لم يتخيَّل المستثمرون الذين راهنوا بقوة على ارتفاع النفط حال اتفاق «أوبك» على تمديد خفض الإنتاج، أن تفقد الأسعار نحو 5% بعد الاتفاق، مسجلةً أكبر هبوط يومي بالنسبة المئوية منذ مارس (آذار) الماضي، وذلك في ردِّ فعل ربما يكون مستغربًا من الأسواق التي طالما انتظرت هذا الاتفاق خلال الأسابيع الماضية، إذ هبط خام القياس العالمي مزيج برنت بواقع 2.50 دولار إلى 51.46 دولار للبرميل، بينما جرت تسوية العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي منخفضة 2.46 دولار إذ تراجع إلى 48.90 دولار للبرميل، وذلك في جلسة الخميس الماضي، لكن هل كان هذا الهبوط مجرَّد صدمة ستنتهي سريعًا؟ أم أن أسعار النفط ينتظرها مزيد من الهبوط الأيام القادمة؟

قررت «أوبك» ومنتجون مستقلون على رأسهم روسيا الخميس الماضي، تمديد تخفيضات إنتاج النفط تسعة أشهر إلى مارس (آذار) 2018، في محاولةٍ جديدة لمواجهة تخمة المعروض التي دفعت الأسعار للانخفاض إلى النصف وتراجع الإيرادات تراجعًا حادًا في السنوات الثلاث الأخيرة، وذلك في الوقت الذي ساعدت فيه تخفيضات «أوبك» على العودة بأسعار النفط فوق 50 دولارًا للبرميل هذا العام.

وقبل الحديث عن العوامل التي ستحدد اتجاه الأسعار في الأيام القادمة، يجب أن نعرف في البداية الأسباب التي جعلت قرار «أوبك» بشأن تمديد خفض الإنتاج مخيبًا لآمال المستثمرين، وتتلخَّص هذه الأسباب ببساطة في أنَّ السوق كانت تتطلع لأن يتوصَّل منتجو النفط إلى اتفاق في الدقيقة الأخيرة لتعميق التخفيضات، أو تمديدها لفترةٍ إضافية حتى منتصف 2018، وهو ما لم يحدث، مما تسبب في رد فعلٍ مخالف للطبيعي، وهو نفس الأمر الذي حدث للدولار الأمريكي عندما رفع الفيدرالي سعر الفائدة مؤخرًا، في الوقت الذي كانت تصبُّ توقعات المستثمرين تجاه سياسة سعر صرف أمريكية مختلفة، فقد توقّع المراقبون أن تسلك رئيس الفيدرالي الأمريكي، جانيت يلين، سياسة نقدية تقشفية حادة تجاه سعر الفائدة، مما تسبب في هبوط العملة الأمريكية بعد القرار الذي كان من الطبيعي أن يقودها للصعود.

ويقول محللون بقطاع النفط إنَّ المشكلة ليست فيما تمّ توصيله، بل فيما تمَّ التعهُّد به سلفًا على ما يبدو، إذ قالت أمريتا سين، من إنرجي إسبكتس للاستشارات إنَّ «أوبك بالغت في تسويق قيمة الاجتماع للسوق في وقتٍ مبكر للغاية»، وهو ما تسبَّبَ في هبوط النفط بعد الاتفاق.

هل كان التمديد لتسعة أشهر هو الأمثل؟

يرى وزير الطاقة السعودي خالد الفالح أنّ جميع المؤشرات كشفت عن أن التمديد لتسعة أشهر هو الأمثل، قائلًا: «بحثنا سيناريوهات عدة، من ستة إلى تسعة إلى 12 شهرًا، حتى أننا ناقشنا خيارات لخفضٍ أكبر»، وفي محاولة لطمأنة الأسواق، عبَّر الوزير عن ثقته في أن الأسعار سترتفع، مسميًا هبوط الأسعار فور الاتفاق بالهبوط الفني.

وعلى العكس تمامًا من الثقة التي تحدَّث بها الفالح، طغى شعور المستثمرين بخيبة الأمل على التعاملات، إذ لم يكن الاتفاق في فيينا لإبقاء تخفيض قدره 1.8 مليون برميل يوميًّا كافيًا للتجَّار، إذ كان هناك أمل في أن يكون التمديد 12 شهرًا أو أن تكون التخفيضات أعمق، وذلك في ثاني اتفاق خفض للإنتاج خلال 10 سنوات، بعد الخفض الأوَّل الذي تمَّ في ديسمبر (كانون الأول) 2016، ويرى المستثمرون أن الاتفاق على خفض ما يعادل 2% من الإنتاج العالمي، غير كافٍ لدعم الأسعار في ظل استمرار تخمة المعروض.

في المقابل، يرى جاري روس المسؤول المعني بشؤون النفط لدى «بيرا إنرجي» التابعة لستاندرد آند بورز جلوبال بلاتس أنَّ «الانتخابات الروسية الوشيكة، وإدراج أسهم أرامكو العام المقبل، عاملان سيقودان موسكو والرياض لاتخاذ أيّ خطواتٍ لدعم أسعار النفط»، وهو ما يبرر ما قاله وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، من أنّ لجنة مراقبة اتفاق خفض إنتاج النفط بين أوبك والمنتجين المستقلين قد تبحث إمكانية إجراء تعديلات على الاتفاق خلال اجتماع لها، مما يعني أن البلدين يسعيان بقوة لدعم الأسعار.

نوفاك، قال إنه يمكن عقد اجتماع اللجنة في أيّ وقت، لكن بموجب الخطة فإنها تجتمع كل شهرين، موضحًا أنَّ بنود الاتفاق، الذي جرت الموافقة على تمديده، يمكن أن تتغير من الناحية النظرية في أي اجتماع، فيما قال مصدران في قطاع النفط لوكالة «رويترز» إن الفالح من المتوقع أن يزور روسيا هذا الأسبوع، وهو ما يدعم فكرة أن شيئًا ما قد يحدث قريبًا لدعم أسواق النفط.

3 عوامل تحدد مصير أسعار النفط في المستقبل القريب

رغم أن «أوبك» والمنتجين المستقلين الذين أبرموا اتفاق خفض الإنتاج يستحوذون على النسبة الأكبر من السوق، إلا أنَّ أسعار النفط تتأثَّر بأشياء أخرى، فكما قاد العرض الأسعار للهبوط السنوات الماضية، يمكن أن يحدث الطَّلب كذلك نفس التأثير، والطلب لا تتحكم فيه «أوبك» والمنتجون؛ بل إن الصين أهم محرك لهذا الجزء، كذلك هناك جانب مهم من العرض وهو أن القادم من أمريكا بات يتمدد بقوة، بالإضافة إلى أن حركة المخزونات سيكون لها أثر بالغ الأهمية، وربما تكون هذه العوامل هي ما سيحدد مصير أسعار النفط في المستقبل القريب.

1- النفط الصخري

يعتمد كثير من نجاح أوبك في خفض الإنتاج على الولايات المتحدة التي لا تشارك في التخفيضات، والتي زاد إنتاجها 10% منذ منتصف 2016 إلى أكثر من 9.3 مليون برميل يوميًّا، مقتربًا من مستويات إنتاج روسيا والسعودية والتي تنافسهما حاليًا على صدارة منتجي الخام في العالم، إذ شجع ارتفاع الأسعار هذا العام على زيادة إنتاج النفط الصخري بالولايات المتحدة، مما كبح استعادة التوازن بالسوق لتظل مخزونات الخام العالمية قرب مستويات قياسية مرتفعة.

كما أنَّ «أوبك» أمام معضلة حاجتها لارتفاع الأسعار، وفي نفس الوقت يجب عدم دفع الأسعار للارتفاع إلى مستويات أعلى من اللازم، لأن ذلك سيشجع زيادة الإنتاج الصخري في الولايات المتحدة – أكبر مستهلك للنفط في العالم-، فيما يقول ريان سيتون، من لجنة السكك الحديدية في تكساس، والتي تنظم عمل قطاع النفط الضخم في تكساس لوكالة «رويترز» إن انخفاض نفط «أوبك» في السوق سيحسن الفرصة للطاقة الأمريكية كي تلبي احتياجات حول العالم، قائلًا: «سيساعدنا ذلك في تحقيق الهيمنة في قطاع الطاقة»، فيما يتوقع أن تؤدي التخفيضات إلى تسارع الإنتاج من أحواض النفط الصخري الأمريكية؛ إذ يستطيع المنتجون العمل بتكلفة أقل كثيرًا.

اقرأ أيضًا: هل تنجح خطة السعودية في تمديد عصر النفط؟

وزادت شركات الطاقة الأمريكية عدد حفارات النفط للأسبوع التاسع عشر على التوالي، وذلك خلال الأسبوع الماضي، ورغم أنّ وتيرة الزيادة تباطأت مع انخفاض إجمالي الزيادة منذ بداية مايو (أيار) إلى أدنى مستوى لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016، بسبب ضعف أسعار النفط، إلا أن اتفاق خفض الإنتاج سيدعم استمرار زيادة عدد حفارات النفط، إذ قالت بيكر هيوز لخدمات الطاقة إن الشركات أضافت منصتي حفر نفطيتين في الأسبوع المنتهي 26 مايو (أيار) ليصل العدد الإجمالي إلى 722، وهو أعلى مستوى منذ أبريل (نيسان) 2015.

وتشير الأرقام إلى انتعاشة غير مسبوقة للنفط الصخري، إذ بات عدد الحفارات يعادل أكثر من مثيله في الأسبوع المقابل من العام الماضي عندما بلغ عدد الحفارات العاملة 316 فقط، كما يمثل ارتفاع عدد حفارات النفط على مدى 19 أسبوعًا متتاليًا أطول فترة زيادات متعاقبة على الإطلاق، والتي انتهت في أغسطس (آب) 2011، وفقًا لبيانات من «بيكر هيوز» يعود تاريخها إلى 1987.

في المقابل، تقول وكالة «فيتش» إن النفط الصخري سيظل عاملًا مهمًا إلى أجل طويل، إذ حذرت الوكالة من أن فائض النفط قد يعود في عام 2018 إذا لم يتم تمديد الاتفاق مجددًا، فقد يستمر بدء الإنتاج في مشروعات جديدة في الوقت الذي يتهيأ إنتاج النفط الصخري الأمريكي فيه للنمو، إذ تتوقع بقاء متوسط الأسعار السنوية للنفط هذا العام على الأرجح عند نحو 50 إلى 55 دولارًا لبرميل برنت، مع أخذ «النمو المذهل لإنتاج النفط الصخري الأمريكي» في الاعتبار.

ينبغي أن نتعايش.

تطرح هذه الجملة التي قالها الفالح، في وقت سابق، تساؤلًا حول إمكانية التعايش بين أوبك والنفط الصخري، أم أنَّه أمرٌ مستبعد؟ وهل تتجهان لصراعٍ حاد آخر في المستقبل القريب؟ قبل الإجابة عن هذه التساؤلات بات الجميع يعلم أن النفط الصخري لم يعد بالأمر العارض، لذا يجب التعامل معه سواء بالتعايش أو الصراع.

ولا شك أن العلاقة بين منظمة أوبك وصناعة النفط الصخري الأمريكية شهدت تطورًا كبيرًا منذ اكتشفت المنظمة ظهوره قبل نحو خمسة أعوام، إلا أنَّه حتى الآن لا تتبنَّى أوبك سياسة واضحة مع هذه الصناعة، فيما يقول وزير النفط النيجيري إيمانويل كاتشيكو: «إذا وصلنا لنقطةٍ نشعر فيها بالإحباط من جراء عمل متعمَّد من جانب منتجي النفط الصخري للإضرار بالسوق، فإن أوبك ستجتمع مرة أخرى لبحث ما ينبغي أن نفعله»، فهل يتعايشان أم سيشتعل الصراع؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.

2- المخزونات

شهدنا تراجعًا كبيرًا في المخزونات سوف تتسارع وتيرته، ومن ثم سنحقِّق ما ننشده في الربع الرابع.

هكذا قال وزير الطاقة السعودي، وكذلك ترى «فيتش» أن الاتفاق الذي توصلت إليه «أوبك» سيفضي إلى تقليص مخزونات الخام، كما ينبغي أن يوفر بعض الدعم لأسعار النفط عند متوسطها منذ بداية العام، بحسب الوكالة، إذ قالت إنَّ توقعها الأساسي هو تعافي السوق تدريجيًّا مما يقود أسعار خام القياس العالمي مزيج برنت في السوق إلى الوصول لمنتصف نطاق 50 دولارًا للبرميل في 2018، وإلى نحو 60 دولارًا في 2019.

وكانت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قالت إن مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة هبطت الأسبوع الماضي مع رفع مصافي التكرير الإنتاج، إذ انخفضت أيضًا مخزونات البنزين والمشتقات الوسيطة، وأظهرت البيانات هبوط المخزونات 4.4 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في التاسع عشر من مايو (أيار)، في حين كانت توقعات المحللين تشير إلى انخفاض قدره 2.4 مليون برميل، ومخزونات البنزين انخفضت بمقدار 787 ألف برميل الأسبوع الماضي، في حين كان محللون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا هبوطًا قدره 1.2 مليون برميل.

بالطبع انخفاض المخزونات أمر إيجابي بالنسبة للأسعار، ولكن كم من الوقت تحتاج مخزونات النفط كي تنخفض لمستوى ينعش الأسعار؟ تقول الأرقام إن مخزونات الدول المستهلكة قليلة على ثلاثة مليارات برميل، أي نحو 300 مليون برميل فوق متوسطها في خمس سنوات، فيما تتوقع أوبك أن تعود المخزونات إلى متوسط الخمس سنوات البالغ 2.7 مليار برميل بنهاية 2017، لكن يتوقع خبراء آخرون استمرار الفائض لمدة أطول، وتتوقع مؤسسة واحدة استمراره حتى 2019.

ويبقى تصريف فائض المخزونات أحد أهداف أوبك الأساسية، إلا أنها لم تنجح في ذلك حتى الآن، فيما ترى مؤسسة «أي بي برنشتاين» البحثية أن تخفيضات أوبك «ستؤدي إلى تسارع السحب من المخزونات في النصف الثاني من 2017، لكن العودة إلى المخزونات الطبيعية سوف يحدث في 2018»، ووفقًا لحسابات المؤسسة فإن الأمر سيستغرق 11 شهرًا للتخلص من التخمة، وهي فترة أكبر من مدة خفض الإنتاج التي تم الاتفاق عليها، مما يجعل تمديد التخفيضات لمرة ثالثة أمرًا جوهريًّا لهبوط المخزونات.

3- الصين

مستقبل الطاقة لن يكون في إنتاج المزيد من النفط.

هكذا يعتقد خبراء الطاقة، إذ إنّ الإنتاج لم يعد هو المعضلة؛ بل على الجانب الاستهلاكي (الطلب)، ويرى الخبراء أن هذا الأمر يتعلق بشكل مباشر بحالة الاقتصاد الصيني، إذ يمكن للصين أن تنعش أو تترك سوق النفط في الركود العام الجاري وكذلك القادم، وهذا يتوقف على ما يحدث مع اقتصادها، فللاقتصاد الصيني – ثاني أكبر اقتصاد في العالم- آثار هائلة في سوق النفط.

وترى «هليما كروفت»، كبيرة محللي النفط بـ«رويال بنك أوف كندا» أنَّ اتفاق أوبك سيضع سوق النفط تحت ضغوط مستمرة، إذ إن هناك عوامل كثيرة خارج سيطرة أوبك، وفي مقدمة هذه العوامل دور الصين، وهي دولة لم تحظَ باهتمامٍ كبيرٍ في عالم النفط في وقتٍ متأخر، وسط كل الفوضى على النقاش حول النفط الصخري، فيما يقول جيسون شينكر من «برستيج ايكونومكس»: «إذا أردت أن تعرف أين هو الخطر، فإن الأمر ليس في قرار أوبك أو إعادة التوازن في المخزونات العالمية، ولكن الصين هي مصدر القلق الكبير».

على الجانب الآخر تتجه المصافي الصينية المستقلة المتخمة بالخام، والتي تواجه طلبًا محليًّا مخيبًا للآمال إلى إبطاء وتيرة مشترياتها من النفط خلال الشهرين القادمين على الأقل، وهو ما سيثير المخاوف بشأن طلب أكبر مشترٍ للنفط في العالم، والذي انخفض من ذروة بلغت 9.2 مليون برميل يوميًّا في مارس (آذار) إلى 8.4 مليون برميل يوميًّا في أبريل (نيسان).

وتتعرض شركات التكرير هذه لضغوط من أجل خفض معدلات التشغيل، في الوقت الذي تتقلص فيه هوامش الربح بسبب تدقيق بكين الشديد على الضرائب، إذ قال مدير في شركة تكرير مقرها في دونغيانغ إنه «سيكون هناك المزيد من الإغلاقات في يونيو ويوليو وربما أغسطس القادم، يرجع هذا لعوامل موسمية لكن أيضًا نظرًا لأنَّ السوق لا تبلي بلاءً حسنًا والمخزونات وفيرة».

على كلٍّ ربما تتَّضح الصورة أكثر بنهاية الربع الأخير من العام الجاري، وهل ستكون خطوات أوبك الحالية كافية، أم أنها في حاجة للمزيد، ولكن يبقى الأكيد أن من الصعب التوازن بالسوق بدون رؤية واضحة للعوامل السابق ذكرها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد