تصطف مئات السيارات أمام محطات الوقود في مناطق النظام السوري من أجل ملء خزاناتها بـ20 لترًا من البنزين هي حصتها المحددة لخمسة أيام، فقد أصبح مشهد الطوابير الطويلة أمام تلك المحطات حاضرًا بقوة بسبب العقوبات الأمريكية على إيران التي أوقفت الخط الائتماني الإيراني لإمداد سوريا بالنفط، وكذلك بسبب عقوبات خاصة لقطع إمدادات الوقود عن النظام.

في إحدى تلك المناطق، وتحديدًا أمام محطة وقود تقع في حي القصور وسط العاصمة دمشق، لم يتحمل عناصر من المليشيات العسكرية التابعة للنظام الانتظار حتى التعبئة وفق مخصصات البطاقة الذكية، فحاولوا التهجم على عمّال محطة الوقود.

وحتى ما سبق يبدو الأمر في إطار المتوقع، لكن الصاعقة تمثلت في قيام تلك العناصر بتوجيه سيل من الشتائم إلى رئيس النظام بشار الأسد وعائلته في عقر عاصمته، لقد أُهين الأسد بصوت مرتفع، ليبدو أن «الشبيحة» كما يسميهم المعارضون قد استنزفوا كل صبرهم أمام أزمة المحروقات التي تشهدها دمشق، وربما الأكثر مفاجأة هو وصول دوريات من «فرع الأمن الداخلي» سيء الصيت لإبعاد العناصر التي شتمت الأسد دون اعتقالهم!

واشنطن تشدد قبضتها لمنع وصول الوقود للأسد

فرضت الولايات المتحدة والدول الغربية عقوبات على النظام السوري بالتزامن مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وهي العقوبات التي أدت مع ظروف الحرب إلى شل قطاع صناعة النفط الذي كان قائمًا في ظل اقتصاد فاسد يتغلل فيه سوء الإدارة.

فقد عرقلت الحرب السورية إنتاج النفط الذي كان يوفر 20% من إيرادات النظام، فقبل عام 2011 كان النظام ينتج ما قدره 350 ألف برميل من النفط الخام يوميًا، ويعود ذلك التراجع إلى استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على بعض المناطق الغنية بالنفط، فيما استولت القوات الكردية على مناطق أخرى.

وتحت هذه الظروف دعم الإيرانيون النظام بالنفط كما دعموه بالأسلحة والمقاتلين، ففتحت طهران خط ائتمان بقيمة 3 مليارات دولار لإمدادات النفط للنظام منذ عام 2013،  ومثّل هذا الخط حبل نجاة مالي لاقتصاد النظام الذي زُود بالنفط بدون مقابل، وكذلك ساهمت روسيا في تغطية النقص في غاز الطهي في مناطق النظام، بعد أن شهد العام  2013 خسائر كبيرة في قطاعات الغاز والنفط والثروة المعدنية، فخسائر الشركة السورية للغاز وحدها قدرت بـ2.5 مليار دولار.

بيد أن أحد أبرز نتائج فرض العقوبات الأمريكية على إيران عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان انسحاب بلاده من الاتفاق النووي المبرم عام 2015، ظهر ذك أكثر بعد أن رفعت واشنطن العقوبات الاقتصادية على إيران إلى أقصى حد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، حيث نضبت المساعدة الإيرانية النفطية للنظام الذي تحتاج مناطقه يوميًا لـ100 ألف برميل من النفط الخام، بينما يتوفر الآن ما بين 20 إلى 24 ألف برميل يوميًا فقط.

كما أن واشنطن كثفت من إجراءاتها التي تستهدف قطع إمدادات النفط عن النظام بشكل مباشر، فأعلنت في سبتمبر (أيلول) 2018، عن استهداف شبكات لتسهيل توصيل الوقود إلى النظام السوري عبر لبنان والإمارات، وفرضت الخزانة الأمريكية عقوبات على أربعة أشخاص وخمسة كيانات قاموا بتسهيل شحنات وقود وتمويل للنظام، كما أصدر «مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)» التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، ما سماه بـ«مشورة للأفراد والشركات في جميع أنحاء العالم المرتبطة بالصناعة البحرية، بشأن مخاطر العقوبات إذا شحنوا منتجات النفط إلى سوريا»، والتي تهدف إلى تحذير شركات الشحن والمؤسسات المالية وأصحاب السفن والمديرين والمشغلين من التعامل مع النظام السوري.

واتخذت العقوبات الأمريكية نهجًا أكثر صرامة في الفترة الأخيرة، حيث أوقفت عدة شاحنات في مياه المتوسط خلال الأشهر الماضية كانت تحمل مشتقات نفطية إلى سوريا، وزادت الرقابة الغربية على شحنات الوقود الآتية عبر البحر من إيران لسد النقص السوري.

كما شددت قوات التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن من إجراءاتها لمنع تهريب النفط ومشتقاته من مناطق «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» في منطقة الجزيرة السورية للمناطق الخاضعة لقوات النظام شرقي ديرالزور (شرق سوريا)، حتى أن التحالف استهدف بطائراته في 14 نيسان (أبريل) 2019، مجموعة صهاريج محملة بالنفط على ضفاف النهر، بينما اعتقلت «قسد» بعض الأشخاص العاملين بمجال التهريب.

وفيما تمتنع دول الخليج الغنية بالنفط عن تزويد النظام المتحالف مع «عدوها اللدود» إيران، منعت القاهرة مرور ناقلات النفط الإيرانية عبر قناة السويس بعد الاجتماع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وفي لبنان، وبعد أن نجح تجار ومهربو المحروقات بأنواعها بتمرير كميات إلى سوريا، سرعان ما انكفأ هؤلاء المهربون عن تهريب الوقود لصعوبة قبول المصارف التحويلات المالية التي يتقاضونها مقابل خدماتهم، كما تحدثت مصادر عن إبلاغ لبنان من قبل واشنطن بوجوب اتخاذ التدابير لضبط المعابر ومنع تهريب الوقود.

«واشنطن بوست»: ضغوط على أمريكا للعودة إلى الاتفاق النووي.. لكن ما موقف إيران؟

حلفاء النظام عاجزون عن إنقاذه

قبل أن تزول عن مسامع السوريين القانطين في مناطق النظام ترانيم ألحان «أغاني النصر» فرحًا بما استولى عليه النظام من مناطق كانت في جعبة المعارضة السورية، وجد هؤلاء أنفسهم يخوضون معركة أخرى، تتعلق بخيار وحيد يفرض عليهم البقاء على قيد الحياة في اقتصاد مدمر لا تظهر عليه علامات على الانتعاش القريب.

أطفال يلهون بسيارة متهالكة في دمشق

لقد أصبح عليهم الانتظار لساعات طويلة لملء خزانات سياراتهم بـ20 لترًا من البنزين يسمح بها كل خمسة أيام مرة، وذلك بعد أن عجزت إيران عن إيصال شحناتها من النفط المقدرة شهريًا بـ3 ملايين برميل بسبب العقوبات الأمريكية عليها، وقد تفاقمت الأمور بعد أن رفعت الولايات المتحدة عقوباتها لأقصى حد كما أسلفنا، فضربت هذه العقوبات  شريان النفط الإيراني إلى سوريا، وفرضت على الأرض خسائر غير مسبوقة في رحلة تدفق النفط الخام الذي استمر بمواجهة القيود الدولية حتى الرمق الأخير.

وبعد أن نجحت واشنطن في تعقيد عملية شحن الوقود إلى سوريا، تحرك النظام وحليفه الإيراني بالأخص لإيجاد حل لإدخال شحنات المشتقات النفطية فحاولا توريد المشتقات النفطية عن طريق البر، وتم بالفعل وصول العديد من الصهاريج، إلا أن تكلفتها المضاعفة مقارنة بالنقل البحري، دفع النظام إلى إنشاء عدد من الكازيات المتنقلة، لكن هذه الكازيات باعت النفط للسوريين بسعر أعلى، كما سعت دمشق إلى استبدال الإمدادات الإيرانية عبر مستوردي القطاع الخاص، لكن هذا الخيار لم يحقق نجاحًا كبيرًا، حيث تم منع السفن من الوصول إلى سوريا بعد دخولها المياه الإقليمية.

