يحوم سعر خام النفط منذ بداية يناير (كانون الثاني) الجاري، حول أعلى مستوى له منذ نهاية 2014، وهو العام الذي بدأت في منتصفه أزمة النفط الحالية، إذ لامس خام برنت القياسي، مؤخرًا، حاجز الـ70 دولارًا، وذلك في ظل التزام المنتجين من منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) بتخفيضات الإنتاج، بالإضافة إلى قوة الطلب الملحوظة وسط الشتاء القارس الذي تمر به كثير من دول العالم خاصة أمريكا، وهو ما يعزز الطلب على وقود التدفئة.

بيانات موقع «ماركت ووتش».

وحسب ما هو موضح في الرسم البياني السابق، بدأ برنت العام الجديد عند سعر 66.57 دولارًا للبرميل، واستمر في الصعود حتى كسر حاجز الـ70 دولارًا، وذلك في 15 يناير الجاري، ليستقر في النهاية بختام تعاملات الأسبوع المنتهي في 19 يناير عند سعر 68.65 دولارًا، وكما تظهر بيانات موقع «ماركت ووتش» فمنذ منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يواصل سعر النفط الصعود بقوة، إذ ارتفع خلال آخر ثلاثة أشهر نحو 20.08%، وهو الأمر الذي يكشف عن ملامح لتوازن سوق النفط خلال الأشهر الأخيرة.

هذا الوضع الإيجابي بالنسبة لمنتجي النفط ظهر جليًا في تصريحات المنتجين الرئيسيين للنفط، إذ عبر وزيرا الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك والسعودي خالد الفالح، عن رضاهما عن طريقة استعادة سوق النفط لتوازنها، وذلك بعد أن خفض المنتجون من داخل «أوبك» وخارجها إنتاج النفط بمقدار نحو 1.8 مليون برميل يوميًا بموجب اتفاق ينتهي بحلول نهاية 2018، وهو الخفض الذي كان سببًا رئيسيًا في ارتفاع الأسعار.

وعلى ما يبدو فإن منتجي النفط بقيادة السعودية يحاولون دعم استمرار هذا النجاح، وهذا الأمر الذي اتضح من خلال دعوة السعودية، مؤخرًا إلى ترسيخ «إطار عمل» جديد بين «أوبك» والدول النفطية خارجها يمتد إلى ما بعد نهاية 2018، وهذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها المملكة بدعوة علنية لإقامة تعاون طويل الأمد مع المنتجين من خارج المنظمة.

وتبرر السعودية هذا الاتجاه بأن الهدف ليس فقط دعم الأسعار وإنما خفض مخزونات النفط العالمية وإعادتها إلى مستوياتها الطبيعية، بالإضافة إلى تحقيق توازن بين العرض والطلب، وهي الأهداف التي لم تتحقق بعد، بل إن «الفالح» يرى أن السوق ليس قريبًا من تحقيقها، لهذا جاءت الدعوة لتعاون طويل المدى.

هذا التعاون الذي لا تستبعده أيضًا روسيا، لا شك أنه يصب في مصلحة الأسعار، وذلك في الوقت الذي تتزايد فيه التوقعات حول أن أسعار النفط قد تستقر خلال العام الجاري عند مستوى 70 دولارًا، ولكن يظل كذلك النفط الصخري هو العائق الأكبر في ظل تزايد نشاطه مؤخرًا.

للمزيد عن توقعات أسعار النفط خلال 2018، اقرأ أيضًا:

وبحسب هذه المعطيات نستطيع القول إن هذا السعر ليس مؤقتًا، وهو ما يجعلنا نتحدث عن الرابحين والخاسرين من هذا الارتفاع بأسعار النفط، وهو ما سنناقشه خلال السطور القادمة، وسيكون الحديث منقسمًا ما بين المنتجين والمستهلكين.

المنتجون.. فوائد عامة بنسب متفاوتة

عندما كنا نتحدث عن هبوط أسعار النفط دائمًا ما كان الحديث حول خسائر المنتجين سواء من خارج أوبك ومن داخلها، ومن الطبيعي عندما يتعافى النفط سيكون المنتجون هم أول المستفيدين من هذا التعافي، ولا نستثني هنا منتجي النفط الصخري، فبعد هذه الأزمة فرضوا أنفسهم لاعبًا أساسيًا في السوق، ولكن فوائد المنتجين ستكون متفاوتة ولها حسابات مختلفة، فعلى سبيل المثال، لن تستفيد فنزويلا كما ستستفيد روسيا، رغم أن البلدين يعتمدان على النفط بشكل أساسي.

أمريكا.. أعلى إنتاج في 46 عامًا

في نهاية ديسمبر (كانون الأول) كشفت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، عن أن إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع إلى مستويات قياسية، وذلك بمقدار 167 ألف برميل إلى 9.64 مليون برميل يوميًا في أكتوبر وهو أعلى مستوى شهري في أكثر من 46 عامًا، هذه القفزة في الإنتاج جاءت بعد اتجاه أسعار النفط للارتفاع، وهو ما يكشف عن أن أمريكا استفادت كثيرًا من ارتفاع الأسعار، في الوقت الذي لا تلتزم البلاد باتفاقات خفض الإنتاج لأنها ليست طرفًا فيها.

اقرأ أيضًا:

الارتفاع في الإنتاج جاء معه زيادة كبيرة في الصادرات، والتي ارتفعت إلى 1.73 مليون برميل يوميًا في أكتوبر مقارنة مع 1.47 مليون برميل يوميًا في سبتمبر (أيلول)، ويعتبر هذا الرقم كبيرًا جدًا خاصة أن والكونجرس وافق فقط في 18 ديسمبر 2015، على إنهاء الحظر المطبق منذ 40 عامًا على صادرات النفط الخام، وكانت الشركات تكتفي بتصدير منتجات النفط المكرر فقط، فيما تم تصدير أول شحنة في أول شحنة نفط إلى الخارج في يناير 2016.

ويشكل النفط الصخري نحو ثلثي إنتاج الولايات المتحدة الحالي من النفط، فيما يرى بنك باركليز أن إنتاج النفط الصخري قد ينمو مجددًا بما يتراوح بين 400 و500 ألف برميل يوميًا إذا بلغ متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 60 دولارًا للبرميل.

روسيا.. أعلى إنتاج منذ 30 عامًا

بالرغم من أن روسيا تشارك في اتفاق خفض إنتاج النفط، إلا أن ذلك لم يمنعها عن رفع إنتاجها إلى 10.98 مليون برميل يوميًا وهو الأعلى منذ 30 عامًا، لذلك تعد البلاد من أكبر المستفيدين من وصول أسعار النفط إلى 70 دولارًا، خاصة أنها أكبر مصدر للنفط في العالم، متجاوزة السعودية، إذ بلغت صادراتها في أغسطس (آب) الماضي نحو 5.102 ملايين برميل، كما صدرت نحو 5.125 ملايين برميل في يوليو (تموز) الماضي.

وبحسب وزير المالية الروسي، أنطون سيلوانوف، فإن ميزانية بلاده ستحقق فائضًا خلال العام الجاري في ظل ارتفاع أسعار النفط، موضحًا أن عجز الموازنة في 2017، قد تراجع بواقع 0.7% بسبب ارتفاع الأسعار، إذ بلغ نحو 1.5%، في حين كانت توقعات الحكومة تشير إلى عجز بنسبة 2.2%.

ووفقًا لهيئة الجمارك الفيدرالية الروسية فإن عائدات روسيا من صادراتها النفطية ارتفعت خلال أول سبعة أشهر من 2017 بنسبة 35% مقارنة بالفترة نفسها من 2016، وذلك بالرغم من أن الأسعار لم تصل إلى مستواها الحالي المرتفع، وهو ما يشير إلى أن نسبة العائدات ستسجل قفزة كبيرة في حال استمر النفط قرب مستوى الـ70 دولارًا.

«أوبك».. إيران الأكثر ربحًا والخليج يتحمل العبء

لا شك أن كل الدول المنتجة للنفط مستفيدة من تحسن الأسعار ولكن في ظل خطة خفض الإنتاج فيمكن القول إن بعض الدول ستستفيد أكثر من غيرها، فمثلًا أمريكا وروسيا بوصفها دولًا خارج منظمة أوبك فوائدها أكثر من الدول الأعضاء في المنظمة، كما أن إيران التي لم ترتبط بسقف للإنتاج بحسب الاتفاق ستستفيد أكثر من السعودية وجيرانها الخليجيين الذين يتحملون النصيب الأكبر من الخفض.

ووفقًا لوزير النفط الكويتي، بخيت الرشيدي، فإن نسبة التزام بعض دول المنظمة والدول من خارجها، باتفاق خفض الإنتاج، بلغت 125% خلال ديسمبر الماضي، إذ أظهرت تقارير مؤخرًا أن حجم صادرات النفط الإيراني وصل خلال شهر سبتمبر إلى 3.81 مليون برميل يوميًا بعد أن كان 3.79 مليون برميل يوميًّا خلال شهر أغسطس، إذ ذكر مسح أجرته «رويترز» أن إيران عززت إنتاجها حيث ارتفع إنتاج إيران من النفط يوميًّا 20 ألف برميل.

اقرأ أيضًا:

على الصعيد الآخر لا يمكن إهمال الحديث عن الفوائد التي حصلت عليها دول الخليج من هذا الارتفاع خاصة أن هذه البلدان بدأت العام الجديد بموازنات تقشفية، ولم تضع ارتفاع النفط ضمن حساباتها، وبما أن النفط يشكل ما يقرب من 90% من إيرادات معظم الموازنات الخليجية، فإن صعود النفط خلال آخر ثلاثة أشهر بنحو 20% ينعش إيرادات هذه البلدان كثيرًا، خاصة أن تقييم سعر برميل النفط في معظم هذه الموازنات أقل كثيرًا من السعر الحالي، إذ تشير التقديرات إلى أن موازنة السعودية 2018 تعتمد على سعر يتراوح بين 51 دولارًا إلى 55 دولارًا لبرميل النفط.

اقرأ أيضًا:

بينما حددت الدوحة الموازنة على أساس سعر برميل النفط عند مبلغ 45 دولارًا، فيما قدرت سلطنة عمان إيراداتها على أساس سعر نفط 50 دولارًا للبرميل، ما يعني أن الإيرادات ستشكل قفزة كبيرة ستساهم بقوة في خفض عجز هذه الموازنات، وهذا الأمر ينطبق على معظم الدول الأعضاء في «أوبك» كالجزائر والعراق.

ورغم أن فنزويلا أحد أعضاء المنظمة ومنتج أساسي بسوق النفط إلا أن تراجع إنتاجها سيقوض هذه الاستفادة، إذ هبط حوالي 13% العام الماضي، وذلك إلى أدنى مستوى سنوي في 28 عامًا، بسبب الأزمة الاقتصادية الطاحنة.

المستهلكون.. مصر وتونس والمغرب الأكثر تضررًا

بعكس الوضع بالنسبة للمنتجين لا شك أن كل المستهلكين للنفط متضررون من ارتفاع الأسعار، وعلى رأس الدول المستهلكة كل من الصين والهند واليابان، إذ إن هذه الدول حققت وفرات ضخمة في موازناتها خلال فترة هبوط الأسعار، بالإضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي التي تعد من المستهلكين كذلك.

وفي الشرق الأوسط يمكن القول إن كلًا من تركيا ومصر والمغرب وتونس هم أبرز الدول الخاسرة من عودة الأسعار للصعود، ولكن ما يجعل الأزمة مضاعفة بالنسبة لدولة كمصر على سبيل المثال هو أن موازنة البلاد قائمة على تقدير لسعر برميل النفط أقل كثيرًا من المستوى الحالي الذي وصلت إليه الأسعار، إذ تشير تقديرات إلى أن كل زيادة في سعر برميل خام برنت بقيمة دولار واحد، ترفع قيمة دعم المواد البترولية بنحو 3 مليارات جنيه في مصر.

ووضعت مصر موازنة 2017- 2018 الجارية على أساس سعر بين 55 و57 دولارًا لبرميل النفط، وهذا السعر أقل بنحو 10 دولارات من السعر الحالي، وهو ما سينعكس على فاتورة واردات الطاقة في البلاد، ويرفع قيمة الدعم المخصصة للمشتقات البترولية، ويرفع كذلك نسبة العجز في الموازنة.

لا يختلف الوضع كثيرًا في تونس عن مصر، إذ قدرت البلاد موازنة 2018 على أساس أسعار نفط بنحو 54 دولارًا للبرميل، وهو الأمر الذي يشكل تهديدًا حقيقيًا للموازنة، في حال استمرت أسعار النفط قرب مستوى الأسعار الحالي الذي هو أكبر من السعر المقدر بالموازنة التونسية بنحو 15 دولارًا للبرميل.

وفي المغرب ربما تكون الأزمة أقل حدة بعض الشيء، إذ تبني البلاد توقعاتها الاقتصادية على أساس سعر برميل النفط في حدود 60 دولارًا، وبالرغم من أن هذه القيمة أكبر من التقديرات في مصر وتونس، إلا أنها تظل بعيدة عن مستوى الأسعار العالمية الحالية، خاصة أن المملكة تستورد 95% من احتياجاتها النفطية، وهو ما يشكل ضغطًا إضافيًا على اقتصاد البلاد، وربما يقوض من معدل نمو الاقتصاد، حال استمرت أسعار النفط في الصعود.

المصادر

تحميل المزيد