة دول أوروبا الغربية، والتي ترفض بشدة الأوكرانيين كشعب غير أوروبي، لكن ما تزال النتائج قبيحة.

الولايات المتحدة عرضت المساندة السياسية الجادة لحركة المظاهرات الأوكرانية، والتي أطاحت بحكومتها الموالية لموسكو، وأيضًا للحكومة الجديدة الموالية للغرب والتي حلت محلها. وتعرض الآن على أوكرانية بعض المساعدات في إعادة بناء اقتصادها المنهار بشدة ونظامها السياسي. لكن أوكرانيا أنهت العام بفقد القرم لتضمها روسيا، مع أجزاء واسعة من شرق البلد تحت الغزو الروسي الحالي، بالإضافة لتواجد أعداد ضخمة من القوات المسلحة الروسية تنتظر بجوار حدودها لتجتاز الطريق إلى كييف إذا شاءت.

داعش: مقبول (C-) 

عضو بداعش يحمل علم التنظيم في فيديو دعائي

يوجد تقيمان هنا: أوباما يستحق درجة ساقط (F) بشدة عن أول بضعة شهور من هذه الأزمة، لكن مع درجة جيد (B+) مستحقة بجدارة للشهور الأخيرة، فبالكاد تكون الدرجة النهائية مقبول (C-).

للشهور الأولى لم تكن استراتيجية أوباما استراتيجية حقيقية باعتراف الرئيس نفسه، وبدلاً من ذلك كانت خليطًا مرتبكًا من الأهداف، وأفكارًا متضاربة حول كيفية تحقيقها. أوباما قال إنه يريد هزيمة داعش لكنه وفر موارد تكفي لإبطاء تقدمهم فقط. فقد تحرك ضدهم في العراق لكنه لم يمتلك اية أفكار عن ضرب قاعدة عملياتهم في سوريا. فتعثرت جهود الولايات المتحدة وازدهرت داعش. كانت تلك فترة الميوعة والمماطلة وانتظار الأسوأ في السياسة الخارجية لأوباما.

جريمة قتل الصحفي جيمس فولي المصورة في أواخر أغسطس غيرت ذلك. فخلال الخريف تم تطبيق استراتيجية حقيقية. بالطبع لن يتحقق إنجاز خلال ليلة وضحاها، لكن يتم تحقيق أقصى ما يمكن بدون تعريض المصالح والأرواح الأمريكية لخطر مباشر. بدفع العملية السياسية لإعادة التشكُل في بغداد وبتقوية المقاتلين الأكراد العراقيين تم إيقاف تقدم داعش هناك، وتم إعداد انهيارها الداخلي المحتوم. في نفس الأثناء نظم أوباما ائتلاف من الحلفاء العرب لقذف داعش في سوريا.

العراق: أقل من مقبول (D+) 

مقاتل عراقي كردي بدورية في الصحراء

عمل أوباما بجد ليخرج الولايات المتحدة من العراق في عام 2009، وعمل أيضًا بجد ليبقيها بعيدة هذا العام، بينما انهار العراق في فوضى سياسية وقتل طائفي وغزو داعش، والتي ما زالت تتحكم في أجزاء شاسعة من البلد. نجح أوباما في ذلك ولكن بثمن مكلف جدًا، ومن الأمور الجدلية بشدة، هل كان في استطاعة الولايات المتحدة فعل ما هو أكثر لمنع انهيار العراق بأي شيء آخر غير إعادة الغزو أم لا؟

انفصلت الولايات المتحدة تحت إدارة أوباما عن العملية السياسية في العراق، بينما كان يتحول رئيس الوزراء نوري المالكي ببطء لكن بوضوح إلى ديكتاتور، والذي عمل بشكل منظم على إقصاء الأقلية السنية في البلد؛ مما أدى إلى إعداد المشهد لظهور داعش. أخيرًا تدخل أوباما بإقصاء نوري المالكي، وتمكين بديل أكثر إنتاجية واحتواءً. لكن ذلك كان قليلاً جدًا ومتأخرًا جدًا للملايين الذين يعيشون تحت حكم داعش، وللملايين الذين فقدوا إيمانهم بحكومتهم وبالعملية الديمقراطية كلها. ومع ذلك فالأمور في تحسن منذ تخلت إدارة أوباما عن تجاهل مشاكل العراق، وتدخلت في إعادة تشكيل المشهد السياسي، وهذا كان الفعل الصائب من أوباما بالتركيز على إصلاح بغداد بدلاً من الاكتفاء بقذف داعش أو إعادة إرسال جنود الولايات المتحدة للطريق المؤذي.

سوريا: ساقط (F

بشار الأسد

2014 كان العام الذي فقدت فيه الولايات المتحدة الأمل في سوريا. منذ بدأت الحرب الأهلية في سوريا عام 2011 بقيام القائد السوري بشار الأسد بمذابح جماعية ضد المدنيين، تناوبت الولايات المتحدة على المحاولة بفتور شديد لإنهاء أسوأ كارثة إنسانية في العالم على الإطلاق، وعلى محاولة إدارة الأزمة. كلا الخيارين بهما مزايا: الأخير – بقليل من قساوة القلب- من الممكن دعمه كخيار واقعي بمعرفة حدود نفوذ الولايات المتحدة في الحرب السورية.

لكن الآن لا تحاول الولايات المتحدة فعل أي من الأمرين: فإدارة أوباما على ما يبدو فقدت الأمل في امتلاك استراتيجية بشأن سوريا، وبدلاً من ذلك تم التركيز على محاربة داعش. هذا ينجح ضد داعش، لكنها أخبار سعيدة للأسد وأخبار في غاية السوء للثوار السوريين وعائلاتهم الذين حاربوا وماتوا بالآلاف لجلب الحرية لسوريا. الاستراتيجية الأمريكية تحرر الأسد ليركز على سحق الثوار وإنهاء أي ذرة أمل متبقية لدى المدنيين السوريين، والذين يتم بحقهم المجازر بدون تمييز. تركيز أوباما على داعش يضع أمريكا في تحالف ضمني مع الأسد في هذا الأمر، علاوة على المصير الحتمي المرعب للشعب السوري الذي عايشوه لثلاث سنوات وحتى الآن. وهذا بالضبط ما كان يقودنا إليه الأسد عن طريق ترك داعش تنمو، وسقطت الولايات المتحدة تمامًا في هذا الفخ.

إسرائيل- فلسطين: مقبول (D-) 

جون كيري في لقاء مع القائد الفلسطيني محمود عباس

انهارت آخر مساعي الوزير جون كيري للوصول للسلام. فرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو شديد العداء ضد أوباما وعملية السلام. وسياسة إسرائيل صارت يمينية ومعادية للسلام على نحو متزايد. والقيادة الفلسطينية تبدو مستعدة لرفض عملية سلام تقودها الولايات المتحدة وبدلاً من ذلك ترى العمل من خلال الأمم المتحدة وربما المحكمة الجنائية الدولية للضغط على إسرائيل، وهذا قابله رفض أمريكي قوي.

الشيء الوحيد الذي يمنع الدرجة من أن تكون ساقط (F) هو تعامل أوباما – غير المريع- مع حرب إسرائيل عام 2014 مع غزة، وبها اتخذ أوباما موقفًا علنيًّا رمزيًّا لكن يظل مؤثرًا ضد اختيارات إسرائيل التكتيكية، والتي أدت لزيادة كبيرة في القتلى المدنيين الفلسطينيين بما فيهم الأطفال.

إيران: جيد جدًا (B

جون كيري ووزير الخارجية الإيراني جواد ظريف

أنجز أوباما إنجازات هائلة بفضل جهوده التاريخية للتوصل لاتفاق نووي مع إيران. وأكبر إنجازين هما: جعل إيران والقوى الغربية يوافقان على “خطة العمل المشتركة” لشهر يوليو، وهو اتفاق مرحلي مؤقت يبدو متماسكًا للغاية، ومنع الكونجرس أو إسرائيل من تخريب الاتفاق، رغم بذلهما أقصى جهديهما لذلك. هاتان كانتا خطوتين هامتين وقويتين لعقد اتفاق دائم، والذي من الممكن أن يصبح إنجازًا تاريخيًّا.

ولكن، فشلت الولايات المتحدة في تحقيق اتفاق دائم بحلول الموعد النهائي بشهر نوفمبر. فقامت بوضع تمديد آخر لاتفاقية بإطار زمني في شهر مارس، واتفاقية كاملة في شهر يوليو القادم. وهذا سيء للغاية لأن الجمهوريون سيكون لديهم مقاعد كافية في مجلس الشيوخ بحلول هذا الموعد ليمرروا عقوبات جديدة ضد إيران، وهو ما سيؤدي إلى إفشال الاتفاق بكل تأكيد. بالإضافة لتآكل التأييد لسياسة إيران الداخلية، بل ربما لا يشعر المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي – دائم القلق- بأنه قادر على التغلب على المعارضة المتصاعدة. برغم إنجاز فريق أوباما فهم يحتاجون لنجاحات كبيرة لجعل الأمر حقيقة، ويبدو أنهم لم يستطيعوا فعل ذلك.

الصين: امتياز (A+) 

الرئيس أوباما عند سور الصين العظيم عام 2009

ربما يكون أحد أهم إنجازات السياسة الخارجية لأوباما في عام 2014 هو تحقيق اتفاق تاريخي مع الصين بشأن تغيُر المناخ يُلزم البلدين بتقليل الانبعاثات الغازية، وهو أيضًا خطوة كبيرة في طريق وضع اتفاق عالمي بشأن المناخ. ولكن هذا لم يكن أمر طارئ، بل جزء من سعي أوباما الدائم والناجح للغاية لبناء علاقة تعاونية إيجابية مع الصين. وهو ما يتعدى في أهميته مجرد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين.

فخلال القرن القادم ستواجه الولايات المتحدة والصين العديد والعديد من المشاكل العالمية والتي يختلفان فيها، لكنه سيكون أفضل لهما لو تعاونا معًا. فعلاً سيكون أفضل للعالم كله أن تتشارك القيادة الصين وأمريكا ويتعاونان معًا. عندما صعد أوباما للحكم ظن الجميع أن البلدين سيكونان متنافسين بطبيعة الحال. لكنه عمل بجد ليجعلهما حليفتين بدلاً من ذلك؛ مما يعني أن الولايات المتحدة أصبح لديها حليف قوي للغاية بدلاً من خصم. (يمكنك أن ترى – على سبيل المثال- مساعدة الصين للولايات المتحدة ضد حليفتها كوريا الشمالية مؤخرًا باحتمالية قيامها بقطع شبكة الإنترنت على خلفية عمليات القرصنة على شركة سوني). وكما قال أحد كبار دبلوماسيي الولايات المتحدة لمحرر نيويورك تايمز ديفيد سنجر: “لو تعاملنا مع الصين بطريقة خاطئة، سيكون هذا هو الشيء الوحيد الذي سيتذكره الجميع بعد ثلاثين عامًا”.

كوريا الشمالية: امتياز (A-) 

كيم يونج أون يزور ملجأ جديد لليتامى في بيونج يانج

نعم، كانت عمليات القرصنة على سوني سيئة. ونعم، كيم يونج أون استمر في وضع شعبه البالغ 25 مليون نسمة تحت أقسى نظام وأكثرها تعسفًا ووحشية على وجه الأرض. لكن هنالك القليل جدًا مما تستطيع فعله الولايات المتحدة في نهاية المطاف لمشكلة كوريا الشمالية، وقد قامت إدارة أوباما بأحسن ما تستطيع، وذهبت لأقصى الحدود الممكنة، بينما قللت من شأن تهديدات كوريا الشمالية المبالغ فيها، ورفضت التعامل مع دعاية كيم بأنه شخص مزعج وخطير جدًا على الولايات المتحدة.

هناك ثلاثة أشياء فقط تستطيع الولايات المتحدة فعلها بخصوص كوريا الشمالية، وقد فعلتها كلها هذا العام. الأول منها هو العمل مع الصين -الراعي الأهم لكوريا الشمالية- لكبح سلوك كيم السيء. وتقبلت بكين ذلك بينما ظلت داعمة لكيم بشدة. الأمر الثاني هو بناء حلف عسكري كوري جنوبي/ ياباني/ أمريكي أمام كوريا الشمالية، هذا الائتلاف الذي تصدع في عام 1990 وبداية الألفينيات عاد بقوة. وثالث أمر هو عزل كوريا الشمالية دوليًّا: وهو ما تم بإيصال تقرير الأمم المتحدة التاريخي عن انتهاك حقوق الإنسان بكوريا الشمالية لمجلس الأمن في خطوة مهمة لتقديم كيم للمحكمة الجنائية الدولية.

أفغانستان: مقبول (C

قوات أمريكية تستعد لاستقلال طائرة هليكوبتر في وادي كورينجال بأفغانستان

انتهت هذا الأسبوع حرب الثلاثة عشر عامًا التي قادتها أمريكا على أفغانستان بفشل غير رسمي. ربما لم تلاحظ هذا قط، لأن الحرب تأخذ هذا المنحى منذ عدة أعوام، ولأن عددًا من القوات الأمريكية سيستمر بالتواجد لإكمال عمليات القوات الخاصة والطائرات بدون طيار ضد الإرهابيين ذوي القيمة العالية. تتجه أفغانستان غالبًا للانهيار، ورفضت طالبان كل العروض المقدمة لاتفاقية سلام، موقنة بأنها يمكنها الآن الفوز بشكل كامل وصريح. مستقبل أفغانستان مظلم. لكن بالنسبة للولايات المتحدة فهذه “الهزيمة بشرف” هي نوع من الانسحاب البطيء الذي تريده الولايات المتحدة، بل وربما تحتاجه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد