وصفه الوزير الفنزويلي السابق بيريز ألفونسو برجس الشيطان، واعتبر بلاده غارقة في هذا الرجس، في حين تمنى الملك الليبي الراحل إدريس السنوسي أن لو عثرت الشركات الأمريكية على المياه بدلًا منه، إنه النفط الذي أشعل حروبًا وأقام ثروات وشرد جماعات وأطاح بحكومات وأغنى مجتمعات. إنه الذهب الأسود الذي يعتبر السلعة الأهم في صناعة القرار الدولي بالقرن الماضي.

ويرى خبراء الطاقة أن العالم يعيش زمن الانتقال الطاقوي، من الثروات التي تعتمد على الحفر والضرر بالبيئة؛ إلى الاتجاه نحو الطاقة البديلة أو المتجددة، خاصة مع اكتشاف الطاقة المائية والشمسية والهوائية والحرارية، ويعود اعتماد مجتمع الاقتصاد والتصنيع على النفط باعتباره يتفوق على غيره من مصادر الطاقة في العديد من المؤشرات العلمية المتعلقة بحالته السائلة وقدرته على توليد الطاقة الحرارية، إذا قورن بغيره من البدائل مثل الفحم، والغاز الطبيعي، والإيثانول المستخلص من الحبوب.

ثورة وثروة النفط في القرن العشرين

وفرة النفط مصطلح ظهر خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث تشكل فائض ضخم من النفط الخام، وهو ما اعتبره المتابعون للشأن الطاقوي طفرة في هذه الثروة، وجاءت فترة الوفرة هذه بعد أزمة طاقوية بعقد واحد من الزمن، أزمتي 1973 و1979 حيث قاطعت في الأولى الدول العربية إمداد الغرب بالبترول، في حين ارتفع سعر البرميل الواحد إلى أكثر من 35 دولارًا في الثانية لكثرة الطلب على العرض، وهو ما شكل أزمة للدول المستوردة له.

ويرجع الكثير من الخبراء والمحللين السياسيين توتر العلاقات الدولية ونشوب الصراعات والحروب في الكثير من المناطق إلى النفط، الذي صنف في القرن الماضي أكثر السلع إستراتيجية وأهمية في الاقتصاد العالمي، وظلت الحكومات تعتمد على النفط تصديرًا واستيرادًا لعقود من الزمن، حتى إن انهيار الاتحاد السوفياتي كان أحد عوامله انهيار أسعار النفط، وعودة روسيا الاتحادية حاليًا خاضعة للتعافي المالي لحكومة بوتين بعد ارتفاع أسعار البترول لأكثر من عشر سنوات متتالية، وهو ما مكن الروس من الاستثمار الجيد في الصناعة العسكرية والتوسع الإعلامي والخروج من دائرة الأزمة الاقتصادية.

وسبق أن تحول العالم من الفحم الحجري إلى النفط الذي يعتبر العنوان العريض للقرن العشرين في مسائل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، ويقال إن من أهم الأسباب الرئيسية التي أدت بعد الحرب العالمية الأولى إلى تقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية إلى مقاطعات ثلاث غنية بالنفط ومصادمة لبعضها البعض في المنطقة العربية الإسلامية، وحتى الحرب الباردة هي الأخرى كانت تدور رحاها حول الطاقة والتوسع في المناطق التي تكتشف بها الكثير من هذه الثروات بين المعسكر الغربي والشرقي لقوى العالم الكبرى.

لماذا يتم التخلي عن النفط؟

وتعود دوافع اتجاه العالم الاقتصادي لتبني الاعتماد على طاقات بديلة متجددة إلى عدد من العوامل، ولعل أهمها الكلفة الباهظة لاستخراج الطاقات التقليدية مثل النفط الذي تغيرت معطياته بعد موجة التأميم التي اعتمدتها الدول المستقلة منتصف القرن الماضي، وإنشاء الشركات الوطنية في العراق، فنزويلا، المكسيك والجزائر ونيجيريا، وكذلك الغاز الطبيعي الذي يكلف حوالي إنشاء مصنع للتميع صغير الحجم بقدرة إنتاج 5.3 مليون طن من الغاز الطبيعي المميع، بين 400 و500 مليون دولار أمريكي.

وتشير دراسات إلى رغبة القوى الغربية الكبرى عزل الصحراء الكبرى في أفريقيا عن بقية دول المنطقة، واعتبارها منطقة خاضعة لجميع الدول أو هيئة أممية محايدة، وتحييد شعوب المنطقة للاستفادة من عائدات الطاقة الشمسية والثروة المائية، وتطبيق قانون البحار على هذه المنطقة الغنية جدًا بالثروات المعدنية والطاقة الشمسية.

وهو ما يفسر دعوة أميرال فرنسي في العاصمة باماكو عام 2013 القوى الغربية لتطبيق قانون أممي شامل على المنطقة، في حين يشير المتابعون لملف الصحراء أن تسمية «الساحل الأفريقي» نشأت في مخابر غربية، تمهيدًا لتجسيد برامج وإستراتيجيات تغيير جذرية في المنطقة بالمستقبل القريب.

كما يعتبر اكتشاف تقنية التكسير (hydrocracking) التي تعني حفر البئر رأسيًا على عمق يصل إلى أكثر من تسعة آلاف قدم، قضية مثيرة للجدل بين مؤيدين ومعارضين، خاصة وأن شركات كبرى قدمت وعودًا باكتشاف كميات كبيرة من مصادر الطاقة غير التقليدية كالنفط والغاز الصخري والذي قامت أمريكا باستخراجه مؤخرًا، في حين رفض في عدد من الدول الطاقوية في شرق أوروبا وآسيا وأفريقيا بسبب التكاليف الاقتصادية الباهظة، وانعكاس المواد الكيماوية المستعملة أثناء الاستخراج على المياه الجوفية مستقبلًا.

أزمتا التراجع في العرض والامتناع عن الطلب

ومع بروز أزمة في الأفق بخصوص أزمة الأسعار الحالية وامتناع الولايات المتحدة الأمريكية عن استيراد كميات إضافية، يعتقد المحللون والمتابعون للشأن الطاقوي أن مادة النفط خطت المرحلة الأولى نحو زمن الأفول والتراجع في الإقبال عليها، وحتى مستوى تأثير العرض والطلب عليه؛ لم يعد يؤثر في الحسابات الاقتصادية الدولية كما كان عليه في العقود الماضية، لم يعد للنفط تأثيراته الواضحة بدليل تخلي أمريكا عن الخليج وعن السعودية التي تمثل أكبر احتياطي نفط في العالم، والاتجاه نحو أفريقيا التي تزخر بالمعادن والطاقات البديلة والمتجددة.

ويقول الرئيس المدير العام لمؤسسة روكفلر الأمريكية ستيفن هاينز إن مراكز أبحاث ودراسات تنصح بعدم استخراج 80% من الطاقة التي تحتاج إلى الحفر، فالأرض تحتاج إلى أهمية بقاء هذه الكمية من دون احتراق حسبهم، من أجل تجنب ظاهرة الاحتباس الحراري وأسوأ الكوارث المناخية.

وأضاف هاينز في حديثه إلى DW الألمانية «نحن نسعى إلى إنهاء عصر النفط مع شركائنا والابتعاد عن الوقود الحفري، والتحرك بأسرع وقت ممكن تجاه استخدام طاقة نظيفة ومتجددة لإنقاذ كوكب الأرض» ويقول إنه من السخرية الحديث عن إنشاء ثروة مالية كبيرة من النفط على حساب مستقبل الأجيال القادمة.

وفي نفس الحوار يقول إن أكثر من 200 مؤسسة ستنسحب مستقبلًا من استخراج النفط والعمل في الفحم لتأثيرات هذا الإنتاج على البيئة، يحدث كل هذا حسبه بعد مؤتمر باريس للمناخ الذي اعتبر اتفاقًا تاريخيًا بين الدول الكبرى للاهتمام بالبيئة والمناخ. ويضيف المتحدث «يمكن أن ينتهي عصر النفط في حدود 20 إلى 30 عامًا المقبلة».

هكذا ينتهي زمن النفط

ومنذ مؤتمر كيوتو عام 1997 إلى مؤتمر كوبنهاغن عام 2009 للمناخ (كوب 2015 cop) أنفقت الحكومات مليارات الدولارات على أبحاث المناخ، وسعت الكثير من الحكومات والمنظمات الداعية للحفاظ على البيئة إلى تقليص استخدام الطاقات ذات التأثير على الاستقرار والتوازن البيئي والدافع إلى ظواهر مناخية ترهن مستقبل الأرض.

وسخرت وسائل الإعلام الغربية قبل أعوام من تصريح لوزير النفط السعودي حول أسعار النفط وزمن نضوب الاحتياطي الأكبر في العالم «لا أحد يمكنه تحديد أسعار النفط ومتى يزول، هذه لا يعلمها إلا الله»، كما طرحت أسئلة عديدة باتجاه السعودية هل سينتهي نفط السعودية فعلًا؟ ووضعت ألمانيا رؤية طاقوية تنتهي بعدم استخدام أي طاقة غير متجددة كالنفط والغاز والفحم وهذا في غضون عام 2050.

وتقول تقارير إن مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي بدأت فعلًا في تحصيل مكانة النفط في الاقتصاد العالمي، في حين تذكر فايننشال تايمز أن الطاقة الشمسية تؤمِّن 18% من حاجة الكهرباء في أوروبا. وتبلغ هذه الطاقة أكثر من 130 جيجاوات، بحيث أصبحت أكبر مصدر جديد لتوليد الطاقة الكهربائية، وتتوقع هذه الصناعة بعد خمس سنوات سوف تتضاعف قدرة العالم على التوليد لتصل إلى 200 جيجاوات.

وتسعى كذلك الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وألمانيا والصين والهند والبرازيل لاستثمار مشاريع كبرى في الطاقة المتجددة، خاصة الشمسية منها، وبلغت استثمارات العالم في الطاقة الشمسية نهاية عام 2015 حوالي 303 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم التطور والاهتمام بهذه الطاقات لدى الكثير من الشركات والمؤسسات، فضلًا عن التوجيهات الحكومية في هذا الشأن.

وتراجع حجم الإنفاق العالمي على الطاقة المتجددة بسبب أزمة الأسعار التي تعرفها أسواق النفط العالمية، وحققت الطاقة المتجددة نسبة 17 بالمائة من حجم الإنفاق العالمي على الطاقة بشكل عام حسب المركز الدبلوماسي للدراسات الإستراتيجية نقلًا عن وكالة الأنباء الكويتية (كونا).

وبالرغم من حجم النفقات المتزايد تجاه الطاقات المتجددة، تعيش حكومات هذه الدول صراعات كبيرة مع الشركات الأربع الكبرى في العالم لإنتاج النفط، حيث حولت هذه الأخيرة الكثير من الأموال نحو مشاريع بحث وتنقيب واستخراج للنفط والغاز، وهي وظائفها الجوهرية منذ ثلاثينيات القرن العشرين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد