“وقعت مصر بالأمس أكبر صفقة استثمارية منفردة في تاريخها مع شركة “بريتش بتروليوم”  بـ12 مليار دولار, وتختص الاتفاقية بالاكتشافات الجديدة شرق وغرب الدلتا لتطوير خمسة تريليونات قدم مكعب من موارد الغاز، ليعادل إنتاجها 25% من إنتاج مصر الحالي للغاز الطبيعي، والذي لن يظهر قبل 2017 حسب تصريحات الطرفين على هامش مؤتمر دعم وتنمية الاقتصاد المصري المنعقد حاليًا في شرم الشيخ”.

الخبر الذي قرأته الآن ليس الأول من نوعه، فقد تصدر الصحف المصرية عبر 3 حقبات مانشيت “شركة بريتش بتروليوم تستثمر 11 مليار دولار للكشف عن الغاز بدلتا مصر”، فظهر أوله في عهد مبارك، وثانيه بعد تولي أحمد نظيف رئاسة الوزراء، مرورًا بحكومة هشام قنديل ورئاسة محمد مرسي، وحتى الأمس بعهد عبد الفتاح السيسي والمؤتمر الاقتصادي, حتى تلك اللحظة لا خلاف، لكن إذا عرفت أن الشركة لم تحفر بئرًا واحدًا في مصر مدة 20 عامًا، واستمرت في تعديل اتفاقياتها لكسب مزيد من الأسهم والأرباح والإعفاء من الضرائب، لينتهي الأمر بأن تملك “بريتش بتروليوم” 100% من أكبر حقل بمصر شمال وشرق الدلتا؟ سيكون السؤال الآن ما الذي حققته الشركة خلال “50” عامًا تدعي أنها قضتهم في مصر “بشراكة ناجحة”؟

20 عامًا بدون حفر بئر واحد، واكتشافان هامان ليلة المؤتمر الاقتصادي

تملك الشركة – متعددة الجنسيات- نحو 40% من مصادر إنتاج الطاقة بمصر، وبعد اتفاق الأمس يبدو أن نسبتها قابلة للزيادة وفقًا للتدرج الزمني منذ عهد مبارك والذي سأعرضه لك, فقد عملت الشركة في مصر بنظام “التسقيع” حيث ولمدة 20 عامًا من الحفر في منطقة الدلتا لم تعلن إلا منذ أيام عن اكتشافين كبيرين للغاز الطبيعي في منطقة شرق الدلتا، وهما بئر (آتول-1) وحقل (سلامات) ليكن للشركة الحق في كسب الصفقة الحالية مع استمرار الاتفاق الأخطر في تاريخ قطاع البترول، وتستمر “بريتش بتروليم” في إملاء شروطها على مصر لتنتهي بالهيمنة على احتياطات المنطقة دون تدخل من الحكومة وسط شركاء دوليين من إسبانيا وألمانيا وروسيا.

الآن سأعرض لك ما مرت به الشركة الكبرى عالميًّا خلال السنوات الماضية من صفقات فشلت وأدت لتراجعها، أهمهما أمريكا والأردن مع تورطها في قضية سياسية، ثم نعود ثانية لوضعها في مصر منذ 1990.

1- كارثة بيئية بجنوب أمريكا

من أول الخلافات بين الأمريكيين وأوباما بطء إجراءاته حيال الكارثة النفطية تلك, حيث تسببت الشركة في أسوأ تسرب نفطي في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 5 ملايين برميل من النفط إلى المياه، حيث انفجر بئرها النفطي في المياه العميقة بخليج المكسيك في أبريل 2010 عبر تدمير المنصة الواقعة في لويزيانا جنوب الولايات المتحدة، قاذفة ثلاثة عشر شخصًا في المياه كانوا على متن المنصة, وجاء هذا الانفجار بعد 14 شهرًا من انفجار ثم غرق منصة ديب ووتر بنفس المكان، والذي أدى إلى مقتل 11 شخصًا وأسوأ بقعة نفطية في تاريخ أمريكا لترحل الشركة تاركة كارثة بيئية استمرت نحو 3 أشهر.

2-  التخلي عن الأردن بعد حفر 4 سنوات

وقد تسببت الاتفاقية المبرمة بين الحكومة الأردنية وشركة بريتش بتروليوم في أزمة لدى الشركة الوطنية واعتراض وزير البترول, فقد سحبت الشركة البريطانية سيادة الأردن على مناطق الاتفاقية، ومنحتها نسبة 1% من نسب الإنتاج عند 300 مليون قدم، وتنتهي لـ10% عند إنتاج أكثر من 1100 مليون قدم في وقت الممارسات العالمية في هذا القطاع، تعطي الحكومة نسبة 70% إذا كان الحقل مكتشفًا و50% إذا كان غير مكتشف, إضافة إلى ذلك لا تلتزم الشركة بتعيين وتشغيل أردنيين، مع تعطيل عمل شركة البترول الوطنية وسحب صلاحياتها وامتيازاتها في ظل منح الشركة البريطانية كل التمليكات ورفض الحكومة شراء الغاز الوطني, لتمر أربع سنوات حتى تقدمت بريتش بتروليوم عام 2011  بالشكر لشعب الأردن على استضافتها، وقالت إن نشاطاتها الاستكشافية في الأردن “لم تسفر عن تحقيق مشروع تطويري بناءً على الأسس الفنية وتركت الأردن ومشروعاتها”.

3- تخابر في أزمة المقرحي لكسب صفقة بليبيا

قامت بريتش بتروليوم بالضغط على الحكومة الإسكتلندية للإفراج عن الليبي عبد الباسط المقرحي مقابل حصولها على عقود نفطية في ليبيا, فمارست الشركة البريطانية ضغوطًا على لندن للتعجيل بعقد اتفاق لتسليم السجناء مع ليبيا مقابل الحصول على عقود في هذا البلد, وقابلت الشركة اتهامات أعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي، وقاموا بإفشاء أسرار الشركة والحكومتين البريطانية والإسكتلندية للحصول على معلومات عن صفقات سرية تتعلق بالإفراج عن المقرحي المدان الوحيد في حادث تفجير طائرة بان أمريكان فوق قرية إسكتلندية عام 1988، راح ضحيتها 270 قتيلًا بينهم 189 أمريكيًّا، ورغم ذلك أفرج عنه القضاء الإسكتلندي، وعاد إلى ليبيا يلقى استقبال الأبطال.

«بريتش بتروليوم» جاءت مصر بالوراثة والمخالفات


في عام 1992، ورثت شركة “بريتش بتروليوم” الاتفاقية الأولى لمنطقة شمال الإسكندرية المبرمة بالقانون رقم ١٥ لسنة ١٩٩٢، والتي كانت موقعة بين الهيئة وشركة «ريبسول» الإسبانية, لتبدأ “بريتش بتروليوم” العمل 1998 بإعلانها اكتشاف حقل هائل في منطقة الامتياز، لكن الشركة لم تقدم لمصر حصتها المقدرة بنسبة 70% أو غرامة التأخير، ومنذ ذلك الحين لم تحفر الشركة بئرًا واحدًا مع تجديد امتيازها طوال 20 عامًا.

العهد الأول من المخالفات

أول مخالفة لشركة “بريتش بتروليوم” كانت في الفترة ما بين ٢٠٠١ حتى ٢٠٠٣ استمرت فيها منطقة الامتياز تحت تصرف الشركة رغم انتهاء العقد في 2001 واستغلال المنطقة دون سحبها وطرحها في مزايدة جديدة, وفي عام 2003 كانت المخالفة الثانية، عندما حاولت الهيئة تجاوز الخطأ القانوني بما يبقي المنطقة خاضعة لسيطرة الشركة البريطانية، فتم تحويل منطقة امتياز شمال الإسكندرية بشكل شبه كامل “دون مقابل” إلى منطقة تنمية لمدة تصل إلى 35 سنة، بما في ذلك مساحات لم يتحقق بها أي اكتشافات، ومخالفة قاعدة “لا عقود تنمية إلا بعد تحقيق اكتشافات”.

عام 2008، طلبت الشركة البريطانية تعديل بعض بنود عقد التنمية بدعوى ارتفاع تكلفة الإنتاج، وكان هذا “التعديل الأول” والذي سيتكرر معنا وسيستجاب لها كل مرة.

التعديل الأول «مضاعفة الربح ليصل إلى 64%»

تم التعديل عام 2008 ونص على:-

الإبقاء على نسبة الـ٤٠% من الإنتاج للشركة لاسترداد المصروفات بحجة ارتفاع تكلفة الحفر ومضاعفة مكسب الشركة إلى 24%، ليصبح إجمالي نسبة الشريك بوجه عام ٦٤% مقابل ٣٦% للهيئة العامة للبترول “أي مصر”، 

والتي دافعت عن التعديل بدعوى “تشجيع المستثمرين” إلا أنه ورغم تقلص حق مصر فيظل حقها في الحصول على 36% من النتاج مجانًا لكنها لم تصل له, حيث لم يتم إدراج إجمالي 5 حقول اكتشفتها الشركة في التعديل وهي: “ليبرا, طوروس, فيوم, جيزة, ريفين” بإجمالي احتياطي 7 تريليون قدم مكعب من الغاز مع 60 مليون برميل مكثفات وكشفين بمنطقة غرب المتوسط هما “روبي وبولارس”.

لم يكن لمصر فرصة للتفاوض حول التعديل بعد مماطلة الشركة البريطانية في مباشرة عملها بدعوى ارتفاع التكاليف رغم مضاعفة نسبة ربحها في “التعديل الأول”، علمًا بأن الشركة كانت تعلم كل التفاصيل الفنية بالآبار العميقة، وهذا يبرر شراءها لنصيب الشركة الإسبانية بالكامل؛ مما يجعل إعادة التفاوض غير منطقي، خاصة وأن سعر الغاز في التعديل الأول فاق 3 دولارات للوحدة الحرارية.

تعديلات حكومة نظيف تنزع سيادة مصر عن أرضها لصالح الشركة “تمامًا”

أحمد نظيف رئيس وزراء مصر آنذاك وصاحب التعديل الثاني

التعديل الثاني

عام 2010، تخلت مصر عن سيادتها فوق منطقة امتياز شركة “بريتش بتروليوم”، حيث اتفق أحمد نظيف رئيس الوزراء آنذاك مع الشركة على تعديل نظام التنقيب وإنتاج الغاز الطبيعي في حقل شمال الإسكندرية، ليتم بمقتضاه:

تنازل الحكومة المصرية عن ١٣ مليار دولار على الأقل لصالح الشركة البريطانية دون مبرر اقتصادي أو فني، وإنهاء العمل بنظام تقاسم الإنتاج مع الشركة لتكن هي المالكة بنصيب 100%، وتتحول الهيئة العامة للبترول إلى “مستورد داخلي للكميات المنتجة من حقل الإسكندرية”، فيما يسمى “استيراد داخلي” ليسمح الاتفاق الذي نجحت فيه الشركة بحصولها على كامل إنتاج الحقل طوال فترة التنقيب والاستثمارات المقدرة بنحو 20 عامًا، فيما يعرف بنظام «ما بعد الاستثمار»، والذي لا يتيح لهيئة البترول تقاسم أي نسب إنتاج على مدار الفترة المتفق عليها مع الشركة, بل تقوم بشراء كامل الإنتاج وذلك بسعر تقريبًا حوالي ٤ دولارات للمليون وحدة حرارية من الغاز, كما تتحمل هيئة البترول كافة الضرائب نيابة عن الشركة.

باتفاق نظيف مع الشركة منح الشركة عائدًا “مضاعفًا” من الاستثمارات عن ذلك السائد في اتفاقيات هيئة البترول مع الشركاء الأجانب, كما ضمن للشركة الحصول على عائدات نقدية سنوية تصل إلى 20 مليار دولار “تدفعها مصر” من خلال التزامات بنكية ملزمة للهيئة العامة للبترول، في وقت تبيع فيه مصر الغاز وبنفس الكمية بنصف السعر للأردن وإسرائيل وفرنسا وإسبانيا؛ مما يضاعف خسائر الهيئة العامة للبترول لتكن الميزة الثالثة لهذا الاتفاق أن على الشركة أن تسرع في تنمية حقل شمال الإسكندرية والاستفادة منه، خاصة مع احتياج مصر للطاقة في مجالي الصناعة والكهرباء, ليتم كل هذا دون عرض المشروع على مجلسي الشعب والشورى.

هذا وقد وصف سامح فهمي وزير البترول المصري آنذاك العلاقات المتميزة بين مصر والشركة بمثال يحتذى به لتحقيق مصالح الجانبين بشكل متوازن!

العقد ذاته يتجدد مع حكومة مرسي ومؤتمر السيسي

جاءت حكومة هشام قنديل عام 2012 وتحت حكم محمد مرسي لتعلن شركة “بريتش بتروليوم” للمرة الثالثة الخبر نفسه عن ضخها 11 مليار دولار في صورة استثمارات لها لاستخراج الغاز الطبيعي من المياه العميقة في البحر المتوسط، بدعوى أن تلك الاستثمارات تأتي مع إصرار الشركة على الاستثمار بمصر؛ مما يعطي رسالة إيجابية للمستثمر الأجنبي.

هو المبرر ذاته المطلوب الترويج له الآن “رسالة إيجابية للمستثمر الأجنبي” في ظل المؤتمر الاقتصادي، ليأتي رد على توقيع السيسي اتفاقية جديدة مع شركة تعاقبت عليها الحكومات دون أن تحفر بئرًا واحدًا مع تجديد الامتياز طوال 20 عامًا مضت، والتفاوض أكثر من 7 مرات لينتهي الأمر بـ100% للشركة و(صفر%) لمصر.

علامات

النفط, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد