يُستخدم النفط سلاحًا لتحقيقِ الأهدافِ السياسيةِ، وكم نشبت صراعاتٌ بين المُصدِّرين والمُسْتوردين لهذا الغرض. واكتشف السعوديون في التاريخ الحديث، وتحديدًا خلال الحروبِ العربيةِ الإسرائيليةِ؛ دورًا مهمًّا يمكنهم لعبه في السياسة الإقليمية والدولية بمجرد فتح صنابير النفط أو إغلاقها. 

وتؤرخ سجلات وزارة الخارجية الأمريكية، واقعة بطلها مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، خلال اجتماعٍ مع القادة السياسيين والعسكريين والدبلوماسيين، بالبيت الأبيض، في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1973م، أي بعد ستة أسابيع من إعلان السعودية حظرًا لتصدير النفط، وهو الحظر الذي عدَّه كسينجر «ابتزازًا سعوديًّا» للولايات المتحدة وأوروبا، عندما صاح في ذلك الاجتماع غاضبًا: «من السخافة أن يظل العالم المتحضر رهينةً بين أيادي 8 مليون من الهمج».

نستكشف في هذا التقرير أسباب ذلك الحظر النفطي وتداعياته، وهل استطاعت المملكة العربية السعودية ابتزاز الولايات المتحدة الأمريكية من خلاله، كما قال كيسنجر؟

3 حروب أشهر العرب خلالها سلاح النفط في وجه الغرب

بالعودة للوراء، قبل 50 عامًا من الآن، كانت أمريكا تعاني انخفاضًا في الإنتاج النفطي، بعدما وصل إلى ذروته في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات ليبدأ بعدها النقص، فالولايات المتحدة تستهلك 20 مليونًا من حوالي 80 مليون برميل من النفط المستهلكة يوميًّا في العالم، وتستورد ثلاثة أخماس هذه الكمية.

حاولت الدول العربية المنتجة للنفط استخدامه وسيلة ضغط للتأثير في المجريات السياسية؛ وحدث ذلك في ثلاث وقائع: الأولى إبَّان اعتداء المملكة المتحدة وفرنسا وإسرائيل (العدوان الثلاثي) على مصر، في 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1956م، بعد قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر، تأميم قناة السويس. وهنا ظهر سلاح النفط جليًّا لأول مرة؛ إذ قررت المملكة العربية السعودية حظر الصادرات النفطية إلى إنجلترا وفرنسا، وتبين أن هذا الحظر كان له تأثير اقتصادي ضئيل، بعدما زوَّدت الولايات المتحدة الشحنات إلى أوروبا، وأعادت شركات النفط الدولية توجيه الشحنات إلى إنجلترا وفرنسا.

Embed from Getty Images

حرب 1956 على مصر 

والثانية كانت ردًّا على حرب يونيو (حزيران) 1967م، بعدما اندلعت الحرب بين مصر وإسرائيل؛ إذ حظرت السعودية، والكويت، والعراق وليبيا، والجزائر شحنات النفط إلى الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا الغربية، في وقتٍ كانت الولايات المتحدة الأمريكية المُصدِّر الرئيسي للطاقة الاحتياطية لإنتاج النفط في ذلك الوقت، ما أهَّلها لزيادة الإنتاج بنحو مليون برميل في اليوم، وتمكنت فنزويلا وإيران (تحت حكم الشاه) من تعويض الباقي، ما أدى إلى تخفيف النقص، وفشل «سلاح النفط»، للمرة الثانية ولم يكن فعالًا؛ إذ كان الحظر أكثر ضررًا بالدول المنتجة للنفط، إلا أن حرب أكتوبر 1973 – وهي الحالة الثالثة – كانت نقطة تحول في تاريخ الحظر النفطي.

أكتوبر 1973.. سلاح حظر النفط يؤتي أُكله

كانت الحرب العربية الإسرائيلية، أو ما يُعرف بـ«حرب الغفران»، في 6 أكتوبر 1973، نقطة تحول جديدة في الحظر النفطي، فبعد أربعة أيام من اندلاع الحرب، دعت الكويت – بعد تنامي ضغط البرلمان – الدول المُصدِّرة للنفط لاجتماعٍ عاجلٍ، يُعقد في 17 أكتوبر؛ لبحث استخدام سلاح النفط.

كان انعقاد الاجتماع «العاجل»؛ لبحث إقرار حظر النفط متأخرًا (بعد 11 يومًا من بدء العمليات العسكرية)، رغم أن الدول العربية المصدرة للنفط كانت لديها تأكيدات أن أمريكا ستقدم الدعم الشامل لإسرائيل، بعد بنائها جسرًا جوِّيًّا لإمداد تل أبيب بالسلاح.

في ذلك الحين، كان بعض أعضاء منظمة الدول العربية المصدرة للبترول، مثل العراق، وليبيا، يؤيدان استخدام النفط سلاحًا؛ للتأثير في النتيجة السياسية في الصراع العربي الإسرائيلي، ويدعوان لاستثمار الفرصة لرفع سقف الطموحات، بتأميم شركات النفط، وسحب جميع الأرصدة العربية من الدولار، وقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع أمريكا.

صورة تبين قرار السعودية بوقف تصدير النفط إلى أمريكا. المصدر: عكاظ السعودية

وبالتزامن، كانت هناك محاولات من المملكة العربية السعودية لفصل النفط عن السياسة؛ لتخوفها من هذا التكتيك (الحظر)، ولتوفر النفط من الدول غير العربية، وتضررها من محاولات الحظر السابق؛ إذ واجهت كل المقترحات السابقة من العراق وليبيا بالرفض، وانتهى الاجتماع بعد التسوية إلى خفض نسبة الإنتاج 5% شهريًّا.

ولم يلْبث هذا القرار الأخير يومين فقط، حتى طالب الرئيس ريتشارد نيكسون، يوم 19 أكتوبر، الكونجرس الأمريكي باعتماد 2.2 مليار دولار مساعدات عسكرية لإسرائيل، فقرر الأعضاء العرب في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوابك) فرض حظر جديد على الولايات المتحدة؛ ردًّا على القرار الأمريكي بإمداد الجيش الإسرائيلي، ووسَّع أعضاء أوابك العرب الحظر؛ ليشمل دولًا أخرى تدعم إسرائيل، مثل البرتغال، وهولندا، وجنوب أفريقيا.

ووافقت المملكة العربية السعودية على الحظر، هذه المرة، مصحوبًا بتخفيضات شهرية تدريجية للإنتاج وصلت إلى 25%، إضافة إلى التهديد بخفض 5% إضافية. وطالبت منظمة أوابك – آنذاك- بانسحابٍ إسرائيليٍّ كاملٍ من جميع الأراضي الواقعة وراء حدود الهدنة لعام 1967؛ في مقابل وقف الحظر النفطي.

على الجانبِ الاقتصاديِّ، كانت موافقة المملكة العربية السعودية وعدد من أعضاء أوابك، في ظل متغير مختلف عن أكتوبر 1956م، ويونيو 1967م؛ إذ كانت السوق العالمية إبان حرب 1973، أكثر اعتمادًا على نفط الشرق الأوسط بعد تراجع إنتاج تكساس.

صورة تكشف عن ارتفاع أسعار النفط قبل 1973 وبعدها. المصدر: macrotrends

وعلى الصعيد الدولي، استمرت فنزويلا، وإيران – المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الشاه محمد رضا بهلوي – في الإنتاج والتصدير طوال فترة الحظر النفطي. وعربيًّا؛ جادلت العراق – التي لم تشارك في القرار – بتأميم النفط لا الحظر؛ للتأثير في الولايات المتحدة، وأعربت الجزائر عن عدم ارتياحها من حظر النفط عن الدول الأوروبية كافة؛ نظرًا لاحتياجها إلى عوائد النفط في تنفيذ مشروعات التنمية.

في هذه الأثناء، ارتفعت أسعار النفط، عند مستويات أعلى – حتى بعد انتهاء الحظر – من 25.97 دولار للبرميل في 1973م إلى 46.35 دولار للبرميل في 1974؛ لذا كانت النتيجة هذه المرة مختلفة، فبلغت الخسارة الصافية للعرض 4.4 مليون برميل يوميًّا بحلول ديسمبر (كانون الأول) 1973، (نحو 14% من النفط المتداول دوليًّا)، وبالتالي لم يكن هناك ما يكفي من النفط لسد النقص، فأدى إلى زيادة أسعار الوقود المحلي ونقص البنزين وتقنين الوقود.

وأدى ارتفاع أسعار النفط، إلى خلقِ حالةِ رعبٍ لدى الدِّولِ المتقدمةِ، وضغطٍ على دولٍ فقيرةٍ كانت تستفيد من خفض الأسعار، وتسببت زيادة الأسعار في نشأة «تيار خبيث» يكره العرب ويخفي كراهيتهم؛ للحفاظ على المصالح الاقتصادية المرتبطة بهم، وتيقَّظ مشرِّعو أمريكا للاعتماد الأمريكي الكبير على الطاقة من مصادر خارجية؛ ما فتح الباب لتشريعاتٍ تُحفز مجال إنتاج الطاقة داخل الولايات المتحدة، بعد هذه الخسارة الاقتصادية.

ومن هنا، تُحيلنا هذه الخسارة الاقتصادية الفادحة في سوق النفط العالمي، إلى التساؤل إذا ما كان حظر 1973 ناجعًا سياسيًّا ومغيِّرًا لموقف تل أبيب وواشنطن في الحرب العربية الإسرائيلية؟

ولكن.. هل نجح حظر النفط العربي في الصراع العربي الإسرائيلي؟

تُقاس نجاحات أي مقاطعة اقتصادية بمدى تحقيقها لأهدافها المعلنة، وهنا نستطيع القول إن المقاطعات العربية الثلاثة فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة، لا سيَّما أن الحظر النفطي الأخير لم يكن شاملًا، ولم يطبق كاملًا على الدول الأوروبية، حتى الدول العربية المصدرة – التي من شأنها تنفيذ الحظر – لم تكن تعلم اتجاهات ناقلات النفط حال مغادرتها.

وبالتالي لم يتمكن قرار الحظر بشكلٍ جذريٍّ من تحقيق أهدافه، وذلك على الرغم من الخسارة الاقتصادية الوقتية للولايات المتحدة وبعض دول أوروبا من حظر 1973م، ودليل ذلك أن العرب لم يعاودوا استخدام سلاح النفط مجددًا، فضلًا عن أن القوات الإسرائيلية لم تنسحب إلى خط الهدنة، مثلما طالبت الدول العربية المنتجة للنفط.

ومن هذا المنظور، يعزو روي ليكليدر الباحث في معهد «أرنولد آي سالتزمان» لدراسات الحرب والسلام بجامعة كولومبيا، في كتابه «القوة السياسية وسلاح النفط العربي»، فشل الحظر النفطي في 1973، لعدم تغير سياسات الدول التي استهدفها الحظر تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، لا سيَّما أن أي تغييرات طويلة الأجل كانت ناجمة عن زيادة أوابك في السعر المعلن للنفط، وليس الحظر المفروض.

وعلى الرغم من أن الحظر النفطي استمر من أكتوبر 1973، إلى مارس (آذار) 1974م، فإنَّه ارتدَّ – على المدى البعيد – على الدول العربية المنتجة للنفط؛ إذ تحولت الدول المستهلكة عن النفط وتبنت مشروعات النفط في بحر الشمال وألاسكا، التي جلبت أكثر من 5 مليون برميل يوميًّا للسوق؛ ما ساهم في إعادة تشكيل الاقتصاد الدولي، بحسب رأي دانييل يرجين رئيس مؤسسة «كامبريدج لبحوث الطاقة».

كذلك، لم يكن قرار حظر النفط مؤثرًا في بقية العلاقات العسكرية والسياسية بين السعودية وأمريكا، فعلى الصعيد العسكري التقى نائب وزير الدفاع الأمير تركي بن عبد العزيز، برئيس البعثة الأمريكية للتدريب العسكري في 21 أكتوبر 1973 (بعد قرار الحظر بيومين)؛ لتأكيد أن السعودية اضطرت لاتخاذ هذه القرارات السياسية، وأنها يجب ألا تؤثر في التعاون العسكري بين البلدين، فضلًا عن انعقاد لقاءات بين وفود عسكرية سعودية وأمريكية؛ للبحث في إتمام صفقات سلاح.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، استمرت الاتصالات بين المسؤولين السعوديين والأمريكيين؛ إذ زار وزير الدولة للشؤون الخارجية، عمر السقاف، في 19 نوفمبر 1973، عددًا من العواصم العربية منها القاهرة ودمشق، ثم أبدى استياءه للسفارة الأمريكية من التوجه العربي، الذي يعتقد أن بإمكانه أن يثخن في إسرائيل، ولم يكن حريصًا على وقف إطلاق النار، وطلب السقاف حينها من أمريكا أن تصدر تصريحًا يعزِّز من مواقف الدول المعتدلة (السعودية والمغرب وتونس).

وهنا نتساءل، إذا كانت تسود – في أجواء حرب 1973 – مقاربات سعودية أمريكية على أغلب الأصعدة، فلماذا كانت خطوة وقف التصدير النفطي إلى أمريكا؟

خطة «بيلدربيرغ» للهيمنة على النفط

بالعودة للوراء، إلى ما قبل الحرب العربية الإسرائيلية، بخمسة أشهر، في مايو (أيار) 1973، كان ينعقد مؤتمر سنويٌّ لمجموعة «بيلدربيرغ» حول أزمة الطاقة، في سالتسجوبادن بالسويد، وهو (منتدى تشكَّل على يد الأمير الهولندي بيرنارد 1954 للمناقشات غير الرسمية)، وكان من بين الحضور أصحاب البنوك وشركات النفط الكبرى، مثل ديفيد روكفيلر (مؤسس ستاندرد أويل)، ومن بين مسؤولي الإدارة الأمريكية، هنري كسينجر، مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية آنذاك؛ لبحث سيناريو أمريكي من شأنه رفع أرباح بترول أوابك بنسبة 400%، ووضع مخطط لإدارة الطوفان المالي الذي سيتدفق من الأرباح، والسيطرة على تدفقات النفط في العالم.

لقاء يجمع بين ديفيد روكفيلر (يمين) وهنري كيسنجر (وسط) ووزير الخارجية السعودية عمر السقاف (يسار). المصدر: وول ستريت جورنال

وبالتالي؛ كانت سياسة «بيلدربيرغ»، التي أطلق عليها هنري كسينجر «إعادة ضخ البترودولار»، بحسب المؤلف الأمريكي ويليام إنجدال، في كتابه «قرن من الحرب: السياسات الأنجلو أمريكية للبترول والنظام العالمي الجديد»، هي شن حظر نفط عالمي لفرض ارتفاع دراماتيكي في أسعار النفط، بما سيتسبب في كثرة الطلب على الدولار؛ لتسديد نفقات النفط المطلوبة، ومن ثمَّ البدء في أزمة طاقة وزيادة في التكاليف.

كانت سياسة «بيلدربيرغ» تخطو بثبات؛ لاستفزاز (أوابك) لفرض الحظر النفطي- بحسب المؤلف الأمريكي – بينما في اجتماع الدول العربية المصدرة للنفط الذي عُقد في ديسمبر (كانون الأول) 1973م، في طهران، طالب شاه إيران برفع سعر إضافي إلى 11.65 دولار للبرميل، أو زيادة 400% من سعر النفط قبل الأزمة.

وهنا يروي المؤلف الأمريكي، في كتابه، واقعة يوثقها على لسان وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني المبعوث الشخصي للملك فيصل بن عبد العزيز، حينما سأل شاه إيران لماذا طالب بمثل هذه الزيادة الجريئة في الأسعار؟ فأجاب الأخير: «أخبر ملكك، إذا كان يريد الإجابة عن هذا السؤال، فعليه أن يذهب إلى واشنطن ويسأل هنري كيسنجر».

ومن المفارقات، أنه مع الزيادة الهائلة في أسعار النفط، بعد خطة «بيلدربيرغ»، تمكنت شركتا «بريتيش بتروليوم»، و«رويال داتش شل»، وغيرهما من شركات النفط الأمريكية تعويض الملايين التي أنفقتها في التنقيب عن حقول النفط في بحر الشمال.

خطة اجتماع «بيلدربيرغ»، التي أحدثت هزة عنيفة في سوق النفط، أكدَّ حدوثها أحمد زكي يماني وزير النفط السعودي، في مقابلة صحيفة مع «الجارديان» البريطانية، في 14 يناير (كانون الثاني) 2001م، وذكر أن بريطانيا والولايات المتحدة – في اجتماعٍ سريٍّ- كانتا عاقدتين العزم على زيادة أسعار النفط بنسبة 400%.

وهنا يمكننا القول، إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت المستفيد الأكبر من الحظر النفطي، الذي مارسته الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، عبر خديعةٍ وخطةٍ دُبرت بإتقان؛ قادها وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر، وأكد وقوعها وزير النفط السعودي – في تصريحات تليفزيونية سابقة مع شبكة الجزيرة الإخبارية – وكانت لها أثر في معالجة الاقتصاد الأمريكي، وتحسن موقف الدولار.

وهكذا تهتز الصورةُ الذهنية للمملكةِ العربيةِ السعودية، التي كانت تحملُ لقب زعيم العرب، وقائد معركة النفط في الصراع العربي الإسرائيلي، بفعل شواهدٍ تنبئ بأن حظر النفط لم يكن عربيًّا أو سعوديًّا خالصًا، بل سبقته خطة أمريكية حازت الولايات المتحدة منها على كثيرٍ من الفوائد، واستطاعت من خلالها تحقيق مصالحها الاقتصادية.

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
هكذا تستحوذ الشركات الأجنبية على ثروات الدول النفطية

المصادر

تحميل المزيد