ربما لا يستغرب السعوديون وحدهم من أرقام حديثة تؤكد أن من بين 7 من كل 10 بينهم يعانون من السمنة، إذ يظهر البدناء في المجتمع السعودي بشكل كبير، وتتواصل حملات مكافحة الظاهرة بالعديد من الفعاليات. لتصبح تلك الظاهرة كارثة تقف وراء موت 20 ألف سعودي سنويًا، والأدهى أن الأموال الحكومية الطائلة التي تنفق لمعالجة الظاهرة لم تؤت أكلها حتى الآن.

السمنة ارتفعت إلى ما يقارب 70% في السعودية

حمل اليوم العالمي لمكافحة السمنة الذي صادف يوم 11 من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أرقامًا صادمة حول واقع السمنة في المملكة العربية السعودية، لتؤكد الجمعية السعودية للغذاء والتغذية أن معدلات السمنة ارتفعت إلى ما يقارب 70% (زيادة وزن الجسم بمعدل كتلة يفوق 25 كجم).

مواطن خليجي يعاني من السمنة (المصدر :الخليج أون لاين)

ففي منتصف العام الماضي، أصدرت وزارة الصحة السعودية إحصائيات تفيد بأن 40% من السعوديين الذكور يعانون من السمنة، فيما 62% من السعوديات بدينات، وذلك بعد  سنوات من ثبات معدلات السمنة بين الرجال السعوديين بنسبة تصل إلى 29%، وعند النساء تصل إلى 37% من السعوديات، وتحتل السعودية المرتبة الثالثة عالميًا في نسبة إصابة النساء بالسمنة، كما تظهر دراسة أجراها كرسي أبحاث السمنة بـ«جامعة الملك سعود» إصابة ثلاثة أرباع المجتمع السعودي بالسمنة بنسبة 70% للرجال و75% للنساء، وتبين الأرقام أن أكثر من 80% من مرضى السكر من النوع الثاني في المملكة لهم علاقة بالسمنة.

ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية التي تعتبر السعودية واحدة من أكثر عشر دول في العالم إصابة بمعدلات السمنة، فإنه يعاني حاليًا نحو 65% من البالغين في السعودية من الوزن الزائد، ويعاني 28% من السمنة، ويصاب هؤلاء في الغالب من أمراض مرتبطة بالوزن الزائد، مثل داء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، إضافة إلى الاضطراب العاطفي والقلق المصاحبين للسمنة.

يقول وزير الصحة السعودي «خالد الفالح»، أنّ: «أغلبية سكان دول الخليج أعمارهم أقل من 30 عامًا، وهم يعانون زيادة الوزن وداء السكري، وهذا يعد تهديدًا للمجتمع ولفئة الشباب خصوصًا»، ويضيف لـ«وكالة الأنباء السعودية» أن: «15 إلى 20% من سكان الخليج يعانون من داء السكري، بسبب قلة الحركة والإدمان على الهواتف الذكية، وتناول الأطعمة السريعة».

لماذا تزيد السمنة بين السعوديين؟

خلال الساعات الماضية، تابع السعوديون باهتمام كبير قضية مريض السمنة المفرطة «سعد بن منصور بن سعد السبيعي»، فقد نقل هذا الشاب ذو السابعة والعشرين من العمر بناء على توجيهات ملكية للعلاج في مدينة الملك عبد الله الطبية بالرياض.

خلال نقل «السبيعي» (المصدر :صحيفة عاجل)

لم يكن «السبيعي» إلا مواطنًا واحدًا من بين ملايين السعوديين الذين يعانون من السمنة المفرطة، إذ تسبب النمط غير الصحي في تناول الغذاء وعادات الكسل في تحول السمنة إلى كارثة حقيقة، إذ يعتبر النظام الغذائي للسعوديين غنيًّا جدًا بالدهون المشبعة والزيوت والسكريات، كما أن أنماط ضعف النشاط البدني، والاعتماد الكلي على التكنولوجيا والجلوس أمام أجهزة الكمبيوتر أو لمشاهدة التلفزيون تزيد من السمنة. تظهر أرقام دولية نشرتها مجلة «ذا لانسيت» الطبية البريطانية أن السعودية، في ترتيب أكثر الدول كسلًا، فحسب المجلة وصلت نسبة الخمول البدني في السعودية نحو 68%، وتقف أيضًا الظروف النفسية وراء السمنة في السعودية، إذ يعاني 20% من السعوديين من الاكتئاب، فيما يمثل القلق 35%، بينما اضطرابات النوم تشكل 40% بينهم، وتؤدي هذه الاضطرابات النفسية إلى اضطرابات في النظام الغذائي.

يوضح أستاذ الغذاء والتغذية بجامعة الملك سعود «محمد بن صالح العمري» لـ«الرياض» أنّ: «الظروف المتغيرة في التحسن الكبير لمستوى المعيشة لدى سكان المملكة، وتغير النمط الغذائي الاستهلاكي وتنوع مصادر وأشكال الأغذية وطرق إعدادها وتصنيعها، وارتفاع محتواها من النشويات والسكريات والدهون، بالإضافة إلى عدم ممارسة الرياضة بالشكل المطلوب والاعتماد على وسائل المواصلات المريحة وطول فترات الجلوس والخمول وغيرها من الأنماط الحياتية غير الصحيحة، قد ساهمت جميعها في ارتفاع السمنة بين سكان المملكة».

الأطفال السعوديون في خطر

أكثر من 3.5 مليون طفل سعودي يعانون من السمنة، يشكلون حسب دراسة أشرفت عليها وزارة الصحة السعودية، ونُشرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي  ما نسبته 36% من عدد سكان السعودية، منهم 44% توصف سمنتهم بالمفرطة، وهم كغيرهم من أصحاب السمنة عرضة لأمراض مرتبطة بالسمنة، كالسكري وضغط الدم.

أطفال سعوديون (المصدر: فرانس برس)

تقول اختصاصية التغذية «نعيمة مبارك» أن: «السمنة بين الأطفال ترتفع بشكل كبير بسبب الأنظمة الغذائية السيئة، وبسبب انعدام ممارسة الرياضة، ففي عام 2011 قدّر عدد الأطفال المصابين بالسمنة في السعودية بنحو 2.8 مليون، واليوم تجاوز الرقم 3.5 مليون، فخلال خمس سنوات كان مستوى الزيادة 700 ألف طفل، وهذا مؤشر بالغ الخطورة».

وتعد الأطعمة غير الصحية في المدارس السعودية، واحدة من أهم أسباب سمنة الأطفال السعوديين، ولمواجهة ذلك رفعت السعودية أسعار المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة بنسب 50% و100% على التوالي، ومنعت بيع بعض أنواع الأغذية في المدارس، توضح اختصاصية السمنة «هناء عبيد» لـ«العربي الجديد» أنه: «لا مجال للتدخل الجراحي لعلاج سمنة الأطفال، لكن من الممكن علاج ذلك من خلال التوعية والرياضة، فالأطفال أكثر قابلية لحرق الدهون من خلال اللعب في الخارج. وهو ما لا يجب أن يقتصر على العائلة، بل لا بدّ من مساهمة المدرسة ووزارة الصحة فيه، من خلال تفعيل حصص النشاط الرياضي، والندوات التثقيفية».

مبادرات لا تمنع كارثة السمنة

دشنت الحكومة السعودية العديد من المبادرات بهدف مواجهة السمنة، وذلك بالحثّ عبر برامجها على اتباع نمط غذائي صحي وممارسة النشاط الرياضي، وجاءت هذه المبادرات تحت أسماء عدة، منها مبادرة «رشاقة» و«غير نمط حياتك»، وبغية خفض الموازنات المخصصة لعلاج البدانة وجراحة السمنة، التي بلغ مستوى الهدر فيها نحو 80% من نسبة العمليات.

 كما دعمت التحركات الحكومية حملات شعبية، نجحت  لحدٍ ما في دفع السعوديين للإقبال على ممارسة رياضة المشي خلال العقد الأخير، حيث نظمت ماراثونات ومهرجانات، ومبادرات للمشي المنفرد.

وقد وضعت وزارة الصحة السعودية ضمن الاستراتيجية الصحية لها، العمل ضمن برنامج التحول الوطني 2020 الهادف لتحقيق التنمية شاملة، أبرزها خفض معدلات السمنة وتعزيز مستوى الصحة العامة لتصبح المملكة من ضمن الدول العشرين الأكثر تقدمًا، ومع ذلك يبقى السعوديون على قناعة أكثر أنه للحد من السمنة من المهم اللجوء إلى الحل الجراحي، لذلك توجه الكثير من السعوديين إلى عمليات تكميم المعدة، سواء داخل المملكة أو خارجها، فحسب تقرير «رويترز»: «يلجأ أعداد من المرضى خاصة القاطنين في المناطق الشمالية، إلى مستشفيات الأردن، رغم ظروف ومتاعب السفر، بسبب طول مواعيد المستشفيات الحكومية، بالرغم من تخفيض المستشفيات أسعارها لإجراء جراحة تحويل مسار المعدة، إلى نحو 5700 ريال سعودي (1500 دولار) بعد أن كانت 11500 ريال (3066 دولار)». إلا أن وصول تكلفة علاج السمنة إلى 133 مليون دولار سنويًا في المستشفيات السعودية، لم يصل بالمملكة لتحقيق مواجهة كافية، والإجراءات المتخذة لا تزال غير ناجعة لمكافحة الظاهرة.