هل تساءلت يومًا عن القصة الكامنة خلف الأزياء الموحدة (الزي الرسمي) للمهن المختلفة؟ سنخبركم بذلك ولكن دعونا نأخذكم أولًا في رحلة قصيرة نحدثكم فيها عن بداية ظهور الزي الموحد من الأساس، نحن الآن في بريطانيا خلال القرن الثامن عشر، فمن هناك بدأ الزي الرسمي الأول لسعاة البريد؛ بهدف تمييزه عن عامة الناس، ويمكن بسهولة معرفة سبب حاجة هذه الوظيفة إلى زي موحد؛ تخيل معي أنك جالس في منزلك وأحدهم يطرق بابك ليعطيك رسالة بملابس مدنية! يبدو الأمر مخيفًا قليلًا أليس كذلك؛ ومن هنا تحديدًا بدأت قصة الزي الموحد.

تطورت هذه القصة قليلًا في فرنسا وتحديدًا بعد سقوط الطبقة الأرستقراطية في أعقاب الثورة الفرنسية، فحينها استُحدث زي ضباط الشرطة من أجل إيصال رسالة مهمة للشعب؛ هذه الدولة أضحت تديرها حكومة إدراية منظمة عكس الملكيات النخبوية السابقة، وخلال الثورة الصناعية ارتدى موظفو المصانع ومديروها الزي الرسمي من أجل تمييز الرتبة والدور الوظيفي، لكن ماذا عن باقي المهن؟ دعونا نخبركم.

1. من الأسود إلى الأبيض.. كيف تطور زيُّ الأطباء على مدار التاريخ؟

كان الأطباء في القرون القديمة يرتدون الملابس السوداء لتعكس الطبيعة الجادة لعمل الطبيب. وقتذاك كانت رحلة علاج المريض غير مضمونة النتائج؛ ولهذا كان الأهالي يلجأون إلى الطرق الشعبية من أجل إنقاذ ذويهم، وحين تضيق بهم السبل يكون الطبيب هو الملاذ الأخير، وكان الأهالي حينها يرون أن المعطف الأسود للطبيب يخبرهم بأن الموت وشيك، وقد خُلدت صور الأطباء الذين يرتدون الأسود في العديد من اللوحات الفنية، أشهرها لوحة توماس إيكنز عام 1875، والمعروفة باسم «The Gross Table».

بدأ هذا الأمر يتغير خلال القرن التاسع عشر، ولسنوات طويلة كان الأطباء يرتدون ملابسهم العادية لرعاية المرضى، حتى بدأوا في ارتداء أقنعة الشاش القطني خلال جائحة الإنفلونزا الإسبانية عام 1918 لحماية أنفسهم من العدوى. وبحلول أربعينيات القرن الماضي وبسبب التطور العلمي الذي أدى إلى فهم أفضل لمسألة الجراثيم وكيفية نقل الأمراض؛ بدأ الاهتمام بشكل كبير بمسألة النظافة، وظهر وقتها المعطف الأبيض ليكون خير تجسيد للنظافة الناصعة، ومع ذلك كان الأبيض يتسخ بسهولة ببقع الدم.

وبمرور الوقت وخلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي ظهر زي الأطباء الأخضر؛ لأن المعطف الأبيض مع الأنوار الساطعة وغرف العمليات البيضاء، أدى إلى إجهاد عيون الطاقم الطبي ولهذا استخدموا الملابس الخضراء والزرقاء، لأنها مريحة للعين، كما أنها أكثر قدرة من اللون الأبيض على إخفاء بقع الدم، خلال العمليات الجراحية.

2. معطف المحامين الأسود.. البداية من بريطانيا في القرن 13

يعود تاريخ الزي الرسمي للمحامين إلى عام 1327، وذلك حين أقر الملك البريطاني، إدوارد الثالث، أزياء القضاة بناءً على بروتوكول الملابس لحضور الديوان الملكي، وفي نهاية القرن الثالث عشر عُمم هذا البروتوكول ليشمل المحامين أيضًا بجانب القضاة. ويرى البعض أن اختيار اللون الأسود لمعطف المحامي يعود إلى سببين؛ أولًا لم تكن الألوان والأصباغ متاحة في ذلك الوقت إلا للملوك، الذين اعتادوا على ارتداء اللون الأرجواني، وبالتالي كان لون النسيج الوحيد المتاح هو اللون الأسود.

ويرى البعض الآخر أن السبب الرئيسي وراء ارتداء المحامين للمعطف الأسود هو أن هذا اللون يدل على السلطة والقوة، فمرتدوه لا يخضعون لبشر؛ إذ يرتديه الكهنة لإظهار خضوعهم لله وحده، ويرتديه المحامون لإظهار خضوعهم لمبادئ العدالة، ويضفي المعطف الأسود الجدية على هوية المحامي، ويوفر طابعًا مرئيًّا فريدًا لصورته المهنية.

والحقيقة أن هناك قصة ورواية أخرى لمعطف المحامي الأسود، تعود إلى بريطانيا عام 1685، وتسرد لنا هذه القصة أن المحامين استمروا في ارتداء المعاطف السوداء، ولم يتغير لونها حتى مع ظهور الألوان الأخرى حدادًا على وفاة الملك تشارلز الثاني؛ فبعد الوفاة استمر الحداد عدة سنوات، حتى أصبح عادة راسخة في المجتمع الإنجليزي، ومن هناك انتقلت إلى المستعمرات البريطانية وباقي دول العالم.

3. «بذلة الرقص الشرقي».. تاريخ يعود إلى مصر الفرعونية

في دراستها المنشورة بعنوان «الرقص في مصر القديمة» ترى الباحثة المصرية أميرة خالد أن مصر القديمة عرفت الرقص منذ عصور ما قبل التاريخ، وهو الأمر الذي يتجلى بوضوح في صور الراقصات على جدران المعابد، وفي المخطوطات القديمة، وقتها كان الرقص جزءًا أساسيًّا من الطقوس الدينية الذي يؤدى للتقرب من الآلهة؛ أملًا في نزول المطر، أو دعاء للحصول على محصول وفير، وكان رداء الراقصة حينها عبارة قطعتين؛ قطعة تغطي الصدر وسروالًا فضفاضًا في الأسفل.

بعد ذلك انتقل الرداء الخاص بالرقص إلى عهد الحضارة العربية، وكانت وقتها شبيهة بالرداء الفرعوني، ولكن السروال الفضفاض كان مفتوحًا من الجانبين، وأُضيف إلى تصميم الرداء التطريز بالخرز، إضافة إلى الحُلى المتدلية، ثم أخذ زيُّ الرقص الشرقي من ملابس الراقصات الهنديات فكرة الوشاح الخلفي الذي يتطاير أثناء الرقص، وفي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، والذي عُرف في مصر بالعصر الذهبي للرقص الشرقي، تحول شكل الرداء إلى جلابية بلدي (عباءة) يزينها حزام على الخصر.

ثم وضعت الدولة المصرية بعد ذلك قواعد وأصول الزي الرسمي للرقص، وألزمت جميع الراقصات باتباع تلك القواعد التي حددت شكل الرداء في قطعتين؛ قطعة تغطي الصدر وقطعة أخرى عبارة عن تنورة واسعة مصنوعة من الدانتيل والجوبير ومفتوحة من الجانبين، وفي حقبة السبعينيات؛ وبسبب ظهور اليمين في المشهد السياسي المصري، ظهرت قواعد جديدة لـ«بذلة الرقص الشرقي» تقتضي وجوب تغطية منطقة البطن. أما التطور الأخير والحالي لبذلة الرقص الشرقي؛ فجاء مع دخول راقصات أوروبيات إلى المجال.

4. بذلة رواد الفضاء.. البرتقالية للانطلاق والبيضاء للسير في الفضاء

يوفر لنا الغلاف الجوي على سطح الأرض جميع الظروف البيئية المناسبة التي نحتاجها كي نظل على قيد الحياة، وذلك مثل الضغط الثابت، وهواء التنفس، وانتظام درجة الحرارة، أما في الفضاء فالأمر مختلف تمامًا، ولذلك كان لا بد من تصميم بذلة الفضاء لتوفير أكبر قدر ممكن من الأمان للرواد، خاصة في ظل انعدام الجاذبية والأكسجين واختلاف الضغط الكبير.

ويرتدى رواد الفضاء أثناء رحلتهم بدلتين: البرتقالية أثناء الانطلاق، وهي مصممة كي تكون مضغوطة بالكامل، ومهمتها حماية رواد الفضاء من ضغط الارتفاعات العالية، ويرجع سبب اختيار اللون البرتقالي إلى أنه اللون الأكثر وضوحًا أثناء عملية البحث، ولهذا السبب ترتديه فرق الإنقاذ البحري.

أما البذلة الثانية فهي البذلة البيضاء، والتي يرتديها الرواد خارج المركبة الفضائية، ومهمتها الأساسية هي إبقاء رائد الفضاء على قيد الحياة وسبب اختيار اللون الأبيض هنا هو أنه يسمح بانعكاس الحرارة أكثر من الألوان الأخرى، وتحتوي بذلة الفضاء البيضاء على النظام الفرعي الداعم للنجاة، والذي يضم جهاز شفط ثاني أكسيد الكربون، وجهاز إمداد الأكسجين، وبطارية كهربائية، ونظام تبريد للجسم، ويرتدي رائد الفضاء هذا النظام الفرعي مثل حقيبة الظهر.

كذلك تضم البذلة البطانة العلوية التي تتركز مهمتها في توصيل النظام الفرعي الداعم للنجاة بجسم رائد الفضاء، وتوفر مساحة لمرور الأكسجين في الجسم، وهناك أيضًا القفازات التي صُممت بنظام تدفئة للأصابع وحافظة ماء للشرب، والخوذة التي تعمل على توازن ضغط الهواء حول الرأس من أجل حمايته من الاصطدام بأي مخلفات فضائية هائمة.

5. زيُّ الطهاة.. تقاليد عمرها قرون طويلة

تطور زي الطهاة على مدى أجيال عديدة، وقد ساهمت أربعة عوامل في تطور هذا الزي الرسمي، مثل الحاجة العملية للحماية، والحاجة الجمالية لتقديم صورة نظيفة ومهنية، وإضفاء التميز، وكذلك إثبات المكانة والفخر؛ وأخيرًا يعكس هذا الزي بجلاء جوانبه العملية وكذلك تقاليده الأسطورية والرومانسية.

ففي العصور الوسطى كان الطاهي يرتدي المئزر، وهو الأمر الذي عرفناه من الرسوم التوضيحية في كتاب «حكايات كانتربيري» للشاعر جيفري تشوسر؛ إذ تصف إحدى قصص هذا الكتاب الطاهي وهو يرتدي مئزرًا أبيض، وفي العصر الفيكتوري صورت المطبوعات والرسوم التوضيحية أيضًا الطهاة وهم يرتدون ملابس بيضاء.

فنون

منذ سنتين
أدب الطعام.. أعمال أدبية صبغها كتّابها برائحة التوابل المكسيكية

وبالنسبة لقبعة الطهاة، فهناك الكثير من الأساطير التي نُسجت حول أصلها وتاريخها، هناك على سبيل المثال قصة تقول إن قبعة الطاهي تعود إلى آلاف السنين، وقد ظهرت للمرة الأولى في العهد الآشوري؛ وقتذاك كان التسمم طريقة شائعة للتخلص من الأعداء، وإدراكًا لهذه المشكلة اختار الملوك الآشوريون طهاتهم بعناية فائقة، ولم يسمحوا سوى للمقربين منهم والأكثر ولاء ليكونوا طهاة، ووقتها وحتى لا يخون الطاهي الملك ويشعر بأن وظيفته دون المستوى، كان الملك يجعله عضوًا في المحكمة العليا، ولتجنب رشوة الطاهي من قبل أعداء الملك كان الطهاة يرتدون تاجًا على شكل مماثل للعائلة الملكية، ولكنه كان مصنوعًا من القماش ويفتقر إلى المجوهرات، وهو ما صار القبعة الشهيرة لاحقًا.

6. الكاكولة والجبة.. زيُّ علماء الأزهر عثماني أم عربي؟

قديمًا كان كل من يدرس في الأزهر الشريف يرتدي الكاكولة، وهي عبارة عن جلباب طويل مفتوح من الأمام يشبه جاكيت البذلة، وتحته كان الطلبة يرتدون جلبابًا أبيض، وعلى الرأس كان يُرتدى الطربوش الأحمر ملفوفًا بالعمامة، وقد اختلفت الآراء حول الأصل التاريخي لزي الأزهر، ففي حين يراه البعض عثمانيًّا يصر البعض الآخر، مثل الدكتور عبد المقصود باشا أستاذ التاريخ الإسلامي، على الأصل العربي للزيِّ الأزهري.

ومن تقاليد الأزهر الشريف أن الإدارة المالية كانت تصرف بدل كسوة للعلماء، وكان يبلغ الحد الأقصى لهذا البدل 30 جنيهًا، في حين أن الحد الأدنى كان تسعة جنيهات، وفيما بعد حظي الطلاب أيضًا ببدل الكسوة؛ إذ كان ولي الأمر يمضي على تعهد بإحضار الكسوة كاملة كما هو موضح في كتاب الوقف.

وخلال عام 1928 تمرد طلاب الثانوية الأزهرية على الزي الرسمي الموحد، وارتدوا الزي التقليدي المكون من بذلة وطربوش، ولكن الأزهر استطاع احتواء الأزمة وعاد الطلاب إلى زيهم التقليدي، ومع أواخر القرن العشرين تلاشى الزي الأزهري شيئًا فشيئًا ولم يعد يرتديه سوى أئمة المساجد، وشيخ الأزهر، ووزير الأوقاف، وكبار الدعاة، وأئمة المساجد الكبرى، ومفتي الديار المصرية.

7. زيُّ المضيفات الجويات بتوقيع بيوت الأزياء العالمية

بدأ الزي الرسمي الموحد لمضيفات الطيران خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وكان تصميمه شديد البساطة في البداية؛ إذ كان يشبه إلى حد كبير ملابس الممرضات، وذلك بهدف بث شعور الطمأنينة والثقة والأمان لدى ركاب الطائرة، لكن فيما بعد تنوعت تصاميم الأزياء ما بين العملية والمريحة والأنيقة.

ومن أشهر تصميمات ملابس مضيفات الطيران كان الزي الذي صممه إميليو بوتشي لصالح شركة خطوط طيران برانيف الدولية خلال عام 1966؛ إذ تميز هذا الزي بألوانه البراقة، وكان مستوحى من ملابس رواد الفضاء، ومن أشهر مصممي الأزياء العالميين الذي شاركوا في صناعة ملابس مضيفات الطيران كريستيان ديور، وإيف سان لوران، ورالف لورين.

وفي عام 2016 عُقد في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية معرض «الموضة في الطيران» بمتحف «SFO» في مطار سان فرانسيسكو الدولي، وكان يضم أكثر من 70 قطعة من ملابس مضيفات الطيران على مدار التاريخ، بداية من عام 1930 وحتى تاريخ المعرض، وجدير بالذكر أن المعرض أقيم في سان فرانسيسكو لأن أول مضيفة طيران أنثى في العالم، وهي إلين تشرش، وُظفت في سان فرانسيسكو.

المصادر

تحميل المزيد