بمجرد الحديث عنه، ارتفعت أسعار النفط زهاء 20%، وبمجرد الحديث عن رفض تأجيل إيران خططها للانضمام له انخفض سعر النفط إلى 3%. إنه مجرد اقتراح لاتفاق تجميد النفط طُرح في محاولة لدعم أسعار النفط التي تهبط بشكل سريع، بسبب التخمة في المعروض، إذ عُقد، خلال هذا الشهر، اجتماع رباعي مغلق، في العاصمة القطرية الدوحة، ضم وزراء نفط كل من السعودية وقطر وفنزويلا وروسيا.

ورغم عدم وضوح طبيعة الاجتماع، ومدى إلزامه للدول المجتمعة، إلا أنه يعتبر حلًا ذا اعتبار لمواجهة تدهور أسعار الذهب الأسود، وتعد إيران العقبة الأكبر أمام اتخاذه، بينما تتخذ روسيا موقفًا داعمًا له.

لماذا تجميد النفط؟

تشهد أسواق النفط العالمية وضعًا مضطربًا، نجم عنه انخفاض سعر برميل خام برنت بنسبة 70% (صيف 2004) ليصل إلى نحو 33 دولار، وتخمة في سوق النفط العالمية بفائض في المعروض قدره 1.8 مليون برميل يوميًا.

ولأن الدول المنتجة تكبّدت خسائر هائلة، جاء اقتراح قرار خفض إنتاج النفط، كمحاولة لتحقيق استقرار في سوق النفط العالمية، ومن ثم تعزيز أسعار النفط. إذ يساهم التجميد بدعم أسعار النفط، فالفائض يتوقع أن ينخفض إلى النصف إذا نجح اتفاق تجميد مستويات الإنتاج، فتجميد الإنتاج سيحول دون هبوط كبير آخر في أسعار النفط.

ولا يمكن إغفال أهمية هذا الاتفاق في الضغط على منتجي النفط الصخري، فأحد الأسباب الرئيسة لانهيار السعر العالمي للنفط،هو قيام بعض منتجي النفط الصخري الأمريكيين، بضخ كميات إضافية في الأسواق، أدت هذه الكميات إلى انخفاض السعر العالمي لنفط، والاتفاق سيحقق استعادةً لحصة الدول المنتجة حين يتعافى السعر بسبب التجميد.

دوافع السعودية نحو تجميد النفط

إلى مدى غير مسبوق، انعكس انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد السعودي، فاضطرت الحكومة السعودية لاتخاذ إجراءات تقشفية لمواجهة تدهور مواردها المالية.

في تقرير خاص، تورد صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، عدة دوافع حركت السعودية نحو اقتراح تجميد النفط، منها أن السعودية أدركت أنه لا توجد مؤشرات للتعافي في أسعار النفط، فقد يتواصل الانخفاض ليصل إلى 10 دولارات للبرميل ما لم يتم تقليص حجم الإنتاج العالمي.

ولأن السعودية – ثاني أكبر منتج للنفط على مستوى العالم- لديها قدرة على التأثير على السعر العالمي للنفط، فقدعجلت باقتراح التجميد؛ لمواجهة خطر الإفلاس في حالة تدني سعر النفط أكثر وأكثر، إذ حذرها سابقًا صندوق النقد الدولي من فقدان أصولها المالية خلال خمس سنوات فقط، إذا واصلت الإنفاق بالمعدل الحالي.

ولا يغفل تقرير «الإندبندنت» انعكاس تأثير انخفاض أسعار النفط على البورصة السعودية، فتخوف الشركات الصناعية للنفط من الإفلاس انعكس على تحركات البورصة، وشهدت أسهم الشركات السعودية تراجعًا أكبر. كما يورد التقرير دافعيْن آخريْن لحرص السعودية على الخروج باتفاق تجميد النفط، أولهما رغبة الشركات السعودية بالضغط على منتجي الصخور النفطية الأمريكيين بتقليل إنتاج النفط، ومن ثم استبعاد المنتجين الأميركيين المنافسين من قطاع الصناعة، وثانيهما رغبة تلك الشركات في إيذاء منافسيها الإيرانيين، إذ لا تريد السعودية أن «تستفيد إيران، المنافس الإقليمي الأكبر لها، من صادراتها الجديدة؛ بل ترغب في أن يظل سعر النفط منخفضًا نسبيًا».

إيران والمصلحة الاقتصادية

بينما كانت إيران تخطط لزيادة إنتاجها من النفط بمقدار 500 ألف برميل في اليوم، وتطمح إلى إنتاج المليون برميل في اليوم، جاء اقتراح اتفاق تجميد النفط ليهدد ما تخطط له، فزيادة إنتاجها النفطي بعد رفع العقوبات الغربية عنها لا تقل إيجابية عن الاتفاق الذي سيضبط لها كمنتج كبير أسعار النفط التي تدهورت بشكل كبير في الفترة الأخيرة.

وتشير الشريك المؤسس وكبيرة الاقتصاديين في «إنرجيآسبيكتس»، أمريتا سين، إلى أن «إيران تعتزم رفع صادراتها بشكل سريع، بنحو مليون برميل يوميًا، معتقدةً أن الأسواق قد تأثرت بهذا، وأن عودة إيران إلى الأسواق يجب أن تكون بشكل تدريجي». وتتوقع «إنرجيآسبيكتس» أن «يرتفع الإنتاج الإيراني بواقع 250 ألفًا إلى 400 ألف برميل يوميا، إذ بعد متابعتها للناقلات وجدت أن هناك زيادة بنحو 100 ألف إلى 150 ألف برميل يوميا من الصادرات الإيرانية».

فمشكلة أسعار النفط الناجمة عن التخمة في المعروض، ستحل لحدّ ما، إثر تطبيق اتفاق تجميد النفط الذي يُعد هدفه الأساسي ضبط الأسعار، وهذا ما يعني أن إيران ستحصل على سعر أفضل للنفط، ومع ذلك كان رد الإيرانيين على محادثات الاتفاق المبدئي متذبذبة بين القبول المبدئي والاستهزاء بالاقتراح، فبينما قال وزير النفط الإيراني «بيجنزنجنه»: «إن بلاده ستنضم إلى المحادثات بين منتجين آخرين بشأن «تجميد محتمل» لإنتاج النفط، بعد أن يصل إنتاج إيران إلى أربعة ملايين برميل يوميًا»، قبل أن يُضيف: «اتفاق تجميد النفط مُثير للضحك».

و تعد مسألة قبول إيران بهذا الاتفاق حاسمة في نجاحه من عدمه، لذلك تبدو السعودية مصرة على انضمام إيران إلى اتفاق التجميد، فتدهور العلاقات الدبلوماسية واختلاف المصالح السياسية بين الخصمين الإقليميين لا يعني أن المصلحة الاقتصادية الكبيرة والمتعلقة بالنفط قد تفرقهما.

تجميد النفط يُنقذ الاقتصاد الروسي

تدرك روسيا أن سوق النفط سيتعافي بشكل كبير، حال تم تجميد النفط من قبل كبرى الدول المنتجة له، لذلك كانت واحدة من الدول الأربع التي عقدت، في الدوحة الشهر الحالي، اجتماعًا مغلقًا، كما كانت معنية بانضمام إيران لهذا الاتفاق.

لذلك يبدو أن روسيا لن تخذل السعودية هذه المرة، كما حدث عام 2001، عندما اتفقت مع السعودية والمكسيك والنرويج على المساهمة في خفض الإنتاج العالمي من النفط، لكنها لم تلتزم بالاتفاق، وسارعت لرفع إنتاجها عقبه مُباشرةً.

تجميد النفط بالنسبة لروسيا التي تُعاني وضعًا اقتصاديًا سيئًا بسبب العقوبات الغربية المفروضة عليها- يعني ضمانها إنتاجًا قد ينمو بنسبة تتراوح ما بين 1.7% إلى 1.9% على أساس سنوي، إذ إن انخفاض أسعار النفط تسببت في انخفاض إنتاجها النفطي؛ لأن الشركات خفضت استثماراتها فيها.

كما أن هناك عجزًا ماليًا ضخمًا تعاني منه الحكومة الروسية، سيدفعها لا محالة إلى قبول اتفاق تجميد النفط للحصول على حوافز هذا الاتفاق، وانعكاسه على اقتصادها، لذلك اعتبر اجتماعها بالسعوديين في قطر، رغم اختلاف مصالح الدولتين في سوريا على وجه التحديد، سعيًا وراء مصالحها الاقتصادية، إذ إنّ «النزاعات الإقليمية لن تحول دون اتفاق نفطي؛ نظرًا لأن كل الأطراف المعنية تحتاج إلى المال»، كما يقول الخبير النفطي في جامعة جورج تاون، جان فرنسوا سيزنك، مضيفًا: «يمكنهم أن يخفضوا الإنتاج ويزيدوا المداخيل ويستمروا في قتال بعضهم البعض»، مشيرًا إلى أن اتفاقًا نفطيًا ناجحًا قد «يسهل بالأساس الحديث عن تسوية في سوريا».

المصادر

تحميل المزيد