عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ اكتشفت الحكومة الروسية تسربًا نفطيًّا، يُرَّجح أنه الأكبر في تاريخها حتى الآن، لذا كان أول ما فعله الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو التواصل عبر الفيديو مع المسئولين عن التسرب النفطي وتوبيخهم. الشركة المسئولة لم تبلِّغ الحكومة إلا بعد يومين من التسريب، وبعد أن أصبح الخرق أكبر من قدرتهم على رتقه. في 29 مايو (أيار) 2020 تسرَّب 20 ألف طن من الديزل إلى نهر أمبارنايا في سيبيريا، وبعد خمسة أيام من الحادثة، وثلاثة أيام من معرفة بوتين بالأمر، أُعلنت حالة الطوارئ الوطنية في المنطقة.

العالم والاقتصاد

منذ شهرين
5 أسئلة تشرح لك ماذا يحدث للنفط الأمريكي

نادرًا ما يعترف بوتين بأن أمرًا ما يحتاج إلى الطوارئ الوطنية، لكن انهيار خزان الوقود في مدينة نوريلسك، والتابع لشركة «نوريلسك نيكل»، يُعد أمرًا شديد الخطورة. سبح النفط المُسرَّب لمسافة 12 كيلومترًا بعيدًا عن موقع الخزان، مُلوِّثًا مساحةً تبلغ 530 كيلومترًا مربعًا، وصابغًا النهر باللون الأحمر القاتم.

انهيار الخزان سببه انهيار الدعائم التي تحمله، والدعائم في الخدمة منذ 30 عامًا، ووفقًا لسجلات الشركة فإنها تُفحص كل عامين، ودائمًا ما تقول نتائج الفحص إنها ليست بحاجة لأي صيانة، ويمكنها الاستمرار لعامين جديدين. حادث جديد يُذكِّر بحادث انفجار المفاعل النووي «تشيرنوبيل» وما رافقه من البيروقراطية والتضليل اللذين أدَّيا إلى بطء في التعامل، حتى خرجت الأمور عن السيطرة. لكن يبدو أن روسيا لم تتعلم الدرس، وإذا افترضنا صدق الشركة والتقارير الرسمية هذه المرة، فإن انهيار الخزان يُعلِّم الروس درسًا آخر؛ التغيُّر المناخي حقيقة.


تقول التقارير إن انهيار الدعائم سببه انهيار طبقة الجليد التي تحملها، فقد بُنيت محطة الطاقة بالكامل على المنطقة دائمة التجمد في القطب الشمالي. تلك المنطقة تضعف قوتها باستمرار مع التغيير المناخي والارتفاع المطرد في درجات الحرارة، لكن بوتين ورجاله لا يؤمنون بأن التغيير المناخي حقيقة؛ لذا لم يبالوا بأخذ احتياطاتهم.

ليس الحادث الأول.. ولن يكون الأخير

مهما كان السبب هذه المرة، وسواء اعترفت الشركة بمسئوليتها مثلما فعلت عام 2016 حين أقرَّت بأن الحديد الذي تسرب من مصاهرها قد صبغ نهر دالديكان بلون الدم، أم لا؛ فإن روسيا بالكامل عليها أن تواجه الكارثة. يقول الخبراء إنه بسبب ضخامة التسرب النفطي وضحالة النهر فقد يستغرق تنظيفه 15 عامًا في متوسط التقديرات، و10 سنوات في أشد التقديرات تفاؤلًا. هذه التقديرات يمكن أن تزداد بعد أن أعلنت السلطات المحلية أن عمليات التطهير لن تبدأ إلا بعد عدة أسابيع؛ لأن المنطقة ينقصها الوسائل اللازمة للتعامل مع هذه الكارثة، كما أن النهر غير صالح للملاحة، ولا توجد طرق تحيط به.

كل يوم تتأخر فيه عمليات التطهير تعني أن باطن أرض النهر يتشرب السم أكثر فأكثر، 6 آلاف طن من النفط تجرَّعتها الأرض حتى الآن. ما يعني أنه إذا استغرق الأمر 10 سنوات لتطهير سطح النهر، فإنه سوف يحتاج لعدة عقود كي يتعافى ويصبح صالحًا للحياة السمكية والمائية الأخرى.

كما أن حادث التسرب النفطي ليس الأول من نوعه في روسيا، فإنه ليس الأول في العالم كذلك. الحادثة الروسية دقَّت جرس الإنذار لتتكرر مناشدات العالم للحوثيين أن يسمحوا بدخول وفد أممي إلى «صافر». تلك السفينة المملوكة للحكومة اليمنية، والتي بمثابة خزان ضخم للوقود كان معدًّا لاستقبال النفط الخام الآتي من شمال صنعاء، لكن انقلاب الحوثيين حال دون تصدير الكمية المخزنة فيه، كما منع أي عمليات صيانة للخزان.

Embed from Getty Images

الصور المسربة التي تداولها ناشطون يمنيون أظهرت حجم الكارثة التي تحيط بالخزان،  مليون و278 ألف برميل نفط خام على متن السفينة؛ قنبلة موقوتة سوف تنفجر في أي لحظة. المأساة أن انفجارها لن يكون في وجه خاطفيها فحسب، بل في وجه كل من يطل على البحر الأحمر. فـ20 ألف طن دمَّروا ساحل سيبريا، فكيف بـ150 ألف طن على متن صافر؟

فإذا تآكل جسد السفينة التي لم تخضع لأي صيانة منذ سنوات، فستغرق سواحل البحر الأحمر كما غرقت سواحل البرازيل عام 2019، حيث غُطي 130 شاطئًا مختلفًا في البرازيل بالنفط، ولم يهتم الرئيس البرازيلي جابير بولسونارو، بمعرفة سببه أو التعامل معه، لذا ما تزال البرازيل تعاني من بعضه، ومن كامل آثاره حتى الآن.

سيناريو التسرب النفطي يتكرر والعالم ما زال يتفاجأ

تبدو تلك الحوادث الخطيرة هينةً، أمام الحوادث الكارثية التي شهدتها بحار العالم ومحيطاته على مدى العقود السابقة. ففي عام 1983 تسببت عاصفة قوية في إغراق الناقلة «أموكوكاديز» قرابة السواحل الفرنسية. تسربت شحنة الناقلة بالكامل في القنال الإنجليزي، ومنها تشعب ليغطي 76 شاطئًا مختلفًا، واتسعت رقعة التسرب النفطي ليصبح قطرها 29 كيلومترًا. في العام نفسه أيضًا اشتعلت النيران في الناقلة الإسبانية «كاستيلو دي بيلفر»، التي كانت متجهة إلى الخليج العربي. قسَّم الحريق الناقلة إلى نصفين، غرقت مؤخرة السفينة بحمولة قدرها 110 ألف طن من النفط الخفيف، وتسرب 140 ألف طن من المقدمة على سطح الماء.

شهد العام ذاته اصطدام ناقلة نفط بمنصة حقل «نوروز» النفطي في الخليج العربي أثناء حرب العراق وإيران. أدى الاصطدام إلى تسريب نحو 80 مليون جالون من النفط على مدار سبعة أشهر، فضلًا عن مقتل 11 شخصًا لحظة الاصطدام. بعد تلك الحوادث بخمسة أعوام بعثت الناقلة «أوديسي» ذكريات التسرب النفطي من جديد. أوديسي كانت تحمل 43 مليون جالون من النفط، شرارة واحدة في الناقلة الليبرية حوَّلتها لكتلة لهب، حصد الانفجار أرواح طاقمها المُكوَّن من 27 فردًا، وتسربت حمولتها بالكامل في المحيط الأطلسي. حادث أوديسي كان عام 1988، وبعد ثلاثة أعوام، وقع حادث آخر!

الناقلة المهولة «إم تي هيفن»، والتي تحمل 45 مليون جالون من النفط، انفجرت قرب سواحل إيطاليا، فغرقت ومات طاقمها، وتسربت حمولتها في البحر المتوسط، وظلت المنطقة تعاني من آثار ذلك التسريب لمدة 12 عامًا. وفي العام نفسه، وتحديدًا في 28 مايو 1991، انفجرت ناقلة النفط «آي بي تي سمر» قبالة سواحل أنجولا، وتسرب منها 51 مليون جالون من النفط. تلك الكمية انتشرت على مساحة 207 كيلومتر مربع، وظلت النيران مشتعلة في الناقلة لمدة ثلاثة أيام متتالية، حتى غرقت أخيرًا، ومعها خمسة أفراد من طاقمها.

المتتبع للتاريخ، سيلاحظ أن عام 1991 كان عام كوارث التسرب النفطي، فحادثة أخرى شهدها ذلك العام لكنها متعَمدة هذه المرة، فعندما انسحبت القوات العراقية من الكويت في حرب الخليج الثانية، فتحت خطوط أنابيب النفط وصمامات آبار النفط، ثم أشعلت النيران في النفط لمنع هبوط القوات الأمريكية في المنطقة. أول اشتعال كان في يناير (كانون الثاني) 1991، وآخر بئر جرى إطفاؤه كان في أبريل (نسيان) من العام نفسه، أي إن آبار النفظ ظلت مشتعلة 120 يومًا متواصلة، وأدى ذلك لتسرب 240 مليون جالون من النفط!

«ديب ووتر هوريزون».. أكثر من مجرد فيلم

رغم ضخامة الحوادث السابقة، فإنها لم تلق اهتمامًا كبيرًا من العالم، «ديب ووتر هوريزون» هي الحادثة التي حازت اهتمامًا ضخمًا، حتى حوَّلتها هوليوود إلى فيلم خاص. الحادثة جرت في 2010، تسرب غازي أدي لانفجار في منصة «ديب ووتر» التابعة لعملاق النفط «بريتش بيتريلوم». الانفجار أدى لمقتل 11 فردًا على الفور، واستمر التسرب النفطي لأكثر من ثلاثة أشهر كاملة دون توقف، بمعدل 53 ألف برميل نفط متسرَّب يوميًّا. وقد أدى الحادث لمقتل 82 ألف طائر، و26 ألفًا من الثدييات البحرية، و6 آلاف سلحفاة بحرية، وعشرات الآلاف من الأسماك.

الثمن البحري الباهظ الذي تدفعه الكائنات الأخرى على مدار عقود هو ما يجعل التسرب النفطي على رأس قائمة الكوارث المُهددة لاستمرار الحياة المائية بالكامل. فإذا لم تمُت الأسماك متسممةً بالنفط لحظة تسرُّبه، فإنها ستظل تموت به بعد عشرات السنوات، حين تتغذى على الشعاب المرجانية التي ترسب فيها. كذلك إذا لم تمُت الطيور احتراقًا بالنار المشتعلة فيها، فإنها تموت جوعًا؛ إذ يُشكل النفط حاجزًا سميكًا يمنعها من رؤية غذائها البحري، وإذا جازفت بعض الطيور فإن النفط يلتصق بأجنحتها، ويجعل طيرانها صعبًا، فتموت ساكنةً جائعةً.

Embed from Getty Images

أيضًا يتلوث الهواء والنباتات التي تتنفسه في محيط التسرُّب النفطي نتيجة النيران التي تنفث كميات مهولة من الأدخنة نحو السماء. وبجانب تلك الأضرار المباشرة فإن هناك خسائر أخرى غير مباشرة، مثل تدهور أحوال الصيادين إثر توقف أعمال الصيد في المناطق الملوثة. كما تتوقف السياحة البحرية والبرية في الشواطئ والمناطق المصابة لعدة سنوات، ما يعني خسائر تبدأ من مستوى الموظف البسيط، إلى التاثير في الدخل القومي للدولة.

لماذا لا تشفط الدول النفط فحسب؟

لأن الأضرار الناجمة عن التسرب النفطي شديدة البشاعة، فالدول تعمل باستمرار على وسائل أكثر لعلاج التسرب إذا حدث. من أولى طرق معالجة التسرب هي المعالجة الحيوية عبر استخدام كائنات حيَّة دقيقة معدَّلة وراثيًّا، تمتلك القدرة على العيش والتغذي على النفط، فبذلك تفتت البقع النفطية الضخمة وتحوِّلها إلى غاز الميثان أو ثاني أكسيد الكربون، الذي ينطلق بدوره إلى الجو.

الطريقة الثانية هى الطريقة التي تتبادر لذهنك في كل مرة تسمع فيها عن تسرب نفطي، الشفط أو القَشط. كاسحات أو ماكينات شفط عملاقة تحملها سفن ضخمة تقوم بشفط النفط المُتسرِّب وتجميعه في حاويات عملاقة، تُنقل الحاويات بعد ذلك إلى مصافي التكرير للاستفادة من النفط مرة أخرى. رغم أن تلك الطريقة تبدو بديهيةً وبسيطةً للغاية، فإنها أكثر طرق المعالجة تكلفةً، وتُعد مستحيلة كذلك. لتحدث تلك الطريقة بسلاسة يجب أن يكون النفط ثابتًا في مكان واحد، يعني لا وجود للرياح أو التيارات المائية التي تُحرك النفط، ولأن الرياح دائمًا موجودة، وتيارات الماء لا تنقطع، فلا تلجأ الدول لتلك الطريقة إلا نادرًا وفي التسريبات شديدة الصغر.

Embed from Getty Images

طريقة أخرى تلجأ لها بعض الدول تتمثل في استخدام مواد كيمائية تتفاعل مع النفط، وينتج من تفاعلها منتج صلب يغرق في قاع المياه أو يُحمل على سطح سفينة. تلك الطريقة هدفها الأهم هو أنها تقطع البقعة النفطية لجزر منعزلة ما يسمح بنفاذ الشمس والهواء للكائنات البحرية، بدلًا من أن تموت اختناقًا بسبب غيابهما.

هناك طرق أقل استخدامًا، مثل نثر قش الأُرز في مناطق التسرب، فيلتصق النفط على سطح القش مما يسهل جذبه للخارج، ويترك المحيطات نظيفةً خلفه. وطريقة أخرى أكثر ابتكارًا لجأت لها بعض الشركات الأمريكية، خصوصًا مع أزمة «ديب ووتر هوريزون»، وهي استخدام الشعر. اتفقت الشركة مع عشرات الآلاف من صالونات التجميل في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، لتنقل لها شعر الزبائن المقصوص بدلًا من إلقائه في القمامة، ومن ثم تصنع الشركة شباكًا من الشعر البشري تلقيها في بقاع تجمع النفط لامتصاصه، معتمدةً على طبيعة الشعر البشري في تشرُّب الزيوت.

العلاج بالتجاهل.. هكذا تتعامل بعض الدول مع الأمر

الطريقة الأخيرة التي قد تلجأ لها بعض الدول مضطرةً هي الحرق. إضرام النيران في البقعة النفطية كي تتلاشى مع الوقت، خاصةً إذا كانت البقعة بعيدة عن المناطق السكنية والشواطئ السياحية. بعض الدول تقرر وضع حواجز طافية تمنع وصول النفط والمياه الملوثة به إلى مناطق ساحلية معينة، دون أن تفعل شيئًا بخصوص المياه الملوثة. ودول أخرى تقرر ألا تفعل شيئًا تمامًا، أن تترك البقعة النفطية لعوامل المد والجزر والرياح؛ كي تفتتها وتنقلها بعيدًا عن شواطئها.

لكن المفاجأة أنه مهما كانت عمليات التطهير صارمة وسريعة، فإنها لن تنجح في إعادة الأمر لما كان عليه سابقًا. فالتسرب النفطي الذي حدث عام 1989 من شركة «إكسون فالديز» الأمريكية وقتل في حينها 250 ألف طائر بحري، و22 حوتًا، جرت معالجته على أفضل وجه، كما ظنت الإدارة آنذاك. لكن دراسة أجرتها الهيئة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي عام 2007، كشفت عن أن رمال شواطئ ولاية ألاسكا تحتوي على ما يُقدر بـ26 ألف جالون، وأنها تنخفض بنسبة 4% فقط سنويًّا.

العالم والاقتصاد

منذ شهرين
جون روكفلر و«الأخوات السبع»: كيف سيطرت 7 شركات على نفط الكوكب

ما يعني أن التسرب النفطي كارثة لا يكفي الاعتذار عنها، أو التعهد بمعاقبة المتسبب؛ لأن آثارها ستؤرِّق الطبيعية لأجيال متعاقبة، وقد تؤدي لانقراض شكل كامل من أشكال الحياة البحرية أو البرِّية على المدى الطويل؛ لذا فعلاجها الأمثل هو ألا تحدث!

المصادر

تحميل المزيد