نقلًا عن عربي 21

ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” أن الغارات التي يقوم بها التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة، لم تنجح في وقف نشاطات التنظيم في مجال استخراج وبيع النفط السوري والعراقي.

ويشير تقرير مطول، أعدته إريكا سولومون وغاي غازان وسام جونز، إلى الشبكة الواسعة التي يدير من خلالها التنظيم عملياته في المناطق الواقعة تحت سيطرته. وتلك التي تعد في حالة عداء معه، مثل مناطق المعارضة والنظام السوري.

وتنقل الصحيفة عن أحد القادة العسكريين في المعارضة من منطقة حلب يشتري النفط الذي ينتجه التنظيم قوله: “الوضع مضحك مبك”، ويضيف: “لا خيار لدينا، فنحن فقراء الثورة، وهل هناك من يريد تقديم الوقود لنا”.

ويذكر الكتاب أن السيارات وعربات الإسعاف والمستشفيات والمحلات في مناطق المعارضة تعتمد على النفط المنتج في مناطق تنظيم الدولة. ويقول تاجر نفط: “في أي لحظة يمكن قطع الديزل، ويعرف (داعش) أن حياتنا دونه ستتوقف”.

ويتحدث التقرير عن الطلب الشديد على نفط تنظيم الدولة، حيث بدأ بالحديث عن طوابير شاحنات يمتد إلى ستة كيلومترات، وينتظر أصحابها أسابيع قرب حقل نفط العمر في شرق سوريا ليأتي دورهم. ولهذا السبب نشأت تجارة بيع الفلافل والشاي، التي تباع من أكشاك لخدمة سائقي الشاحنات.

ويلفت معدو التقرير إلى أن بعض السائقين ينتظرون شهرا كي يملأوا خزان شاحناتهم. و يعلو فوق طابور المنتظرين صوت أزيز الطائرات الأمريكية.

وتقول الصحيفة: “هذه هي أرض (داعش)، التنظيم الجهادي الذي يسيطر على مناطق واسعة من العراق وسوريا. وهذه التجارة اعتبرت الهدف الرئيسي للتحالف الدولي الذي يقاتل التنظيم، ومع ذلك فعملية استخراج النفط وبيعه تجري دون مضايقة”.

وتضيف “فايننشال تايمز” أن “النفط هو الذهب الأسود الذي يمول الراية السوداء لـ(داعش)، وهو الذي يغذي آلة الحرب، ويوفر الكهرباء، ويعطي المتشددين التميز على جيرانهم”.

ويجد التقرير أن تجارة النفط المزدهرة في حقل العمر وثمانية حقول أخرى، صارت ترمز إلى معضلة التحالف الدولي، وهي: كيف ندمر “الخلافة” دون تعطيل حياة من يقدر عددهم بـ10 ملايين نسمة، يعيشون في ظل التنظيم، ودون معاقبة حلفاء الغرب؟

ويوضح الكتاب أنه لهذا السبب فقد منح تصميم تنظيم الدولة، وضعف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، روسيا المبرر كي تشن هجماتها، وتتدخل عسكريا في سوريا.

وتستدرك الصحيفة بأنه على الرغم من هذه الجهود كلها، فقد كشفت عدة مقابلات مع تجار سوريين ومهندسي نفط ورجال استخبارات غربيين وخبراء نفط، عن عمليات واسعة تشبه عمل شركة نفط حكومية، توسعت عملياتها وخبراتها، رغم الجهود الدولية لتدميرها. مشيرة إلى أن شركة نفط تنظيم الدولة تتميز بالدقة، وتوظف أصحاب الكفاءات من المهندسين والمدربين والمديرين.

وبحسب التقرير يقدر تجار محليون ومهندسون حجم إنتاج تنظيم الدولة من النفط الخام بـ 34 ألف برميل في اليوم، حيث يباع البرميل بما بين 20 إلى 45 دولارا، وهو ما يعني عائدات يومية تقدر بـ 1.5 مليون دولار.

وينوه الكتاب إلى أن اهتمام التنظيم بالنفط يأتي لكونه سلعة إستراتيجية. فمنذ أن ظهر على المشهد السوري عام 2013، وقبل أن يصل إلى العراق، نظر الجهاديون  للنفط على أنه ركيزة مهمة تدعم رؤيتهم لإقامة الدولة الإسلامية. واعتبر مجلس شورى التنظيم النفط العنصر الرئيس لنجاة الحركة العسكرية، ولتمويل طموحه في إقامة “الخلافة”.

وتجد الصحيقة أنه مع أن معظم النفط الذي يسيطر عليه التنظيم هو في سوريا، التي أنشأ فيها موطئ قدم عام 2013، بعد انسحابه من مناطق الشمال الغربي، وهي منطقة إستراتيجية لكن لا يوجد فيها نفط. ومن ثم استخدم موقعه في سوريا لتقوية مركزه في شرق سوريا بعد سقوط الموصل عام 2014.

ويفيد التقرير، الذي ترجمته “عربي21″، بأن التنظيم عندما اندفع في شمال العراق، بعد سيطرته على الموصل، سيطر على حقلي عجيل وعلاس، الواقعين شمال- شرق كركوك. ويقول سكان محليون إنه في اليوم الأول الذي سيطر فيه التنظيم على الحقلين، قام المتشددون بتأمينهما وأرسلوا المهندسين، وبدأوا عمليات نقل النفط، وإرساله إلى الأسواق.

وتنقل الصحيفة عن شيخ قبيلة في بلدة الحويجة قرب كركوك، قوله: “كانوا جاهزين، ولديهم الرجال المسؤولون عن الجانب المالي، ولديهم التقنيون الذين قاموا بالإشراف على عمليات التعبئة”، وأضاف أنهم “أحضروا معهم مئات من الشاحنات من كركوك والموصل، وبدأوا باستخراج النفط”. وقدر الشيخ بأن 150 شاحنة كانت تحضر يوميا، وتحمل كل واحدة نفطا قيمته 10 آلاف دولار. وخسر التنظيم الحقلين لصالح الجيش العراقي في نيسان/ إبريل، ولكنه حصل على ما قيمته 450 مليون دولار خلال عشرة أشهر من سيطرته عليهما.

ويقارن الكتاب بين اعتماد تنظيم القاعدة على تبرعات الأثرياء ودعم الأجانب له، واعتماد تنظيم الدولة في تمويل عملياته على احتكار النفط وإنتاجه، وهي المادة الضرورية وتستخدم بكميات كبيرة في المناطق التي تخضع لسيطرته. وحتى دون تصديره إلى خارج مناطقه، فإن التنظيم قادر على الاستفادة من أسواقه المزدهرة داخل العراق وسوريا. فالديزل الذي ينتج داخل مناطق التنظيم يستهلك أيضا في مناطق هي في حرب معه، مثل المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

ويورد التقرير أن تنظيم الدولة يحاول تقديم صورة عن شركة نفطه كتلك التي تشبه شركات النفط الحكومية. وبحسب سوريين، فقد حاول تنظيم الدولة تجنيدهم للعمل معه، ولاحقهم، وعرض الرواتب العالية على الأشخاص الذين يتمتعون بخبرات، وشجع الراغبين بالالتحاق بشركته كي يتقدموا بطلبات لقسم شؤون الموظفين.

وتبين الصحيفة أن لجنة من الخبراء تشرف على قطاع النفط، وتقوم بمتابعة الحقل ومراقبة الإنتاج ومقابلة العمال والحديث معهم حول سير العمليات. ويقول تجار اشتروا النفط من تنظيم الدولة ومهندسون عملوا في الحقول النفطية، التي يسيطر عليها التنظيم، إن الأخير يحرص على توظيف أفراد من داخل صفوفه ممن لديهم خبرة في شركات النفط السعودية أو الشرق الأوسط، ويعينهم أمراء على المنشآت الحيوية.

وينقل الكتاب عن بعض الفنيين قولهم إن التنظيم حاول إغراءهم بالعمل معه، فقد اتصل قيادي عسكري برامي، الذي عمل سابقا في محافظة دير الزور قبل أن ينضم للمعارضة المسلحة، ويقول: “قال لي إنه يمكنني اختيار أي موقع، وطلب مني أن أحدد الراتب الذي أريده”، ولأن رامي شك في تنظيم الدولة فقد رفض العرض، وقرر لاحقا الهروب إلى تركيا.

ويشير التقرير إلى أن التنظيم يقوم بتوظيف خبرات من بين الداعمين له. ففي خطاب ألقاه أبو بكر البغدادي في الموصل، دعا إلى قدوم المقاتلين وكذلك المهندسين والأطباء وأصحاب الكفاءات. وعين التنظيم قبل فترة مهندسا مصريا كان يعمل في السويد مديرا لمصفاة القيارة في العراق، وذلك بحسب مهندس بترول عراقي من الموصل طلب عدم ذكر اسمه.

وترى الصحيفة أن الدور المهم للنفط انعكس على موقعه في التركيبة الهرمية للتنظيم، فطريقة إدارة التنظيم للمناطق الواقعة تحت سيطرته تعتمد اللامركزية، ويعتمد في معظم الحالات على “الولاة” لإدارة المناطق بناء على التعليمات التي وضعها مجلس الشورى.

ويستدرك الكتاب بأن النفط إلى جانب العمليات العسكرية والألة الدعائية يتم التحكم بها بطريقة مركزية. ويقول مسؤول أمن غربي بارز: “هم منظمون في تعاملهم مع النفط، ويتم التحكم في منطقة رئيسية وإدارتها بطريقة مركزية، وهو أمر يعود لمجلس الشورى”.

ويلفت التقرير إلى أنه حتى وقت قريب كان أمير النفط هو أبو سياف، وهو تونسي واسمه الحقيقي، بحسب البنتاغون، فتحي بن عون بن جليدي مراد التونسي. وقتل التونسي في أيار/ مايو على يد القوات الأمريكية الخاصة. وبحسب مسؤولين أمنيين وأمريكيين، فقد تم العثور على خزينة من الوثائق المتعلقة بعمليات تنظيم الدولة المتعلقة بالنفط بحوزته، التي كشفت بوضوح عن الطريقة الدقيقة التي أدار فيها التنظيم عملياته، حيث تم توثيق عائدات النفط من الآبار. وكشفت الوثائق عن براغماتية من ناحية التسعير، حيث كان يستغل اختلاف مستويات العرض والطلب في مناطقه لزيادة أرباحه.

وتذكر الصحيفة أن حراسة آبار النفط أوكلت لقسم الأمنيات، وهي الشرطة السرية، من أجل التأكد من ذهاب العائدات إلى المصارف المخصصة لها، ومعاقبة من يفشل بعمل هذا. ويقوم الحراس بتوفير الحماية لمحطة الديزل. أما الآبار البعيدة فقد أحيطت بأكياس الرمل مع تفتيش كل سائق يمر من خلالها بدقة.

ويبين الكتاب أنه في حقل الجبسة في الحسكة، الذي ينتج ما بين 2500 إلى 3 آلاف برميل نفط في اليوم، هناك “ما بين 30 إلى 40 شاحنة كبيرة تملأ خزاناتها في اليوم”، بحسب تاجر ديزل في الحسكة. مستدركين بأن حقل العمر هو الأكبر، بحسب تاجر يقوم بشراء النفط بشكل منتظم من هناك.

وبستدرك التقرير بأنه رغم طول الطابور، الذي يبلغ ستة كيلومترات، إلا أن التجار تكيفوا مع الوضع. ويقدم التجار وثائقهم ورقم رخصة شاحناتهم للمسؤول من تنظيم الدولة، الذي يقوم بإدخالها لقاعدة البيانات على الحاسوب، ومن ثم يعطيهم رقما. ويعود كل واحد منهم إلى بلدته، حيث يعودون كل يومين أو ثلاثة لفحص شاحناتهم. ويقول تجار إن البعض يعود في نهاية الشهر، ويقيم خيمة بانتظار دوره. وعندما يحصلون على النفط يأخذونه إلى المصافي المحلية ويبيعونه لها، وبعضهم يبيعه لسماسرة يقومون بنقله إلى مدن مثل حلب وإدلب.

وتقول الصحيفة إن “حظ تنظيم الدولة مع النفط قد لا يطول، فاستمرار الغارات التي يقوم بها التحالف الدولي، وتدخل الروس، وانخفاض أسعار النفط، عوامل قد تقلل من عائداته. وأهم تهديد لإنتاج النفط الذي يقوم به تنظيم الدولة هو إمكانية نضوب النفط وجفاف آباره؛ لأن التنظيم لا يملك التكنولوجيا التي تملكها الشركات الأجنبية من أجل مواجهة نقص الوقود في الأسواق المحلية”.

وتختم “فايننشال تايمز” تقريرها بالإشارة إلى أنه في الوقت الحالي يسيطر تنظيم الدولة على إنتاج وتزويد النفط، وأنه لا يوجد نقص في هذا المجال. وكما يقول رجل أعمال يعمل قرب حلب: “كل واحد هنا يحتاج للديزل: للماء والري للمستشفيات والمكاتب، ولو قطع الديزل فلا حياة هنا. ويعرف تنظيم الدولة أن النفط هي ورقة رابحة”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد