في مثل هذه الأيام منذ عام، وتحديدًا، الثلاثاء 18 أبريل (نيسان) 2016، فشل مؤتمر الدوحة للنفط، ولم يتمكن الاجتماع الذي استمر لأكثر من سبع ساعات بحضور 16 دولة من داخل وخارج «أوبك»، في الوصول إلى اتفاق لتجميد إنتاج النفط. وقتها قالت «نيويورك تايمز» الأمريكية إن هذا الفشل هو انتكاسة لثقة الأسواق، وبالفعل كان كذلك، إذ عصف هذا الفشل بالنفط ودفعه لمزيد من النزيف.

ولكن الآن ربما تغير الوضع كثيرًا، فالسوق الذي يبحث عن التوازن منذ منتصف 2014، يرى الكبار أنه يقترب كثيرًا الآن من هذا التوازن، وهو الأمر الذي يحتاج إلى بحث حقيقة هذه التوقعات، والإجابة عن تساؤل هل اقترب سوق النفط أخيرًا من التوازن بعد معاناة تقترب من إتمام عامها الثالث؟ ولكن قبل هذا البحث علينا أن نتحدث أولًا عن التوازن المقصود وعلاقته بأزمة سوق النفط الأساسية.

في البداية يجب أن نعرف كون أصل أزمة سوق النفط منذ البداية كانت في اختلال التوازن بين المعروض من النفط والمطلوب منه، ومع اتساع الفجوة بين العرض والطلب انهار السعر، وكل المحاولات التي مر بها السوق خلال الأشهر الماضية كان هدفها خفض هذه الفجوة، إذ مر السوق بعدة مراحل سواء من الزيادة الكبيرة في المعروض النفطي (تخمة المعروض) تارة، أو النقص الحاد في الطلب تارة أخرى، أو كليهما معًا تارة ثالثة.

اقتصاديًا، يصل السوق لـحالة التوازن، عند تساوي الكمية المطلوبة من النفط مع الكمية المعروضة، فإذا كان سعر السوق أعلى من السعر التوازني، فإن ذلك يؤدي إلى وجود فائض عرض، مما يعمل على خفض السعر إلى أن يصل إلى السعر التوازني وتلاشي الفائض، أما إذا كان سعر السوق أقل من السعر التوازني، فإن ذلك يؤدي إلى وجود فائض طلب، مما يعمل على رفع السعر إلى أن يصل إلى سعر التوازن واختفاء فائض الطلب.

مؤشرات على اقتراب التوازن

منذ 11 أبريل (نيسان) الجاري وحتى اليوم خرجت عدة تصريحات وتقارير متتالية تشير في مجملها إلى أن سوق النفط على أبواب التوازن، وجاءت كالتالي:

التزام «أوبك»

في 11 أبريل (نيسان) الجاري، كشفت بيانات أن دول منظمة (أوبك) خفضت إنتاج النفط في مارس (آذار) بأكثر مما تعهدت به ليستمر التزام قياسي أعلى من المتوقع بأول اتفاق لخفض إنتاج المنظمة في ثماني سنوات، وهو مؤشر غاية في الأهمية يكشف عن دفعة قوية، ستقود السوق إلى التوازن بشكل سريع.

المنظمة كانت اتفقت على خفض الإنتاج نحو 1.2 مليون برميل يوميًا لستّة أشهر من أول يناير (كانون الثاني) الماضي، في مسعى لدفع الأسعار للصعود وتقليص تخمة المعروض، ولكن بحسب بيانات نشرتها وكالة «رويترز» فإن تراجع الإنتاج جاء بأكثر مما وعدت به «أوبك»، إذ يشير إلى نسبة التزام قدرها 104% بنظام تخفيضات الإمدادات وفقًا لحسابات المنظمة، وهو ما يعزز من مؤشرات توازن السوق.

وعد روسيا

في 12 أبريل (نيسان) الجاري، قال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إن روسيا ستخفض إنتاجها من النفط الخام 300 ألف برميل يوميًا بنهاية أبريل (نيسان) كما هو متفق عليه مع كبار المنتجين الآخرين، موضحًا أنه لا توجد شكوى من الشركات بخصوص اتفاق خفض إنتاج النفط العالمي.

الوزير ذكر أنه ينوي الاجتماع بشركات النفط الروسية في أواخر هذا الشهر لمناقشة الوضع في سوق النفط العالمية، حديث نوفاك هو مؤشر لا يقل أهمية عن الالتزام داخل «أوبك»، إذ إن موسكو أهم منتج للنفط خارج المنظمة وتأكيدها على وعدها هو خطوة تقود الأسواق نحو مزيد من الاستقرار.

انتعاش صيني

في 13 أبريل (نيسان) الجاري، كشفت بيانات جمركية عن ارتفاع واردات الصين من النفط الخام إلى أعلى مستوى على الإطلاق في مارس (آذار) الماضي، متجاوزة التوقعات ومتخطية الولايات المتحدة مع قيام شركات التكرير المستقلة بزيادة مشترياتها، إذ بلغت في مارس (آذار) نحو 9.17 ملايين برميل يوميًا، مقارنة بـ8.286 ملايين برميل يوميًا فبراير (شباط) وكان المستوى القياسي السابق 8.57 ملايين برميل يوميًا في ديسمبر (كانون الأول).

ويتجاوز مستوى الواردات في مارس (آذار) والربع الأول من العام واردات الولايات المتحدة وفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لتصبح الصين أكبر مشتر للنفط في العالم منذ بداية 2017، إذ بلغت واردات الخام الأمريكية 7.97 ملايين برميل يوميًا في مارس (آذار) و8.17 ملايين برميل يوميًا في الربع الأول.

البيانات الصينية تكمن أهميتها في أن تباطؤ ثاني اقتصاد في العالم كان أحد أسباب هبوط النفط فترات طويلة، ومع الارتفاع الكبير في الطلب على النفط من الصين لا شك أن هذا الأمر سيسهم كثيرًا في عودة السوق إلى التوازن.

«الطاقة الدولية» متفائلة

في 13 أبريل (نيسان) الجاري، قالت وكالة الطاقة الدولية إن الطلب العالمي على النفط يقترب أخيرًا من تجاوز المعروض، بعد نحو ثلاث سنوات من فائض الإنتاج وذلك رغم نمو فائض الخام غير المستخدم، الوكالة كشفت أن مخزونات النفط بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هبطت 17.2 مليون برميل في مارس (آذار) الماضي.

الوكالة ذكرت أن إجمالي مخزونات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية انخفض 8.1 ملايين برميل في فبراير (شباط) الماضي إلى 3.055 مليار برميل في الوقت الذي تجاوز فيه الطلب المعروض بنحو 200 ألف برميل يوميًا في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار) 2017.

«نصف ثان (من العام) مثير للاهتمام»، هكذا وصفت وكالة الطاقة الدولية حال السوق في الأشهر القادمة، إذ خفضت توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2017 بواقع 40 ألف برميل يوميًا إلى 1.32 مليون برميل يوميًا، فيما ذكرت أنه على جانب العرض فإن الإنتاج العالمي هبط 755 ألف برميل يوميًا في مارس (آذار) إلى 95.98 مليون برميل يوميًا في الوقت الذي تلتزم فيه «أوبك» وشركاؤها بالاتفاق المشترك على خفض الإنتاج 1.8 مليون برميل يوميًا في النصف الأول من العام الحالي.

ربما يكون هذا التقرير من التقارير القليلة المتفائلة التي تصدر عن وكالة الطاقة الدولية، ولكنه جاء متوافقًا مع الأجواء العامة التي تشير إلى تحسن نسبي في سوق النفط المتعطش لهذا التحسن منذ مدة طويلة.

أرامكو وعودة التوازن

في 14 أبريل (نيسان) الجاري، قال الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية أمين الناصر، أكبر شركة نفط في العالم، إن سوق النفط تتجه إلى العودة للتوازن في الأجل القريب وإن الطلب سينمو في الأجل الطويل، إذ أكد أن الإمدادات آخذة في الانخفاض إلى ما دون الطلب في السنوات القادمة.

توقع الناصر أن يصبح موقف السوق في المستقبل على أرضية أكثر صلابة وبشكل متزايد، إلا أنه لم يستبعد التقلب مرجحًا أن تصبح عودة التوازن أكثر تماسكًا ويتخذ السحب من المخزونات اتجاهًا أكثر انسجامًا.

جاء حديث أرامكو استكمالًا لهذه الموجة الغربية التي لا تفترض سوى التوازن في سوق النفط في الأجل القريب، وهو أيضًا اتجاه إن أصبح واقعًا فسيكون خبرًا سارًا للسعودية.

عقدة إيران

في 16 أبريل (نيسان) الجاري، قال وزير النفط الإيراني بيجن نامدار زنغنه إن معظم منتجي النفط يؤيدون تمديد تخفيضات الإنتاج من قبل الدول الأعضاء في أوبك ومن خارجها وإن إيران ستؤيد أي خطوة من هذا القبيل، إذا التزم الآخرون.

رغم أن الوزير الإيراني ربط التزام بلاده بالتزام الآخرين، إلا أن النبرة الإيرانية تعد جيدة جدًا إذا ما قُورنت بالنبرة التي كانت تتحدث بها إيران قبل الاتفاق، وهو الأمر الذي يوضح أن السوق الآن يختلف كثيرًا عن الأشهر السابقة، وربما سيشهد السوق توازنًا قريبًا.

لم تنتظر السعودية كثيرًا، لتستغل هذه المناسبة لبث المزيد من التفاؤل بالأسواق، ففي 17 أبريل (نيسان) الجاري، خرج وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، قائلًا: «إن منتجي النفط في منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك» سيفعلون كل ما يلزم لتحقيق الاستقرار لسوق النفط»، وأوضح «متفقون على فعل ما يلزم، سواء استغرق ذلك ستة أشهر أو أكثر».

الفالح رغم أنه لفت إلى أنه من المبكر الحديث عما إذا كانت الضرورة تستدعي تمديد اتفاق الأشهر الستة الخاص بالإنتاج لما بعد يونيو (حزيران) المقبل، إلا أنه أكد على أن مستوى التزام منتجي النفط من داخل منظمة (أوبك) وخارجها بالاتفاق العالمي على خفض الإنتاج، يتجاوز 100%، وهو نقطة إيجابية لا يمكن إهمالها.

السوق تتجاهل الإشارات السلبية

ومن الملاحظ أن كل هذه الإشارات الإيجابية جاءت بعد أن توقعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية ارتفاع إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام في 2017 و2018، وهذه التوقعات تعد إشارات سلبية، خاصة أنها جاءت بأكثر مما توقعته في تقديراتها السابقة إنتاج النفط الخام في 2018 سيرتفع إلى 9.9 ملايين برميل يوميًا من 9.22 ملايين برميل يوميًا في 2017 بزيادة قدرها 680 ألف برميل يوميًا.

ورفعت إدارة معلومات الطاقة أيضًا توقعاتها لنمو الإنتاج في 2017 وقالت إن الإنتاج سيزيد بنحو 350 ألف برميل يوميًا مقارنة مع توقعات سابقة لزيادة قدرها 330 ألف برميل يوميًا، إلا أنها توقعت في الوقت نفسه أن يرتفع الطلب الأمريكي على النفط في 2017 بنحو 250 ألف برميل يوميًا مقارنة مع توقعات سابقة لزيادة قدرها 210 آلاف برميل يوميًا.

هل تتوازن الأسواق في آخر 3 أشهر من 2017؟

وسط هذه المعطيات المتفائلة كثيرًا بالوضع للسوق، يرى بعض المراقبين أن الربع الثالث من هذا العام سيكون مفصليًا لجهة التوازن في السوق خاصة، هذه التوقعات تأتي مع تزايد احتمال تمديد اتفاق خفض الإنتاج ستة أشهر أخرى بعد أن ألقت الدول الخليجية بثقلها خلفه فإن الوصول إلى مرحلة توازن السوق تبدو ممكنة.

الملاحظ في الجديد في رؤية الناصر هذه أنها لا ترى في صناعة النفط الصخري الأمريكية تهديدًا، وليست كافية لسد النقص المتوقع في الإمدادات، وهذا ما يمكن أن ينقل كل الجدل الحالي حول الصناعة النفطية وحاضرها المرتبط بالتخمة وضعف الأسعار وخفض الإنتاج لدعمها إلى ساحة جديدة تتعلق بالمستقبل وكيفية توفير الإمدادات لمقابلة الطلب المتنامي.

تاريخ الصناعة النفطية يرتبط بدورات من الصعود والهبوط، ولهذا فمن المتوقع أن تهيئ مرحلة التوازن التي تتجه إليها السوق حاليًا إلى المرحلة التالية التي ينفجر فيها الطلب وتنفلت الأسعار، الأمر الذي يتطلب البدء في عمل التحوطات اللازمة من الآن.

ختامًا، التوازن في سوق النفط لم يعد الآن حلمًا غير قابل للتحقيق بل على العكس تمامًا، بات الأمر قريبًا جدًا أكثر من أي وقتٍ مضى، ولكن شرط تمديد اتفاق خفض الإنتاج، لأن عدم تمديد هذا الاتفاق سيعود بالسوق إلى وضع لن يرضي أحدًا من المنتجين، بقيادة «أوبك»، وعلى كلٍّ ستتضح هذه كثيرًا مع بداية النصف الأول من 2017.

عرض التعليقات
تحميل المزيد