وفيما يتعلق بروسيا، فعملية إيصال النفط الروسي للأراضي السورية تعيقه أمور فنية واقتصادية، فهذا الحليف يمكنه أن يوفر المنتجات النفطية للنظام، لكن ثمن ذلك مكلف للغاية، إذ سيكون متوسط السعر أكثر من 20 :30 مرة عن متوسط السعر في سوريا، لذا يصبح إمداد موسكو دمشق بالوقود مستحيلاً كما يقول الاقتصاديون في ظل غياب البنية التحتية البرية اللازمة لنقله كالأنابيب أو النقل البري.

وبرغم ذلك أبت موسكو أن تفوت فرصة حاجة النظام السوري لإنقاذه من أزمة الوقود بعد توقف إمدادات النفط الإيراني، فقد استغلت تلك الأزمة في تقديم عرض للنظام يقوم على استئجار مرفأ طرطوس لمدة 49 سنة وهو الطلب المرتبط بتعهد روسي بالتدخل سريعًا لحل مشكلة الوقود.

لماذا «تخنق» واشنطن الأسد؟

«إنها سياسة واعية للحكومة الأمريكية لمحاولة خنق الحكومة الإيرانية في طهران والحكومة السورية في دمشق حتى الموت، لا يريدون خوض حرب عسكرية مع الحكومة السورية، لكنهم على استعداد تام لخوض حرب اقتصادية»، هذا ما قاله  السفير الأمريكي السابق لدى سوريا والباحث في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن روبرت فورد.

يصعب توقع حدوث ثورة شعبية ضد النظام السوري في المناطق الموالية له لأسباب اقتصادية من قبل السوريين الذين يعيش 83% منهم تحت خط الفقر، فالثورات الناجمة عن البؤس المادي في أقصى درجاته من سمات القرون السابقة، وحتى من سمات العصر الحديث بدليل أن الوضع المشابه لما يحدث في سوريا وقع في كوبا بعد انهيار الاقتصاد في الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينيات، وبقي الرئيس فيدل كاسترو في الحكم، كما أنه من شبه المستحيل توقع انشقاق داخل النظام المرتكز على الطائفة العلوية الحاكمة، والتي أحال وجودها دون وجود طبقة برجوازية صناعية تجارية قادرة على ممارسة ضغط على النظام.

لذا يرى المراقبون أن الهدف الأمريكي من تقييد إمدادات النفط إلى أراضي النظام السوري هو ممارسة ضغوط اقتصادية لانتزاع تنازلات سياسية معينة من النظام، عبر عزل النظام ومؤيديه عن الأنظمة المالية والتجارية العالمية، كما تريد واشنطن ذات النفوذ في شمال شرق سوريا منع إعادة إعمار سوريا، بالتمسك بالسيطرة على المنطقة الرئيسية لإنتاج النفط والغاز، وهو وجود يحقق هدفًا آخر يتمثل في تحضير سوريا باعتبارها قاعدة لحرب أوسع وأكثر دموية ضد إيران، بالتزامن مع منح إسرائيل ضوءًا أخضر بلعب دور رئيسي في العمليات العسكرية ضد سوريا.

ويؤكد تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» أن واشنطن «تسعى إلى تهيئة الظروف المتمردة ضد نظام الأسد، كما في إيران وفنزويلا، عن طريق تحطيم اقتصادها وتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، وبالتالي فرض نظام موال للولايات المتحدة في دمشق»، ويضيف التقرير: «تريد واشنطن خنق حكومة النظام ومنعها من الوصول إلى البنزين والديزل، ويأمل المسؤولون الأمريكيون وغيرهم من المعارضين لنظام الأسد الضغط عليه لتقديم تنازلات بعد ثماني سنوات من الحرب».

وتنقل الصحفية عن مسؤول أمريكي قوله: «لا يوجد يقين من أن العقوبات ستؤدي إلى التغيير داخل نظام الأسد أو تقليص وجود إيران في البلاد، وهو هدف آخر، إلا أنها تظهر جدية بشأن ممارسة ضغوط اقتصادية كافية على الأسد لفرض تنازلات»، كما ينوه التقرير إلى أن الأمريكيين «يريدون من الأسد أن يتعامل بجدية مع الجهود التي ترعاها الأمم المتحدة لإعادة صياغة الدستور والتوصل إلى حل دائم للصراع في البلاد».

«إيكونوميست»: كيف يبدو مستقبل سوريا بعد الانسحاب الأمريكي؟

المصادر

تحميل المزيد