لا تزال الأمور تبدو أكثر سوءًا بالنسبة لصناعة النفط، فبعد أن كشفت الوثائق التي يعود تاريخها إلى فترة الأربعينيات من القرن العشرين عن تنسيق الشركات للتغطية على دورها في ظاهرة التغير المناخي، هناك العديد من الشركات، بما في ذلك شركة إكسون موبيل، تواجه الآن تحقيقًا واتهامات بالغش وسط تصاعد الغضب الشعبي.

وقال الكثير من المتتبعين إن عملية التستر التي تقوم بها شركات النفط العالمية، حتى لا تظهر مسؤوليتها عن ظاهرة التغير المناخي، تشبه إلى حد كبير ما كانت شركات التبغ العالمية تقوم به منذ عقود طويلة لتضليل الرأي العام حول المخاطر الصحية للتدخين، وسط تجاهل واضح من شركات النفط الكبرى، وكأن شيئًا لا يحدث.

لكن دفعة جديدة من الوثائق التي تم جُمعت وأُصدرت من مركز واشنطن للقانون البيئي الدولي، أو «مركز القانون البيئي الدولي CIEL» يوم 20 يوليو (تموز)، قدمت دليلًا إضافيًا على أن المقارنة بين ما تفعله شركات النفط وشركات التبغ الكبرى، هي مقارنة في محلها، حتى أن الصناعتين تعملان سويًا في إطار صيغة تعاونية، لأكثر من نصف قرن مضى.

ثلاث دفعات من الوثائق

ووفقًا لكارول مافيت، رئيس مركز القانون البيئي الدولي، فإن الوثائق تظهر أن عمالقة شركات النفط والتبغ تقاسموا على مدى طويل إستراتيجيات التسويق والإعلان، ومعاهد البحوث، وشركات العلاقات العامة، وحتى العلماء.

وقال مافيت إنه خلافًا للاعتقاد الشائع، فإن شركات التبغ قد تعلمت الألاعيب الخاصة بها من صناعة النفط، وليس العكس، وبالتالي فإن شركات النفط هي اللاعب الكبير الذي علم شركات التبغ الكبرى كيفية التلاعب بعقول الناس واقناعهم بأنه لا يوجد ضرر من التبغ على صحتهم، بل ذهبت بعض الشركات لعرض فوائد التبغ، وهو ما يفسر إقبال الناس على شراء التبغ رغم علمهم بأنه ضار بالصحة.

في أبريل (نيسان) 2016، أصدر مركز القانون البيئي الدولي وثائق تظهر أن صناعة النفط عرفت عن الدور المحتمل للوقود الأحفوري في انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وذلك منذ عام 1957. هنا بدأت هذه الشركات فيما وصفه مافيت بأنه «تغيير شكل العلوم بهدف إعادة تشكيل الرأي العام»، هذا الأمر جرى طبقًا لآراء خبراء، منذ بداية الأربعينيات أيضًا وليس منذ عام 1957.

وكشفت جولة ثانية من الوثائق التي نشرت في مايو (أيار) 2016، أن شركات صناعة النفط كانت تملك التكنولوجيا اللازمة للحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في سبعينيات القرن العشرين، ولكن بدلًا من ذلك، اختارت هذه الشركات القيام بـ«الاستثمار في الأبحاث التي توضح عدم خطورة هذه الصناعات على المناخ».

الدفعة الأخيرة التي جرى الكشف عنها من الوثائق، والتي تضم العشرات من الوثائق التي سحبت من أرشيف يتكون من حوالي 14 مليون وثيقة تخص صناعة التبغ، والتي تحتفظ بها جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، تبين أن إستراتيجيات شركات النفط الكبرى «كانت فعالة بما فيه الكفاية لدرجة أن صناعة أخرى – الطفل المدلل العالمي للاحتيال على المستهلكين – أخذت هذه الإستراتيجيات بهدف تنفيذ حملة التضليل الخاصة بها، والمقصود هنا شركات التبغ». يقول مافيت إن عملية التلقيح المتبادلة بين الطرفين كان من السهل الحصول عليها، على حد تعبيره.

في يونيو (حزيران) 1957، زار فيليب موريس، وهو ممثل عن كبرى شركات التبغ، شركتي شل وهامبل (إيكسون موبيل حاليًا) للنفط، في ولاية تكساس الأمريكية لمعرفة المزيد عن مطياف الكتلة، وهي تقنية كانت تستخدمها صناعة النفط لاختبار ملوثات الهواء الخطرة.

رسم توضيحي 1إعلانات مضللة من شركات التبغ للتغطية على مخاطره

التبغ والنفط

وذكر مافيت أن «شركات النفط، بسبب أبحاثها التي تسبب الضباب الدخاني، وضعت تقنية فريدة من نوعها في الكشف عن السموم الدقيقة في الهواء». هذه التقنية والخبرة المكتسبة لشركات النفط لاقت «اهتمامًا خاصًا» من قبل فيليب موريس، طبقًا لما أشارت إليه شركة شل في تقرير لاحق عن زيارته، وكان استخدام شل لهذه التكنولوجيا بغرض تحليل القطران الموجود بالسجائر. ومن المفارقات، فإن اختبارات شركة شل هذه كانت جزءًا من البحوث في جامعة نيويورك، والتي تمولها شركات صناعة التبغ.

هذه تعد مجرد واحدة من الأمثلة العديدة على الاختبارات التي كانت تقوم بها شركات النفط لاختبار منتجات التبغ. وبحلول ستينيات القرن العشرين، أظهرت الوثائق أن شركات النفط، بما في ذلك شل وإيكسون، قامت بتطوير وتسجيل براءات الاختراع الخاصة بمرشحات السجائر الخاصة، وهو الاكتشاف الذي تركته الشركات بشكل نهائي في البداية.

وفي وقت متأخر من سبعينيات القرن العشرين، ووفقًا لمركز القانون البيئي الدولي، فإن شركات التبغ البريطانية الأمريكية وحدها شاركت بأعضاء مجلس الإدارة فيما بينها مع ثلاث شركات بترول منفصلة. ويبدو الأمر منطقيًا، فشركات النفط والتبغ تفكر بإستراتيجيات متشابهة، مما يجعل من السهولة انتقال أعضاء مجالس الإدارات بين هذه الشركات بسلاسة.

ليس فقط عنصر البحوث العلمية هو الأمر الذي تشاركته شركات النفط والتبغ، بل إنها تقاسمت سوقًا مشتركة كذلك. ومن بين الوثائق الأكثر تعبيرًا كان تقرير عام 1967، الذي أوضح اقتراح الشركة الأمريكية للتبغ إنشاء ترابط وثيق بين مستعمرة السجائر الخاصة بها وصناعة النفط.

السائق المدخن

وكتبت شركة التبغ العملاقة أن النجاح يعتمد اعتمادًا كبيرًا على النداء الذي نوجهه إلى «السائق المدخن»، موضحة أن الأمر لا يتطلب الدخول في متطلبات إبداعية. فـ«من الواضح أن متعة التدخين والحرية والترفيه الناجمة من السفر عبر السيارات، يجب أن تكون مرتبطة بنجاح، إذا أردنا المضي قدمًا في هذا البرنامج».

ويمضي التقرير في استكشاف الطرق والمناهج الممكنة، بما في ذلك إقامة علاقة مع المعهد الأمريكي للبترول، وهي جمعية تجارية لصناعة النفط والغاز الطبيعي في أمريكا، والتي وصفتها شركة التبغ بأنها «ليست جمعية عادية» و«جمعية سياسية لأقصى درجة».

هذه الوثيقة بالذات تبرز كل من المصالح المتبادلة لهاتين الصناعتين (بما في ذلك حقيقة أن محطات الوقود منذ فترة طويلة هي أيضًا المنافذ الرئيسية لبيع منتجات التبغ)، وأن شركات التبغ الكبرى كانت تتطلع باستمرار لشركات النفط، للاسترشاد بها.

ووصف مافيت افتتان شركات التبغ الكبرى بشركات النفط بأنه «محدود بجنون العظمة»، مضيفًا أن العلاقة بينها لم تكن في جميع الأوقات علاقة حب وتعاون متبادلة.

رسم توضيحي 2شركات التبغ تعلمت التسويق من شركات النفط

الإخوة الأعداء

تقول التقارير والوثائق الداخلية عبر موقع مركز القانون البيئي الدولي على شبكة الإنترنت إن «عرض كل صناعة للصناعة الأخرى على أنها المذنبة والمسؤولة عن أمراض السرطان البيئية المختلفة كان هدف من أهداف كلا الصناعتين العملاقتين»، فكل واحدة تريد أن تثبت بالأبحاث العلمية أن المشاكل البيئية والمناخية والصحية، هي نتيجة للصناعة المقابلة وأنها بريئة من هذا الأمر.

ومن المفارقات، فإشارة الاتهام التي تقدمها كل صناعة للأخرى بصورة متبادلة، لم يوفر فقط لكل صناعة فرصة مناسبة للمشاهدة والتعلم من الإستراتيجيات الأخرى، لكنه أيضًا زاد من حالة عدم اليقين العام الشامل حول أسباب السرطان، والحلول اللازمة لصالح كل من الصناعتين.

أمر مدهش أليس كذلك؟ حتى اقتتال الصناعتين الكبريين على المستوى العلمي من أجل إلصاق تهمة السرطان بالأخرى، اتضح أنه يصب بشكل عام في مصلحة كليهما، لأن كثرة الأبحاث التي تشير إلى أن المشاكل ناجمة عن التبغ والنفط، خلقت حالة من عدم اليقين العام عند الرأي العام حول من هو السبب الحقيقي في هذه المشاكل الصحية المميتة.

وأوضح مافيت أن جزءًا أساسيًا من الدرس المستفاد هنا، هو أن هذه المعلومات متوافرة هناك، وأن الحقيقة موجودة على مرمى حجر من أعيننا، مضيفًا أن جزءًا صغيرًا منها هو الذي تتحكم به هذه الصناعات، بعكس ما كان يعتقد في السابق. وبالتالي يمكننا بسهولة استكشاف القضية والوصول للحقائق.

الأيام الأكثر إثارة

وأشارت ماي بوف، الشريك المؤسس والمدير التنفيذي لمجموعة «350.ORG» البيئية، إلى أن الـ14 شهرًا الماضية كانت الأكثر سخونة على الإطلاق بالنسبة لهم. وأضافت «سوف نتأكد من أن شركة إكسون وأقرانها من رواد الصناعات النفطية سيتعرضون للمسائلة عن سرقة جيل كامل من الإجراءات بشأن المناخ».

ومن أبرز ما كشفته الوثائق أيضًا هو أنه بعد معرفته بكون شركة شل تقوم باستخدام معهد ستانفورد للأبحاث لإجراء التجارب على الحيوانات، كتب فيليب موريس إلى شركات التبغ العملاقة بأنه يجب عليها أن تنظر في التعاقد مع ذات المعهد للقيام بالأبحاث الخاصة بها، بحجة أن من الواضح كون شل لن تقوم بتوظيف هذا المعهد إلا لو كانت واثقة منه.

وبالفعل جرى التعاقد مع المعهد في وقت لاحق من قبل شركات التبغ لإجراء اختبارات حول غاز أول أكسيد الكربون، بالإضافة إلى تطوير مجموعة اختبارات تخص السجائر والتي يمكن القيام بها دون لفت الانتباه.

ثيودور ستيرلينغ، الذي أعد تقريرًا في عام 1968، كان من شأنه إثبات عدم دقة الهجمات على صناعة التبغ وتفنيد الإجماع العلمي الناشيء حول السرطان والتبغ، كان له تاريخ طويل أيضًا في إجراء البحوث لشركات النفط. علمًا بأن العديد من العلماء الذين عملوا في المجلس الاستشاري العلمي لصناعة التبغ، كانت قد تمت التوصية عليهم من قبل المدير التنفيذي السابق لشركة ستاندرد أويل للنفط.

عرض التعليقات
تحميل المزيد