مع الأزمة الخليجية الحالية، تصدِّر المشهد عددٌ كبيرٌ من فتاوى المؤسسات الدينية، سواء الرسمية منها وغير الرسمية، وكانت الفتاوى متضاربة في كافة الاتجاهات، منها ما يمثّل مواقف الدول ومنها ما يعبّر عن خضوعٍ تام ومُطلق للسلطة السياسية، فهل المؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية كما نتصورها على موقفٍ واحد، ومصلحتها واحدة، وتخضع بشكلٍ مُطلق للدولة وسلطتها؟

الجواب: لا، المؤسسات الدينية ليست مُوحَّدة، ولا تتبع للدولة وسلطاتها بشكلٍ كامل كما نظن، كيف ذلك؟ هذا ما يجادل به «ناثان براون» أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن. براون أيضًا باحثٌ في مركز كارنيغي للسلام الدولي، ونشرَ مؤخرًا دراسةً بعنوان:«الإسلام الرسمي في العالم العربي: التنافس على المجال الديني»، في هذا التقرير عرضٌ لها.

الدولة تبتلع الدين

عندما دخلت القوى الاستعمارية للعالم العربي والإسلامي حاولت أن تفرض سيطرةً مُطلقة على الدول التي تستعمرها، وبالطبع، كان الدين بكافة مجالاته مساحةً أساسية يجب على القوى الاستعمارية أن تسيطر عليها وتخضعها لسطوتها في محاولةٍ لإنهاء أي مصدر من مصادر المقاومة في المجتمعات المُستعمَرة، وهذا ما حدث بالفعل، فقد سعت الدول الاستعمارية أثناء فرضها «للتحديث» المزعوم أن تقوم بإعادة تنظيم الدين كما تريد، من خلال إعادة تعريف مساحاته ومجالاته، أيّ سعت إلى الحد من أدوار الدين في المجتمع والدولة.

عند بدء تطبيق فكرة «الدولة الحديثة»، بهيكلها وبناها البيروقراطية، كان لا بدّ من هذه العملية لإعادة تنظيم أوراق الدين، فبالإضافة لتحديد مجالاته بوضوح في «الشؤون الشخصية»، برزت أيضًا فكرة «مفتي الدولة»، وهي فكرة استُحدثت في القرن التاسع عشر بهذا الشكل، بعد أن كان منصبٌ دينيٌ كهذا المنصب يتصدره في كثيرٍ من الأحيان رجلٌ من الناس، أيّ أنه «مفتي الأمة» لا «مفتي الدولة» الذي يأتي باختيارٍ مُباشر من الدولة ووفقًا لرضاها. الدولة الحديثة عندما تتعامل مع الدين فهي تريد بشكلٍ أساسيّ إعادة تطويعه وهيكلته ليعمل في إطارها ولمصلحتها، ولذا استُحدث مفهوم «مفتي الدولة» واستحدثت «هيئات علمية» وهيئات للإفتاء رسميّة تشرف عليها الدولة بشكلٍ مباشر.

من هنا يبدأ براون حجته: استعمال الدولة للمؤسسات الدينية وللدين يُفقد العلماء مصداقيتهم عند الجماهير، وهذا يُفقد هذه المؤسسات فاعليتها وتأثيرها. ولأن المؤسسات الدينية لم تُحصر أدوارها فقط في شؤون الحياة الخاصة، وإنما امتدّت نحو أمور أوسع، كالإشراف على المناهج التعليمية، ومُراقبة المساجد والمراكز الدينية وتزويدها بدُعاة وأئمة يُشكّلون كما تريد المؤسسة الدينية، وكذلك تُصدر المؤسسة تفسيراتٍ يتقبّلها الناس للنصوص الدينية، وبذلك نرى أن المؤسسة الدينية تتخلل الحياة اليومية للناس وللأجيال الناشئة، وهذا دورٌ مهم وكبير يُغفله الدارسون للمؤسسات الدينية وأثرها وتوسعها في المجتمعات.

ملك المغرب السابق الحسن الثاني عام 1985 في أحد أيام الجمعة.

هل تستطيع الدول والأنظمة العربية أن تُوازن اللعبة؟ فاستغلال المؤسسة الدينية «مُخاطرة» كما يرى براون؛ فقد تفقد المؤسسة مصداقيتها وشرعيتها عند الناس، وقد يدفع انحيازها للدولة بالناس إلى التنظيمات السرية والعنيفة. هنالك مشكلة أخرى، إذا وازنت الدولة المُعادلة ولم تتدخل أكثر من اللازم فإنها ستخلق فضاءات جديدة «يمكن أن ينتظم فيها المعارضون».

علماء مرتبكون!

بين علامتي تنصيص كبيرة: لايزال لإسلام الدولة صوت قوي، لكنه الآن واحد من جمهرة أصوات أخرى

يمكن أن نقول إنّ العلماء مُحاصرون بين مطرقة السلطة وسندان «الأمّة» أو الشعب. محاولة استغلال الدولة للمؤسسات الدينية تُسبب ارتباكًا عميقًا في داخل هذه المؤسسات، ويخلق بينها صراعات كبيرة تُعبّر عن صراع المصالح في كلّ الدولة.

تكره المؤسسات الدينية أن تظهر في حالة تماهي واندماج مع أهداف وخطاب الحكَّام أو الدولة، لأنها تفقد بذلك لمَعَانِهَا وبريقها عند الجماهير، فالجماهير لا تقبل من العلماء، إلا أن يكونوا صوتًا يُعبّر عن حقائق الإسلام وآرائه، لا عن آراء الدولة. من الواضح أنّ الدولة والمؤسسات الدينية عليها أن تضبط معادلة متزنة تحفظ مصالح الطرفين قدرَ المستطاع، ولكن لسوء الحظ – أو لحسن الحظ! – فإن المعادلة أوسع بكثير من هذين الطرفين، فهي تضمّ القوى الدولية التي تدّعي قيادة حربٍ ضد «التطرف» و«الإرهاب»، وكذلك العنصرُ الأهم «الشعب»، فلا جدوى من مؤسسات دينية وعلماء لا يستمع لهم الناس.

هذه المعادلة الواسعة تخلقُ انفصامًا في المؤسسات الدينية:

  1. القوى الدولية: سعيٌ ضد «التطرف والإرهاب»، وفقًا لفهم لا يراعي تعقيدات الموقف الديني في الدول العربية والمسلمة، ودون دراسة حقيقية لقدرة وأدوات المؤسسات الدينية الرسمية، ودون توافق حقيقي مع أجندة ومصالح الدول التي يُضغط عليها.
  2. الدولة: تعمل الدولة لتحصل على الدعم الديني لسياساتها وأيديولوجيتها، وتسعى لمنع أي شخص آخر من الاستفادة من الدين ومؤسساته بهذا الشكل، والأهم من ذلك أنها تستعمل المؤسسات الرسمية للتعامل مع الجماعات «المتطرفة».
  3. الشعب: ضغط نحو التعبير الصادق عن آلام الناس ومظالمهم وعن الدين وموقفه الحقيقي مما يحدث.

والعنصر الخطير الذي كان وما زال ذا تأثيرٍ بالغ:

  1. العلماء والدعاة من خارج خط الدولة والخط الرسمي: عُنصر خطير يعمل على تقويض احتكار الدولة والمؤسسة الرسمية لسلطة التعاطي مع الدين وتفسيره وتقديمه للناس.

لمَ خطر هذا العنصر كبير؟ لأن ممثلي هذا التيار مُنفصلون عن الدولة وعن مصالحها، ولا تعتمد حياتهم على إنفاق الدولة عليهم، وبآرائهم الحرّة الصارخة يتمايزون تمامًا عن الدولة وأتباعها من رجال الدين، يُسمَّى بعض أفراد هذه الفئة بـ«الدعاة الجدد»، يتمتّعون باتصال قويّ وحقيقي مع الجماهير، من خلال الواقع، أو من خلال متابعتهم لوسائل التواصل الجديدة كـ«تويتر وفيسبوك» وغيرهما من برامج التواصل الاجتماعي التي صارت منصات لتواصل حقيقي مع الناس والجماهير العريضة، وهي منصات لم تعمل المؤسسات الرسمية على استغلالها والدخول فيها إلا متأخرًا، بعد الشعور بالخطر! خطر أن يمتلك المُنشقون عن الخط الرسمي سلطة مشابهة لسلطتهم، فيكسد سوقهم بفقدان الجمهور الذي ينجذب للأحدث في أدواته وأساليبه. من المُثير أن هذه الفئة تكثر فيها الرموز الشابة في مواجهة «كبار العلماء» الطاعنين في السن والذين يراهم الشباب قد دُجنوا ودخلوا في آلة الدولة مُسبقًا.

وفي مواجهة هذا الصنف من الدُعاة والعلماء المُنشقين على المؤسسة والدولة، بدأت تنتشر حرب على ما سُمّي «الفتاوى غير المنظّمة»، ولكن هذا الصراع حول الفتاوى وإصدارها إنما هو صراع سياسي حولَ «من يحقّ له أن يتحدث باسم الإسلام». نعم لا شك في أنه «لايزال للإسلام الرسمي صوت قوي، لكنه الآن واحد من جمهرة».

وصول مطالب من قوى دولية، ومطالب أخرى مختلفة من الدولة ومطالب أبعد وأصعب من الجماهير، وتحدي أجزاء من داخل المؤسسة ومن خارجها، كلها أمورٌ تزيد من تعقيد وصعوبة وضع المؤسسات الدينية الرسميّة.

مُصلّون يؤدون صلاة التراويح في القاهرة.

مصالح العلماء تتضارب

هذه العوامل التي تجعل من العلماء ومؤسساتهم نقاط توتُّرٍ وارتباك، ينتج عنها تضاربٌ في مصالح العلماء ومؤسساتهم المختلفة، ولا أوضح من هذا في مصر، فهو يحوي «الأزهر» أحد أعرق المراكز العلمية في العالم الإسلامي.

صراع داخلي

في مصر هنالك فرقٌ بين «الإمام الأكبر» و«المُفتي» و «وزير الأوقاف». الإمام الأكبر هو شيخ الأزهر، وله سلطات قويّة بتأييد دستوري.

عندما صدر قرار من وزير الأوقاف بتوحيد خطبة الجمعة في أنحاء مصر، اعترضَ الأزهر مُشككًا في الخطوة، ثمّ تمّ اجتماع بين شيخ الأزهر «أحمد الطيّب» وهيئة كبار العلماء، تبعه اجتماع مع الرئيس المصريّ أخذَ فيه ما يشبه دعمًا رئاسيًا خوّله بإسقاط قرار وزير الأوقاف.

يُظهر هذا الحدث أن السلطات الدينية الرسمية ليست على قلب رجلٍ واحد وأنها كغيرها، تدخل فيها الصراعات السياسية وتُفسدها ويبدأ فيها صراعٌ متنامٍ بين المصالح يظهر في الخلافات الكبرى. ولا تقف الأمور عند هذا الحد، بل تتعداها إلى صراعاتٍ مزدوجة؛ صراع داخلي وخارجيّ، بين العلماء أنفسهم وبينهم وبين الدولة وسلطاتها.

صراع خارجي

في خطابٍ للسيسي أمام عددٍ من الشخصيات الرسمية وعدد من علماء الأزهر، طلبَ السيسي إحداث تعديل على مسألة الطلاق الشفوي، وأنهى حديثه الفقهي المُتعجّل بقوله لأحمد الطيّب «ولا إيه يا فضيلة الإمام، تعبتني يا فضيلة الإمام»، ولم تكن هذه المرة الأولى التي يُعاتبه فيها بهذه الطريقة، وتكون استجابة شيخ الأزهر بضحكة خفيفة ثم وجهٍ جاد.

ردّت مشيخة الأزهر ببيان تُقرّ فيه الحكم السابق وترفض فيه اقتراح السيسي، وختمته بعبارة حادة كأنها تُشير إلى السيسي: «على مَن يتساهلون في فتاوى الطلاق.. أن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حل مشكلاتهم على أرض الواقع؛ فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم»، وهل بعد التلميح، إلا التصريح؟

هذه آخر المعارك بين الأزهر والسيسي، وقبلها معركةٌ حامية حول «تجديد الخطاب الديني»، فقد دعا السيسي في بداية عام 2015 إلى تجديد الخطاب الديني، وبدأ حينها الصراع حول مَن يحقُّ له أن يُجدد الخطاب، ومَن يُجدده فعلًا ومن يقدم خطابًا قديمًا؟ وكما فعلَ لاحقًا، عاتب السيسي شيخ الأزهر في موضوع تجديد الخطاب الديني، مؤكدًا أن أنظار العالم عليه وعلى الأزهر، ويبقى منصب شيخ الأزهر هو المنصب الوحيد الذي لا يقدر الرئيس دستوريًا على عزله.

اقرأ أيضًا:الطيب والسيسي.. ماذا تعرف عن صراع الشيخ والرئيس؟

 شبكاتٌ معقّدة

يرى براون أن العالم الغربي وتحديدًا القوى العالمية الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية، عندما تتعاطى مع المؤسسات الدينية الرسمية ضمن تحالفات تسعى لمحاربة التطرف والإرهاب، فإنها لا تُدرك تعقيد الشبكات التي تعمل فيها المؤسسات الدينية، وتظنّ أنها جاهزة لحظة بلحظة لتنفيذ مطالبها، وتنسى أن للدول الصغيرة مآرب خاصة من هذه المؤسسات، علينا أن ندرك أنَّ «المؤسسات الدينية الرسمية هي هياكل معقّدة للغاية وذات أجندات فضفاضة ومتضاربة أحياناً، لذا قد تكون مساعي توجيه دفّتها باتّجاه معيّن دون آخر غير ناجعة وغير عملية، حتى أن بعض هذه الأجندات قد لايتقاطع على نحوٍ وثيق مع الأهداف التي تصبو الأنظمة إلى تحقيقها على المدى القصير».

كذلك، لم يُناقش هل المؤسسات الدينية الرسمية «شريكٌ في النضال لمواجهة التطرّف العنيف، أم مجرّد أبواق لأنظمة سيئة السمعة، أم حاضنات للتيارات الراديكالية؟ كلٌ من هذه التوصيفات الثلاثة تتضمن قدراً من الصحة» بدرجات متفاوتة تختلف باختلاف البلد والحاضنة العلمية الدينية الموجودة فيه.

تستخدم المؤسسات الدينية الرسمية طريقين للحفاظ على وجودها وسلطتها:

  1. استعمال وسائل وأدوات جديدة: تسعى المؤسسات الرسمية إلى تعزيز مواقعها من خلال استخدام وسائل وأدوات وتقنيات جديدة، للتواصل مع الآخرين أو لعرض الأفكار والفتاوى ولفتح الباب لــ«العامَّة» ليقوموا باستفتاء العلماء. فمثلًا، في الكويت قامت وزارة الأوقاف بتحويل مصارف الصدقات لتصبَّ في مشاريع إنمائية تخدم المجتمع المحليّ بشكلٍ أكثر احترافية. وقام عددٌ من العلماء -كبار في السن – في عدّة دول، بافتتاح مواقع انترنت خاصة بهم وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تتيح إرسال الأسئلة والاستفتاءات بشكل سريع.
  2. استغلال مساحات استقلال المؤسسات الدينية عن الدولة والسلطة، لتزيد من مصداقيتها والتفاف الناس حولها، وفي كثير من الأحيان لا تنزعج الدولة من هذه الاستراتيجية بل تُؤّيدها لأنها تزيد من تأثير وفاعلية المؤسسات الدينية، وتسمح لها بضمّ المنشقين المُحتملين وتهذيبهم، وبدخولهم للمؤسسات الرسمية يصبحون تحت رقابةٍ أكثف.

ولكن هنا تبرز المُعضلة التي ذكرناها سابقًا، «اللعبة الموزونة»، فإما أن تُفسح الدولة المجال للمؤسسات الدينية لاكتساب المصداقية ولمقاومة «التطرّف»، وإما أن تهبط بكل ثقلها لتراقب وتوجه الشعب والناس من خلال المؤسسات الرسمية، والدولة عندما تفعل ذلك فليستا «الليبرالية أو الولاء هما السبب الذي يدفع الأنظمة إلى إرخاء الحبل أكثر للمؤسسات الرسمية، بل إدراك حجم المشاكل التي يمكن أن يُحدثها الإفراط في شدّه».

ختمَ براون ورقته البحثية بقوله الذي لَخًّص فيه كلامه: « فأيًّا كان الخيار الذي تتّخذه الأنظمة، ستظلّ المؤسسات الدينية تتخبّط في خضمّ النوازع التي تتجاذبها، بدءًا من أولوياتها ومصالحها ورسالتها، وصولًا إلى مطالب قواعدها الشعبية المتنافسة داخل المجتمع، والدولة والمجتمع الدولي».

عرض التعليقات
تحميل المزيد