في الوقت الذي لم ينجح التقشف بالجزائر في تحقيق أهدافه، تحاول الحكومة الجزائرية إنقاذ ما يكن إنقاذه من اقتصاد البلاد الذي فشل في تجاوز أزمة هبوط أسعار النفط في السنوات الأخيرة، فبين دعم الصادرات، ومحاربة الفساد، تقود الحكومة حربًا ضارية لمنع مزيد من التدهور بالاقتصاد، الذي لم يوقفه خطط خفض الإنفاق العام، وتجميد مشاريع كبرى للبنية التحتية، وبات عرضه لتوقعات المحللين باقتراب موعد الانهيار، خاصًة أن احتياطات الجزائر من النقد الأجنبي تتآكل بشكل متسارع؛ إذ فقدت في ثلاثة أعوام ما يفوق 76 مليار دولار، نزولًا من 193 مليار دولار نهاية 2013، إلى 114 مليار دولار نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2016.

وتعاني الجزائر – إحدى دول منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، التي يبلغ معدل إنتاجها من النفط نحو مليون و200 ألف برميل يوميًا، وتمثل مبيعات الطاقة 60% من إيرادات الميزانية الحكومية – من تهاوٍ في إيراداتها بأكثر من النصف خلال عامين، وذلك بسبب هبوط أسعار النفط، إذ انهارت إلى 27.1 مليار دولار نهاية سنة 2016 من 60 مليار دولار عام 2014، وسط هبوط سعر البرميل من 120 دولارًا إلى معدل 55 دولارًا في الوقت الحالي.

وفي ظل التوقعات العالمية بأن يستمر النفط على هذه الأسعار المنخفضة يصبح الاقتصاد الجزائري في مأزق كبير، ويحتاج إلى حلول سريعة، إذ قال: بريان جيلفاري المدير المالي لشركة «بي.بي» البريطانية مؤخرًا: «إن شركة النفط العملاقة تتوقع أن تتحرك أسعار النفط في نطاق بين 45 و55 دولارًا للبرميل العام المقبل، مع نمو إنتاج النفط الصخري الأمريكي، ومن المتوقع أن تظل أسعار خام القياس العالمي (مزيج برنت) دون تغيير في 2018؛ إذ من الممكن أن يرتفع إنتاج النفط الصخري عند هذه المستويات؛ مما يحد من صعود الأسعار»، قائلًا: «بالنسبة لعام 2018، سعر في حدود 45 إلى 55 دولارًا للبرميل، نطاق جيد على الأرجح».

وتشير هذه التوقعات إلى أنه ربما تنخفض إيرادات الجزائر عن مستوى 27.1 مليار دولار التي حققتها نهاية سنة 2016؛ وذلك لأن البلاد من المفترض أنها ستخفض الإنتاج أكثر، وفق اتفاق خفض الإنتاج بين (أوبك) والمنتجين من الخارج، والتي تشارك فيه الجزائر، ومن المتوقع كذلك أن يلجأ المنتجون لمزيد من تعميق خفض الإنتاج، وهو الأمر الذي يزيد من الضغوط على البلاد، ويجعلها مطالبة بالبحث عن حلول بديلة لتلافي الانهيار.

يحاول هذا التقرير مناقشة عدد من العوائق والمشاكل أمام الحلول والبدائل الاقتصادية، التي يمكن أن تلجأ لها الجزائر أو لجأت لها بالفعل، ولكن مازالت لم تحقق المأمول منها، في ظل تحديات صعبة أمام البلاد.

الحرب على الفساد

كغيرها من البلدان العربية، تعاني الجزائر  من الفساد السياسي والاقتصادي، ولا شك أن الخطوة الأولى في معركة الجزائر للتغلب على الظروف الاقتصادية الحالية هو شن حربٍ على الفساد في نظر حتى بعض مسؤوليها، وهو الأمر الذي بدأ بالفعل، مع تعيين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لعبد المجيد تبون رئيسًا للحكومة، خلفًا لعبد المالك سلال، في مايو (أيار) الماضي، إذ بدأ تبون طريق محاربته للفساد بالاعتراف أولًا بوجوده، وذلك على عكس كل من شغلوا هذا المنصب في السابق، وهو الأمر الذي لاقى قبولًا واسعًا بين أوساط الجزائريين.

سيكون من اليوم وصاعدًا – هناك – حدود واضحة بين الدولة ورجال الأعمال، وسيتم التفريق بين السلطة والمال *عبد المجيد تبون.

هكذا أعلنها رئيس الحكومة الجزائري صراحًة، وذلك خلال عرضه لمخطط عمل الحكومة أمام البرلمان، قائلًا: إن «الجزائر هي بلد الحريات، ومن حق أي مواطن أن يمارس السياسة، لكن بفصلها عن المال»، فيما تراهن حكومة تبون على مواصلة الحفاظ على المكتسبات الاجتماعية، وتعزيزها وإرساء أكبر قدر من الشفافية في النشاط الاقتصادي والتجاري، وتحسين مُناخ الأعمال، وذلك بالفصل بين المال والسلطة، وليسبح كل في فلكه.

اقرأ أيضا:

وبالرغم من أن خطوة تبون في غاية الأهمية، بل إنها من أهم طرق الإصلاح الاقتصادي في البلاد، إلا أنها من الصعب أن تؤتي ثمارها سريعًا، إذ إنه من المعلوم أن محاربة الفساد دائمًا ما تستغرق سنوات طويلة، وهو الأمر الذي لا يتناسب مع الوضع الحالي في الجزائر التي تحتاج إلى عوائد مالية عاجلة، فيما يرى خبراء أن استفحال الفساد وسوء الإدارة والرؤية الاقتصادية الضعيفة تمثل عقبات كبيرة أمام محاولات الحكومة الجزائرية للخروج من الأزمات الاقتصادية، إذ إن تغلغل ممارسات الفساد والتحايل أدّت إلى استنزاف احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي.

في الوقت ذاته سرعت حكومة تبون من خطاها في الفترة الأخيرة لأجل تطهير الاقتصاد من الفساد، ولا سيما بعد تلقيها معطيات خطيرة تتعلق بهيمنة بعض رجال الأعمال المحسوبين في وقت سابق على السلطة على الاستثمارات الحكومية خلال السنوات الأخيرة، إذ اتجهت إلى مراجعة ملفات حساسة، مثل التصدير والصناعة والاستثمارات وتركيب السيارات، وخلافه، لكن لا يمكن أن تكون النتائج جيدة بدون الاعتماد على قطاعات اقتصادية أخرى بجانب النفط، على أن تظهر نتيجة الحرب على الفساد في الأجل الطويل.

الميزان التجاري

لا شك أن من أكثر البدائل المطروحة لحل الأزمة في الجزائر دعم الصادرات ومحاولة تقويض الواردات، وبالفعل أطلقت الجزائر عدة مشروعات اقتصادية في قطاعات السيارات والأسمنت والنسيج والوقود والحديد والصلب، على أمل كبح فاتورة الواردات ونزيف النقد الأجنبي، والتحول تدريجيًا إلى التصدير خلال السنوات القليلة المقبلة، ولكن هذا التوجه مازال يعاني عدة عوائق كذلك.

وكان العجز التجاري الجزائري – الفرق بين الصادرات والواردات – سجل تراجعًا بنسبة 54.14%، خلال النصف الأول من العام الجاري، ليستقر عند 4.84 مليار دولار، مقابل 10.57 مليار دولار بذات الفترة من العام الماضي، وذلك حسبما أفاد المركز الوطني للإعلام الآلي والإحصاء للجمارك الجزائرية (حكومية)، وهو ما يكشف عن الاتجاه القوي نحو علاج الخلل الكبير بالميزان التجاري، وهو ما يعد من أهم ما يجب أن تقوم به الجزائر للمضي قدمًا في الإصلاح الاقتصادي.

وبلغت قيمة صادرات البلاد نحو 18.141 مليار دولار في النصف الأول من العام الجاري، مقابل 13.323 مليار دولار في نفس الوقت في 2016، بارتفاع نسبته 36.2%، أي ما يعادل 4.82 مليار دولار، بينما سجلت الواردات تراجعًا طفيفًا لتصل قيمتها إلى 22.986 مليار دولار مقابل 23.89 مليار دولار، بانخفاض بلغ 3.8%، أي ما يمثل 904 مليون دولار.

وبالرغم من أن هذه الأرقام تبدو جيدة، إلا أنها في الواقع لا تدل على التنوع؛ إذ شكلت المحروقات نصيب الأسد من صادرات الجزائر بنحو 95.75% من الحجم الإجمالي للصادرات، بقيمة 17.19 مليار دولار، مقابل صادرات هامشية للمنتجات الأخرى بخلاف النفط، حيث بلغت 952 مليون دولار أي بحصة 6.25%.

على الجانب الآخر، وبالرغم من الإجراءات التي أقرتها الحكومة الجزائرية لكبح فاتورة الواردات، والتي شملت السيارات ومواد البناء والحمضيات والفواكه الاستوائية، والشوكولاته وأدوات التجميل ولعب الأطفال، فإن تراجع الواردات يكاد لا يذكر؛ إذ انخفضت قيمتها إلى 22.986 مليار دولار مقابل 23.89 مليار دولار، وهو ما يكشف عدم قدرة الدولة على الاعتماد – ولو قليلًا – على المنتج المحلي، وهو ما يقود إلى التساؤل عن كيف ستقوم الجزائر بالتصدير في الوقت الذي لا يوجد بها منتج محلي قادر على المنافسة محليًا؟

في الواقع منذ اندلاع أزمة النفط كان دائمًا ما يتم الحديث عن التصدير كبديل، إذ يرى أستاذ العلوم الاقتصادية في جامعة الجزائر كمال رزيق، أن «التصدير أصبح عنوانًا براقًا، كما كان عليه الحال مع تنويع الاقتصاد الذي ملأ خطابات الحكومة من قبل، لكن الأهم الآن ما هي الأشياء التي يمكن أن نصدرها، والتي لم نرها ورأتها الحكومة، حتى تتباهى بتحقيق خطوات في سبيل ترقية الصادرات».

هذا الأمر أكده كذلك عبد الغني عوني عضو غرفة التجارة والصناعة في محافظة بسكرة (جنوب شرق الجزائر) في تصريح لـ«العربي الجديد» قائلًا: «ثمة صعوبات جوهرية تؤكد أن الحديث عن التصدير يتطلب وجود ما نصدره أولًا، ثم وجود الآلية التي ينقل بها ما نصدره، والعاملان غائبان في الجزائر»، ومن يجب أن يحدد أولًا ما يتم تصديره، بناء على دراسة موضوعية للقدرات الإنتاجية للبلاد، وربما يستغرق هذا الأول وقتًا كذلك.

القروض الخارجية

الجزائر لن تلجأ إلى الاستدانة الخارجية مهما كانت صعوبة الظروف المالية

هكذا أكد تبون الأحد الماضي، قائلًا: إن الجزائر لن تلجأ إلى الاستدانة الخارجية، بالرغم من الصعوبات المالية التي تعيشها جراء تراجع أسعار النفط، إذ أوضح خلال الاجتماع التحضيري للثلاثية المقبلة (حكومة – نقابة – أرباب العمل) أن «اللجوء إلى المديونية الخارجية أمر ممنوع، ولا نقبل ولو بمجرد التفكير في ذلك؛ لن نرهن سيادتنا مهما كانت الظروف، وهذا امتثال لتعليمات رئيس الجمهورية».

رئيس الحكومة أكد أن وضع بلاده صعب، إلا أنه يرى أن الجزائر مازال لديها من الإمكانات المادية؛ ما يسمح بمواصلة تمويل المشاريع التنموية ذات الأولوية، لاسيما في قطاعات السكن والصحة والتعليم وتسديد الأجور، وبهذه التصريحات يغلق تبون الباب حول الحديث عن الاستدانة الخارجية كحل مؤقت تلجأ له الدول في حال التعسر الاقتصادي.

وفي مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، حصلت الجزائر على قرض من البنك الإفريقي للتنمية إقراض بقيمة 995 مليون دولار، واعتبر الخبراء أن هذا القرض هو فاتحة لمجموعة قروض خارجية أخرى بعد امتناع استمر سنوات، من أجل مواجهة مطالب اقتصادية واجتماعية ملحّة.

وأعلن البنك الإفريقي للتنمية عن منح الجزائر هذا القرض لمساعدتها في دعم برنامج التنافسية الصناعية والطاقة، ومن أجل ضبط الأوضاع المالية للبلاد من خلال تحسين تعبئة الإيرادات وترشيد النفقات، والمساهمة في خلق اقتصاد متنوع وثروة داخلية، فيما يعد هذا القرض الأول من نوعه منذ السداد المبكر للديون الخارجية عام 2008، التي قاربت على 33 مليار دولار أواخر 2007، وعلى ما يبدو سيكون الأخير في الوقت الحالي بعد تأكيدات تبون.

السوق الموازية

تعد السوق الموازية للعملة في الجزائر من أصعب المشاكل التي تواجه البلاد، إذ تستقطب الأسواق الموازية أموالًا ضخمة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، ويشدد خبراء اقتصاد على أن تدهور الدينار في السوق الموازية «السوداء» أمر يؤكد أن السعر الرسمي لم يكن يومًا حقيقيًا أو معبرًا عن قيمة الدينار، وفي ظل استمرار السوق الموازية، فإنها تحرم الجزائر من تحويلات مواطنيها المقيمين بالخارج، والتي قدرها البنك الدولي في آخر تقرير له بنحو ملياري دولار سنويًا كلها تصب في قنوات السوق الموازية بسبب هامش الربح الكبير الذي تقدمه لزبائنها.

وبالرغم من خطورة الأزمة، إلا أن الحكومة تقف عاجزة، في الوقت الذي أعلنت خلال مناسبات عدة عزمها على القضاء على هذه السوق، إلا أنها فشلت في ذلك حتى الآن، وهو ما أعلن عنه محافظ البنك المركزي محمد لوكال على هامش عرضه التقرير السنوي للبنك على أعضاء مجلس الأمة (مجلس الشيوخ) حينما أكد أن الحكومة عاجزة عن التصدي لهذه الظاهرة.

ومؤخرًا قال رئيس الوزراء: إن حكومته تنوي استقطاب الكتلة النقدية المتداولة في السوق الموازية، وضخها في اقتصاد البلاد، لتفادي اللجوء للاستدانة الخارجية، فيما تشير تقديرات خبراء ومختصين جزائريين إلى أن قيمة الكتلة النقدية المتداولة في السوق الموازية، تتراوح بين 40 – 60 مليار دولار، تتألف من نقود موجودة بين أيدي المواطنين في البلاد، والتي يتم ادخارها بعيدًا عن البنوك، والقنوات الرسمية لأسباب دينية في المقام الأول.

وكان البنك المركزي، أكد أن تعويم العملة ساهم في امتصاص آثار الصدمة النفطية، مشيرًا إلى أن نسبة التعويم بلغت نحو 20% منذ بداية الأزمة النفطية منتصف 2014، فيما يبلغ سعر صرف العملة المحلية الجزائرية (الدينار) الرسمي لدى البنوك 108 دينار مقابل 1 دولار، و122 دينار مقابل 1 يورو، بينما يبلغ في السوق السوداء 175 دينار مقابل 1 دولار، و190 دينار لـ 1 يورو.

على كلٍ تحتاج الجزائر لحل هذه الأزمة بشكل عاجل، وذلك لأن السوق الموازي من أكبر العوائق أمام الاستثمارات الأجنبية، والجزائر في حاجة شديدة للاستثمارات في هذا الفترة الصعبة.

البطالة والتضخم

كشفت دراسة حديثة أنجزها مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية المعروف اختصارًا بــ(كرياد) – وهو موقع حكومي – أن ثلث الشباب الجزائري الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا تركوا مقاعد الدراسة، ولم ينخرطوا في سوق العمل؛ مما يعني أن نحو 3.5 ملايين شاب وشابة جزائرية من مجموع 11 مليون خارج دوائر الدراسة وسوق العمل.

وشهدت الجزائر خلال السنوات الخمس الأخيرة احتجاجات واسعة ضد البطالة، خاصة في مناطق الصحراء الغنية بالنفط، وهو الأمر الذي يجعل أزمة البطالة من أولويات الحكومة في الوقت الحالي، كما أن حل أزمة البطالة سيسهم بشكل كبير في حل الأزمة الاقتصادية الحالية، فيما يكشف أستاذ الاقتصاد بمعهد العلوم الاقتصادية في جامعة عين تموشنت (504 كلم غرب العاصمة الجزائر) كمال سي محمد أن «نسبة البطالة العامة في الجزائر ارتفعت إلى ما يقارب 11% حسب أرقام رسمية، خاصة بالديوان الوطني للإحصاء»، فيما ترجع أسباب البطالة في البلاد إلى الضعف الاقتصادي في الجزائر؛ بسبب الاعتماد على عائدات النفط.

على الجانب الآخر، ووفقًا لبيانات للمركز الوطني للإحصاءات التابع للجمارك (حكومي)، استقرت وتيرة التضخم في الجزائر على أساس سنوي حتى نهاية أبريل (نيسان) الماضي، عند حدود 7% وهي ذات النسبة المسجلة نهاية مارس (آذار) وفبراير (شباط) الماضيين.

وبالرغم من أن نسبة التضخم أقل نسبيًا من بلدان عربية أخرى، إلا أن الأسواق الجزائرية تشهد ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار الخضار والفاكهة للمرة الأولى منذ سنوات، إذ ارتفعت بعض أسعار الخضروات بأنواعها، ووصلت الزيادات في بعض المنتجات إلى 1000% في ظاهرة لم تحدث من قبل، فيما تسعى الحكومة لتشديد الرقابة على المضاربين وفرض التعامل بإظهار أسعار المنتجات ومراقبة مدى مطابقتها للقوانين، وتحتاج البلاد لحل هذه الأزمة لتهيئة مناخ الاستثمار في الجزائر وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!