مع ما يشهده العالم من أحداث كبرى متصاعدة، وأزمات عالمية مثل وباء كورونا الذي فتك بالملايين من البشر، يظل العالم رهنَ حرب أكبر تتسع يومًا بعد يوم، عنوانها حرب عالمية باردة، بين الولايات المتحدة والصين، تتعدد أشكالها وتختلف مناطق الصراع فيها، وتشهد هذه الحرب ما هو تقليدي، يعتمد على النفوذ المتصاعد للصين ومحاولتها السيطرة الإقليمية على محيطها، ومنها ما هو غير تقليدي، يتمثل في الصراع السيبراني والصراع على الفضاء الخارجي.

وفي هذا التقرير نرصد أحد مظاهر النوع الأول من الصراع، «الصراع التقليدي»، والذي تدور بعض أحداثه في مجموعة جزر تابعة لليابان، يتصاعد فيها الصراع بين البلدين، فمنذ مطلع القرن العشرين سعت الصين لتعزيز انتشارها العسكري في تلك المنطقة، للسيطرة على بحر الصين الشرقي والجنوبي، متخطيةً بذلك سيادة العديد من الدول الحليفة للولايات المتحدة، على رأسها اليابان.

ولم يقف سعي الصين للسيطرة على المياه الدولية القريبة للحدود اليابانية المائية فحسب، بل تخطته لدخول المناطق اليابانية، باقتحام السفن الصينية للمياه الإقليمية اليابانية في بحر الصين الشرقي لغايات تعزيز النفوذ الصيني على تلك المياه، أو لعمليات استخباراتية، وتلاها اختراقات جوية مستمرة.

خارطة تُظهر اليابان، وتايوان، وكوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، والصين

ولتحويل بحر الصين الشرقي والجنوبي إلى «بحيرة صينية»، تعملُ القوات العسكرية الصينية على خلق منطقة عازلة، بتوظيف قدرات «منع الوصول» أو «منع دخول المنطقة»، والتي تهدف للتصدي لأي تدخل للقوات الأمريكية في حال نشوب صراع بين الصين وأحد حلفاء الولايات المتحدة، مثل اليابان، أو كوريا الجنوبية، أو تايوان.

جزر نانسي والمعبر الإستراتيجي للصين

تتكون اليابان من عدَّة جزر يصل عددها إلى 7 آلاف جزيرة، وتُعد كل من هونشو، وهوكايدو، وكيوشو وشيكوكو أكبر أربع جزر في اليابان، كما أن أقرب جيران اليابان هم كوريا الجنوبية وروسيا والصين، ويفصلُ بحر اليابان القارة الآسيوية عن الأرخبيل الياباني، فيما يفصل اليابان عن الصين بحر الصين الشرقي، لتشكل الجزر اليابانية، وخاصة جزر نانسي، «ريوكيو»، بوابة شرقية وإستراتيجية للصين.

مجموعة جزر نانسي

تمتد جزر نانسي من جنوب اليابان (شمالًا) وحتى تايوان (جنوبًا)، وأهميتها من كونها المعبر الرئيسي للسفن القادمة للصين من المحيط الهادئ؛ ما يجعلها منطقة مهمة في الدفاع وردع القوات الصينية في حال نشوب صراع بين البلدين، وتسمح لليابان بقطع الطريق على الصين بحريًّا بالتوظيف السليم لتلك الجزر.

لذا صنَّف تقرير مركز راند، التابع لوزارة الدفاع الأمريكية، جزر نانسي منطقةَ صراع محتمل، وكلما زادت اليابان في دفاعاتها لحماية تلك المنطقة، أمنت وسنحت الفرصة بشكل أكبر للولايات المتحدة للحفاظ على مصالحها في تلك المنطقة، على رأسها تحجيم الصعود الصيني، والدفاع عن حلفائها.

وفي هذا الإطار، يشير تقرير راند إلى استفادة الجيش الياباني من الخبرة الطويلة للجيش الأمريكي في المعارك البرمائية، والتي تهدف عادة «لدخول الأراضي التي يحتلها العدو من ناحية البحر للاستيلاء عليها»، بهدف تعزيز قدرة اليابان على الدفاع عن الجزر.

حرب محتملة قد تشتعل في أي وقت

في 1992 طالبت الصين بجزيرة سينكاكو، وهي إحدى جزر نانسي، وبدأت بعدها بدخول الحدود المائية اليابانية المتنازع عليها، بدخول الطائرات والسفن الصينية قربها. وتشنُّ الصين حربًا نفسية ضد اليابان، بادِّعاء أن تلك المناطق «أرض صينية»، وتوظِّف في هذا المسعى الإعلام والقانون، للتأثير في الرأي العام الدولي والمحليِّ في داخل البلدين، وفقًا لوجهة النظر الأمريكية اليابانية.

أما رؤية الصين للمسألة، فقد شرحها المخرج الأمريكي العاشق للثقافة الصينية، ​​كريس دي نيبي، والذي أخرج فيلمًا وثائقيًّا عن جزر سينكاكو المعروفة صينيًّا بـ«جزر دياويو».

المقطع الترويجي للفيلم الوثائقي عن الجُزر والرؤية الصينية لها

جمَّع نيبي العديد من المواد القيمة، لا سيما من مكتبة الكونجرس الأمريكية، لكتابة الفيلم، ويتناول فيه فترةً تاريخية تُظهر حقائق تاريخية، في نظره، تُثبت ملكية الصين لتلك الجزر.

وجادل نيبي بأن الإمبراطورية اليابانية ضمَّت جزر دياويو في عام 1895، بعد الحرب الصينية اليابانية، وقد كانت هذه الجزر أراضي صينية منذ العصور القديمة، وذكر نيبي أن معظم الغربيين متحيزون ضد الصين بسبب قلَّة المعرفة، وأنه يأمل في الكشف عن الحقيقة.

ويقول نيبي: «منذ عدة قرون، كانت جزر دياويو أراضي صينية. أود أن أبعث برسالة من خلال هذا الفيلم الوثائقي مفادها أنه يتعين على حكومة الولايات المتحدة تشجيع حلفائها اليابانيين على إعادة هذه الجزر إلى الصين، والاعتذار عن جرائم الحرب التي ارتكبوها»، وبالطبع لاقى الفيلم ترحيبًا صينيًّا رسميًّا وشعبيًّا.

وبالعودة لليابان، فتعمل قوات الدفاع الذاتي بتعزيز قدراتها الدفاعية للدفاع عن الجزر بتزويدها بصواريخ أرض جو، وصواريخ مضادة للسفن، وخصصت قوات يصل عددها – في حالات الخطر- إلى 24 ألف جندي مخصصين للدفاع عن الجزر، وتزوِّدها بقوات تدخل سريع برمائية مُشكَّلة حديثًا، قادرة على التحرك بسهولة بين الجزر إذا توفَّرت لها وسائل نقل عسكرية جوية خاصة بها، وخُصصت لها أحدث الناقلات العسكرية اليابانية البحرية والبرية، وتعمل اليابان على دراسة كيفية نقل أعداد كبيرة من قوات المشاة إلى الجزيرة بمعداتهم وأسلحتهم، ويُتوقع أن تنتهي من إعدادها وتجربتها بحلول عام 2023.

Embed from Getty Images

قوات من قوات الدفاع الذاتي اليابانية

ورغم الخطط الطامحة لإحكام سيطرة اليابان على هذه الجزر والدفاع عنها ضد الصين، وحتى استعادتها في حال سقوطها، فإن هناك العديد من التحديات التي تواجه اليابان إذا قامت الحرب بينها وبين الصين.

يأتي على رأس تلك التحديات مدة الحرب، فقيامُ حربٍ طويلة وكبيرة بين البلدين سيعطِّل قدرة اليابان على شحن ونقل الجنود والمؤن بحجم كافٍ، إلا أن تقرير راند يقول إن اليابان تعول في هذا السيناريو على القوات البحرية والجوية الأمريكية، والتي عليها ضمان إمداد القوات اليابانية بما تحتاج طوال الحرب.

وبعد الإمدادات العسكرية، سيكون تأمين السلع الأساسية والمواد الغذائية لسكان الجزر تحديًا إضافيًّا في حال حُوصرت لمدة طويلة.

هل تمتلك اليابان جيشًا؟

دخلت أمريكا الحرب العالمية الثانية بشكل كامل بعد هجوم بيرل هاربور عليها من اليابان، عام 1941، ومع نهاية الحرب ضربت الولايات المتحدة اليابان بقنبلة نووية، لهزيمتها بشكل ساحق وترهيب الدول الأخرى.

بعد ذلك، تضمَّن دستور اليابان في عام 1946، الذي كتبته الولايات المتحدة بعد هزيمة اليابان، «المادة 9» التي تحظر على اليابان امتلاك قوات قتالية، وانتُزعت من اليابان جميع الإمكانيات التي تجعلها قادرة على شن حرب.

ويشار إلى المادة التاسعة في الدستور الياباني على أنها «بند السلام»، وتحظرُ على اليابان تسوية النزاعات الدولية باستخدام وسائل الحرب، وبعد الحرب العالمية الثانية، وضعت الولايات المتحدة اليابان تحت حمايتها، واستُبدل بالنظام الياباني القديم نظام جديد موالٍ للولايات المتحدة، في حين حُلَّ جيش اليابان الإمبراطوري.

وعلى الرغم من عدم السماح لليابان بامتلاك جيش، أصبح لدى اليابان ما يسمى بـ«قوات الدفاع الذاتي»، ففي أثناء الحرب الباردة، ومع صعود الاتحاد السوفيتي والحرب الكورية القريبة من اليابان، أصبحت العقيدة اليابانية متجهةً نحو تعزيز قدراتها الدفاعية.

وتقول الحكومات اليابانية المتعاقبة إن الغرض الوحيد لقوات الدفاع الذاتي هو الدفاع عن اليابان؛ إذ لا تمتلك تلك القوات أي قدرات وأسلحة هجومية، مثل القاذفات والصواريخ الباليستية طويلة المدى وحاملات الطائرات.

وفي حال تعرَّضت اليابان لهجمات من قوات معادية أكبر من قدراتها الدفاعية، فيحقُّ لقواتها أن تطلب المساعدة من الولايات المتحدة، وإن كانت اليابان تحت تهديد نووي، فعلى الولايات المتحدة ردع الدولة التي تهدد اليابان نوويًّا.

وبعد فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، هدَّد بسحب القوات الأمريكية من اليابان، فسعى رئيس الوزراء الياباني السابق، شينزو آبي، لتعديل المادة التاسعة، لتتمكن اليابان من الحصول على جيش بقدرات دفاعية وهجومية أيضًا، إلا أن الشراكة بين اليابان والولايات المتحدة لا تزال تشكِّل عصب قوة اليابان العسكرية، خاصةً بعد قدوم إدارة الرئيس الجديد، جو بايدن، لتعود للسياسات الأمريكية التقليدية، ووضعها الصين على رأس قائمة المخاطر المُهددة للمصالح الأمريكية.

شراكة اليابان والولايات المتحدة

على مدار ستة عقود، توطَّد التعاون بين الولايات المتحدة واليابان مؤسسًا لتحالف متين، جعلَ اليابان من أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، خاصةً مع صعود التنين الصيني، وكون اليابان من القوى الاقتصادية الكبرى في العالم.

حاليًا، تستضيف اليابان أكثر من 50 ألف جندي أمريكي – وهي أكبر قوة أمريكية منتشرة في العالم – والتي توجد في العديد من المناطق والمدن اليابانية، وبشكل أساسي في أوكيناوا، بغرض تدريب القوات اليابانية وتعزيز قدراتها القتالية.

ومع أن القوات اليابانية، طبقًا للخطة التي ذكرناها في هذا التقرير، قادرةٌ على التعامل بمفردها في المعركة المتوقعة في جزر نانسي، فإنها غير قادرة للتصدي مثلًا للصواريخ الباليستية في حال صعدت القوات الصينية من عدوانها على الجزر اليابانية، ولذا سعت اليابان للحصول على منظومة الدفاع الجوي الأمريكية «باتريوت»، ووزعتها على أراضيها هذا العام في أبريل (نيسان)، وتتوعد البحرية الأمريكية بأن أي اعتداء على الجزر اليابانية يعني اشتراك قوات البحرية الأمريكية جنبًا إلى جنب مع القوات اليابانية في استعادتها، وهو ما إن حدث ينذر بحرب مباشرة بين الصين والولايات المتحدة.

Embed from Getty  Images

وتسعى اليابان لتطوير إستراتيجية بعيدة المدى للحرب الباردة مع الصين، بأن تتدخل اليابان في ملفات تُزعج الصين، فمثلًا قبل أسبوعين، ذكرَ تقرير اليابان الدفاعي السنوي ضرورةَ استقرار تايوان وأثره في الأمن الياباني.

ومن الجدير بالذكر، أن الصين ترى تايوان جزءًا من أراضيها، والخلاف عليها كان سببًا رئيسيًّا في تصاعد التوترات بين الصين والولايات المتحدة في الأعوام الماضية، وفي هذا الصدد ​​قالت وزارة الدفاع اليابانية في تقريرها السنوي: «إن استقرار الوضع في تايوان مهم، ليس فقط لأمن بلادنا، ولكن لاستقرار المجتمع الدولي»، وأضافت: «يجب أن تولي بلادنا اهتمامًا وثيقًا بهذا الأمر، مع شعور أكبر باليقظة». وقال قبل ذلك وزير الدفاع الياباني إنَّ أمن تايوان «مرتبط بشكل مباشر» بأمن اليابان.

هذا التحرك الياباني للعب دورٍ في ملف تايوان، يرفع من سقف التحالف الأمريكي الياباني، ويمهِّد بدوره لتنامي الحرب الباردة الأمريكية الصينية.

دولي

منذ سنة واحدة
«حاملة طائرات غير قابلة للغرق».. جزيرة تايوان المزروعة في خاصرة الصين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد