أعلن الديوان الملكي يوم الجمعة الماضة عن وفاة عبد الله بن عبد العزيز ملك السعودية، وتولى الملك سلمان حكم البلاد؛ مما أثار تكهنات حول تغيير المملكة لسياستها النفطية حتى انطلقت أسعار النفط العالمي مرتفعة بنحو 2 %، حتى وصل إلى 49 دولارًا للبرميل في ساعات قليلة؛ مما دفع الملك الجديد للخروج مسرعًا بخطاب بثه التليفزيون صرح فيه بأن “العصا مع السياسات الصحيحة التي تتبعها المملكة منذ تأسيسها” وأشار لتمسكه بعلي النعيمي وزير النفط السعودي وصاحب القرار في زيادة الإنتاج النفطي السعودي نحو 9.5 برميل يوميًّا بنسبة 10% من الإنتاج العالمي، ليكن صاحب اليد في خفض أسعاره بنحو غير مسبوق.

سلمان بن عبد العزيز الحاكم الجديد لأكبر اقتصاد بالعالم العربي من حيث الإنتاج المحلي هو صاحب سياسة معتدلة يقاومها خوف من أي تغييرات حادة في السياسة التي تتبعها العائلة المالكة، خصوصًا وأنه يحاول التغلب على تحديات السياسة الخارجية بالعالم، والفوضى باليمن المجاورة، وحدوده المهددة مع العراق من الجانب الآخر.

منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) المكونة من 12 دولة والمسؤولة عن حوالي 40% من إمدادات النفط العالمية لم تبد تخوفًا من وفاة عبد الله بعد تصريحات سلمان ببقاء الأمر كما هو, فالسعودية أكبر الدول إنتاجًا للنفط بين الأعضاء، والمساعدة لأوبك في هدفها من خفض أسعار النفط، ولا تأمل بوجود منافس للسعودية في دورها حتى وإن أضر السعر الحالي بميزانية المملكة، لكنها لا تود خسارة حصتها بالسوق أمام إيران والعراق الذي بدأ بضخ كميات غير معهودة من النفط منذ 35 عامًا.

مخاوف كثيرة ورغبات في الطمأنة يقودها سلمان وحده مقابل ضغوط داخلية وخارجية تجاه سياسة عبد الله التي توقعت قوى كبرى وفاتها معه, يقابل ذلك تفاؤل من البعض بتحول مقاليد الحكم على النفط من السعودية أو تخفيف وطأة الضغط على سعر النفط، مع المراهنة على دبلوماسية الملك الجديد ليظل النفط متأرجحًا بأسعاره بين تخمينات قد تنتهي خلال أشهر.

سياسة عبد الله القاسية متفردة بالحكم على سوق النفط

ملك السعودية الراحل عبد الله بن عبد العزيز

لفهم سياسة السعودية تجاه النفط علينا العودة لنوفمبر 2014، ففي ذلك الوقت تراجعت أسعار النفط العالمية لارتفاع إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، إلى جانب تراجع الطلب في أوروبا وآسيا، ليصبح النفط أكثر من حاجة العالم إليه حتى هبطت الأسعار بشدة.

ازدادت الحاجة لاجتماع كبير لمنظمة أوبك 27 نوفمبر على افتراض أن تقوم المنظمة التي تضخ 40% من النفط في العالم بخفض الإنتاج من أجل دعم الأسعار، وإنقاذ دول مثل إيران والعراق وفنزويلا التي تحتاج لرفع أسعار النفط لتعديل ميزانياتها, لكن (أوبك) قررت بأغلبية المنظمين الإبقاء على مستوى الإنتاج عند 30 مليون برميل يوميًا بدافع من السعودية، والتي كأكبر منتج في أوبك رفضت خفض الأسعار لخنق منتجي النفط الصخري عالي التكلفة كأمريكا وكندا, بسبب قرارات السعودية وزيادتها الإنتاج تحطمت أسعار النفط العالمية لتصل إلى أقل من 50 دولارًا للبرميل، وبأمريكا لأرخص مما كانت عليه وقت الأزمة المالية العالمية في 2009.

ساعد تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي والضغط على دول أوروبا والارتفاع السريع في الطلب الصيني على النفط كعامل حسم لسوق النفط العالمية، مع سياسة ليس من المحتمل استمرارها, فالاقتصاد الصيني قد بدأ هو الآخر في التباطؤ وهو ما يعني تباطؤ في الطلب على النفط. وفي الوقت نفسه تمكنت ليبيا من زيادة إنتاجها أربعة أضعاف إنتاجها النفطي وإن كان لبعض الوقت إلا أنه دافع لاستمرار انخفاض السعر دون توقع تدخل من (أوبك) التي بذلت تريليونات الدولارات على مدى السنوات القليلة الماضية لخفض الأسعار.

وزير النفط علي النعيمي بين الاستمرار والتنحي

وزير النفط السعودي علي النعيمي

رجل النفط السعودي الأول ووزيره علي النعيمي الداعم الأول لسياسة السعودية، والمهيمن على منصبه منذ عام 1995 قال في ديسمبر الماضي إنه لا يهمه إذا تحطمت الأسعار ووصلت إلى 20 دولارًا للبرميل، وأنه لن يتزحزح عن موقفه وليس في مصلحة منتجي أوبك أن تخفض السعودية إنتاجها, وأبقى ملك السعودية الجديد على وزير البترول علي النعيمي وما يقرب من جميع أعضاء مجلس الوزراء في منصبه يوم الجمعة في رسالة تهدف إلى تهدئة مخاوف سوق الطاقة عقب وفاة الملك عبد الله الأسبوع الماضي.

وتجمع سياسة النعيمي بين المعرفة والمهارات التي تربط العائلة المالكة بالدوائر الأخرى بالمملكة والسياسة الخارجية, وكان هو من قاوم من أجل الاستراتيجية الحالية للسعودية, ففي نوفمبر كان للنعيمي دور فعال في إقناع الدول المصدرة للنفط (أوبك) للحفاظ على إنتاج عالمي بمعدل 30 مليون برميل يوميًّا من أجل إجبار أسعار النفط على الانخفاض وزيادة حصة السعودية في السوق العالمي,  لكن رجل النفط يبلغ اليوم من العمر 79 عامًا، ويقال إنه يفضل التقاعد وقضاء بعض الوقت في أعمال أخرى مثل دوره كرئيس جامعة العلوم والتقنية، لكنه ظل بمنصبه بناءً على طلب الملك الراحل.

الملك سلمان يحاول الاستقرار في حالة من عدم اليقين والصعوبات

الملك سلمان بن عبد العزيز

حاول الملك الجديد الحفاظ على الأسواق العالمية وإنقاذ سعر الخام الأمريكي فور وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز يوم الجمعة الماضية، والتأكيد على أنه لا تراجع في استراتيجية البلاد لدفع أبرز المصدرين للحفاظ على مستوى عالٍ من الإنتاج، ليضع سلمان عزمه تحت اختبار مقبل بين ركود أسعار النفط، والضغوط الاقتصادية التي طالت مملكته، وأسباب أخرى قد تعوقه مثل:

1- أن الملك الجديد بعمر الـ79 وبصحته السيئة لا يعتقد في قدرته على إقناع أوبك ودول الخليج للحفاظ على الأسعار وسط الضغوط المالية، مع تقديرات صندوق النقد الدولي لانزلاق إيرادات السعودية وحلفائها نحو 300 مليار دولار في عامنا الجديد.

2- تجذب سياسة السعودية النفطية انتقادات الدول الكبرى المتضررة، ومن ناحية أخرى فتسيطر على العالم مخاوف من عدم الاستقرار في منطقة اليورو بعد فوز حاسم لحزب سيريزا اليساري المناهض للتقشف في انتخابات اليونان في وقت صعب قد تشهده ولايات أمريكا فيما وصف بعاصفة ثلجية تاريخية توقع المسؤولون أن تتسبب في سقوط ثلوج يصل ارتفاعها قرابة المتر خلال الأيام المقبلة لتشل حركة الملايين.

3- وقد أشار أعضاء العائلة المالكة الأصغر عن ضيقهم بشأن تراجع عائدات النفط، والتي أضعفت احتياطي المملكة بحجم 750 مليار؛ مما يؤدى لخفض الميزانية بالنهاية، ويهدد شبكة الأمان الاقتصادي بالمملكة، ويؤثر على رواتب القطاع العام وقطاع دعم الطاقة، حيث إن المملكة العربية السعودية تعتمد بشكل كبير على عائدات النفط لتمويل حكومتها، وتعتمد الميزانية السعودية 90٪ على النفط، وقد قال الأمير الوليد بن طلال مساعد وزير البترول وأحد أعضاء العائلة المالكة إنه ليس من محبي قرار الإبقاء على الإنتاج المرتفع للنفط.

4- وأخيرًا فإن عددًا من كبار المسؤولين بما في ذلك النعيمي وزير النفط البالغ من العمر 79 عامًا، ووزير الخارجية المريض، سعود الفيصل كانوا في مناصبهم لفترة طويلة، ويشاع أنه تم الاحتفاظ بهم لعلاقتهم الشخصية مع الملك عبد الله ليصبح هذا الوقت مناسبًا لتخليهم عن مناصبهم، خاصة بعدما هدأت مخاوف انتقال الحكم.

أمريكا الفائز في كل الحالات بإنتاج نفطي مزدهر

أصبح الصخر الزيتي الأمريكي عاملاً مؤثرًا في سوق النفط العالمية بالطريقة التي لم يكن من الممكن تخيلها قبل خمس سنوات. وقال سماسرة إن أي انتعاش محتمل للنفط حد منه ارتفاع سعر الدولار الأمريكي إلى أعلى مستوى له في 11 عامًا مقابل باقي العملات, أمريكا المطمئنة بعدما حولتها طفرة الإنتاج الصخري الأمريكي من أكبر مستورد للنفط في العالم إلى واحدة من أكبر الدول المنتجة للخام – بعد السعودية مباشرة- حيث تضخ أكثر من تسعة ملايين برميل يوميًّا.

بعدما انخفضت أسعار النفط حتى النصف تقريبًا مع قرارات أوبك بعدم خفض الإنتاج في العام الماضي دفع ذلك بالولايات المتحدة الأمريكية المستهلك الأكبر للنفط بالعالم لضخ المزيد من النفط لتصل حتى 10.1 مليون برميل يوميًّا كأكبر زيادة منذ عام 2001، لتصبح أمريكا الآن مرة واحدة أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم، والمنتج البديل للسعودية بعد خوف استمر نحو 6 سنوات من نفاذ النفط الأمريكي وارتفاع جنوني بأسعاره.

مع ثورة النفط والغاز الأمريكية غير التقليدية وتقدم أمريكا التكنولوجي في التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي لإنتاج النفط الصخري جعل هذا من الولايات المتحدة الأمريكية المنافس الأول لروسيا، بل وتغلبت عليها لتصبح عقبة بإنتاجها الوفير وتقنياتها للبحث عن النفط ونتائجها المذهلة التي رفعت الإنتاج بنسبة 80%، وبزيادة قدرها 4.1 مليون برميل يوميًّا، وهو أكبر مما تخرجه أي بلد في منظمة (أوبك) عدا المملكة السعودية، ليبدأ وهم الاستقلال الأمريكي النفطي في التحقق مع بيانات من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عن احتياطي النفط الخام الأمريكي الذي يكفي الولايات حتى 14 عامًا مقبلاً.

علاقة دبلوماسية سعودية محتملة مع روسيا وإيران

الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في زيارة للسعودية عام 2007

مع احتمال لأن تكون زيادة أسعار النفط الطفيفة بعد وفاة عبد الله بن عبد العزيز مؤقتة مع عدم وجود نية في تغيير سياسات السعودية النفطية إلا أن هناك اعتقادًا متفائلاً بتغير قد يطرأ على العلاقات الثنائية الروسية السعودية وسياسات خارجية أخرى رغم مخاوف المملكة من فقدان حصتها في السوق إذا قللت من إنتاجها النفطي.

مع جنوح الملك سلمان للاعتدال في سياسته، وعدم رغبته في التفريق في دبلوماسيته، فيتوقع خبراء الاقتصاد ارتفاعًا في أسعار النفط حتى 80 دولارًا للبرميل، لأن السوق العالمي لن يتحمل زيادة المعروض، وهو الأمر الذي يثير بعض الآمال لأن تغيير السعودية – وإن لم يكن تغييرًا سريعًا- من سياستها مع إيران والعراق وسوريا والتي تصب في النهاية في مصلحة روسيا وتوقع فرص جديدة في مجال الاستثمار وإحياء مناقشات حول اقتراح روسيا عام 2007 بخلق مناطق أمن عسكري في الشرق الأوسط من الممكن الموافقة عليها بعد تهديدات ضد الحدود السعودية العراقية.

يعتقد بعض المراقبين أن يخفض الملك الجديد إنتاج النفط من طرف واحد لتخفيف الضغط على طهران وبدء حوار بناء بين البلدين, فمنذ وفاة الملك عبد الله النظام الإيراني يكثف حملة من العلاقات الدبلوماسية لدفع العلاقات نحو نهج جديد للحوار حول المشاكل الإقليمية؛ مما يعتبر طوق نجاة وحيد إذا نجحت تلك البادرة السعودية وتلك أيضًا تعتمد على افتقار الملك سلمان لعزم وبأس عبد الله.

للمزيد عن أزمة النفط العالمية:

الفوائد الأمريكية والنفط العربي يسوق العالم لأزمة مالية جديدة

التداعيات الاقتصادية لقرار “أوبك” بعدم خفض إنتاجها من النفط

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد