«يجب على ألمانيا أن تحمل المسؤولية تجاه اللاجئين في كافة أنحاء العالم» *أولاف شولتز

يمكن القول بأن يوم 26 سبتمبر (أيلول) القادم سوف يكون لحظة فارقة في تاريخ ألمانيا والاتحاد الأوروبي، ولن نبالغ إن قلنا في تاريخ العالم. إذ يشهد يوم الأحد الأخير من الشهر الجاري رحيل المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بعد أن تقلدت أعلى منصب حكومي في ألمانيا، وقادت أكبر التحولات في الاتحاد الأوروبي وأثرت في مختلف المحركات السياسية العالمية لأكثر من 15 عامًا.

منذ أن أعلنت أنجيلا ميركل عدم خوضها الانتخابات القادمة في عام 2018؛ برزت أحداث مختلفة جعلت العديد من الساسة والمحللين يتطلعون لخليفة ميركل الذي سوف يقود ألمانيا، والذي سوف يحتل مكانة أقوى سياسية في الاتحاد الأوروبي، وسيواجه أيضًا كثيرًا من التحديات، مثل التعافي من الجائحة، والاتفاقات التجارية مع الصين، فضلًا عن مواجهة التصعيدات الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تنتهجها الحكومة الروسية مؤخرًا.

Embed from Getty Images

وبعد أن تزاحم الكثير من المرشحين في الأشهر الماضية؛ فإن السباق أصبح محصورًا بين ثلاثة مرشحين؛ الأول هو أرمين لاشيت، رئيس الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تنتمي له ميركل، وأنالينا بربوك مرشحة الحزب الأخضر اليساري، وأولاف شولتز، وزير المالية ونائب ميركل الحالي، والذي ينتمي للحزب الديمقراطي الاجتماعي.

استطلاعات الرأي الحالية تشير إلى أنه من المحتمل أن يحصل أولاف شولتز على 41% من الأصوات، بينما احتمالية أن يحصل كلٌّ من أرمين لاشيت وأنالينا بربوك لن تتعدى 27% و25% على الترتيب لكل منهما، ومع أخذ التقارب الأيديولوجي بين حزبي شولتز وبربوك؛ يمكن التكهن بأن أولاف شولتز هو الخليفة المحتمل  لأنجيلا ميركل.

فهل يفوز شولتز صحاب الخلفية الديمقراطية الاجتماعية التي تخشاها العديد من التيارات الأخرى، ومن بينها التيار الليبرالي الوسطي، والذي تنتمي له أنجيلا ميركل؟ الإجابة طبقًا لاستطلاعات الرأي؛ فرصته كبيرة، لكن يجب أن ننتظر حتى يوم الانتخابات لنتأكد.

في رحلتنا للتعرف إلى أولاف شولتز؛ تواصلنا مع الناشط السياسي عبد الرحمن عاشور، وهو طبيب ألماني ذو أصول مصرية وعضو في الهيئة العليا لمنظمة شباب الحزب الاجتماعي الديمقراطي في هامبورج. الحوار مع عاشور ساعدنا كثيرًا في الوصول لمعلومات كافية عن مسيرة أولاف شولتز السياسية؛ وأهم المشروعات السياسية التي سوف ينتهجها في حالة نجاحه في الانتخابات.

الجائحة تعيده إلى السباق.. من هو أولاف شولتز؟

في منصف مارس (آذار) عام 2018؛ أصدرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، قرارها بتعيين أولاف شولتز وزيرًا للمالية ونائبًا لها؛ وذلك بعد أن نجح التحالف بين الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تمثله ميركل، والحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي ينتمي له شولتز، في حصد 53% من مقاعد البرلمان الألماني.

التحالف بين حزبي شولتز وميركل منح الأخيرة ولايتها الرابعة لمنصب المستشارة الألمانية، ومنح شولتز بطاقة العودة مرة ثانية للحكومة الألمانية تحت قيادة ميركل؛ وذلك بعد أن شغل منصب وزير العمل في الفترة بين عامي 2007 و2009.

Embed from Getty Images

صورة من آخر مناظرة التي جمعت من اليمين لليسار: أرمين لاشيت، أنالينا بربوك، أولاف شولتز

بعد أن ترك شولتز منصبه عقب انتخابات 2009، عاد مباشرةً لقيادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي في هامبورج، وانتخب نائبًا لرئيس الحزب، وظل في منصبه حتى عام 2011 عندما نجح في تقلد منصب عُمدة مدينة هامبورج، وهو المنصب الذي ظل فيه حتى عام 2018. وخلال تلك الفترة تمكن من إدخال حزمة من الإصلاحات على النظام المالي والاقتصادي على هامبورج؛ مما نتج منه نجاحات في الاقتصاد الألماني ككل، وكان ذلك سبب اختياره لشغل منصب وزير المالية عام 2018.

في نهاية عام 2019؛ كان أولاف شولتز على موعد مع تحدٍّ اقتصادي ضخم بسبب الكساد والخسائر المالية التي سببتها جائحة فيروس كورونا المستجد، لكن ردة فعل الحكومة الألمانية وخطوتها الثابتة؛ مكنتها من تقبل أدنى الخسائر الاقتصادية بين دول الاتحاد الأوروبي، وساعدها في ذلك بكل تأكيد خطة أولاف شولتز المالية التي تضمنت ميزانية تمويلية بقدر  750 مليار دولار  لمساعدة المواطنين والشركات الألمانية في تخطي خسائر الجائحة الاقتصادية.

جدير بالذكر أنه قبل الجائحة بشهور ترشح أولاف شولتز لرئاسة الحزب الديمقراطي الاجتماعي تمهيدًا للترشيح لمنصب المستشار؛ لكنه خسر الانتخابات، واعتقد الجميع أن شولتز أصبح خارج السباق مبكرًا. لكن أداء شولتز المميز في منصب وزير المالية منذ بداية الجائحة حتى الآن؛ كان سببًا رئيسيًّا في ارتفاع شعبيته في الشارع الألماني؛ مما دفع قيادة الحزب الديمقراطي الاجتماعي إلى إعلانه مرشحهم الرسمي في أغسطس (آب) من العام الماضي.

أمل الديمقراطيين الاجتماعيين.. وقلق أنجيلا ميركل

في عام 2015 كان التيار الديمقراطي الاجتماعي العالمي يشهد حالة من الصحوة، عندما فاز اليساري جيرمي كوربين برئاسة حزب العمال المعارض البريطاني وأصبح على مقربة من منصب رئاسة الوزراء. وفي العام نفسه انبثق المرشح الرئاسي الأمريكي، بيرني ساندرز، وسط السباق الرئاسي الأمريكي وكاد أن يخطف بطاقة ترشح الحزب الديمقراطي من هيلاري كلينتون.

لكن ساندرز فشل في الحصول على بطاقة الحزب في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016 وحقق خسارة أكبر في عام 2020، أما جيرمي كوربين فلم تساعده أجواء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على كسب تعاطف الجمهور، وخسر حزبه خسارة مدوية في الانتخابات المبكرة عام 2020، وتنازل عن منصب رئاسة الحزب.

دولي

منذ شهرين
«أكسيوس»: نهاية حقبة ميركل.. ماذا يعني ذلك بالنسبة لأوروبا؟

يختلف الديمقراطيون الاجتماعيون عن غيرهم من الأيديولوجيات السياسية في عدة أمور؛ لكن يظل هناك مبادئ هي التي تشعل ذلك الخلاف، على سبيل المثال: يؤمنون بالمساواة، وبفرض نظام ضرائب صارم لكنه متفاوت يزيد على الأغنياء ويقل على الفقراء، ويؤمنون بأهمية التنوع الثقافي؛ لذلك لا يكرهون المهاجرين أو النازحين لبلادهم؛ بل يرحبون بهم.

وبسؤال عبد الرحمن عاشور، الناشط السياسي وعضو الهيئة العليا لمنظمة شباب الحزب الاجتماعي الديمقراطي في هامبورج، عمَّا يعنيه فوز شولتز للاجئين السوريين في ألمانيا أو اللاجئين الذين يسعون للنزوح إلى ألمانيا؟

أجاب عاشور بأن «شولتز يؤمن بأحقية أي مواطن مهما اختلفت جنسيته في اللجوء للأراضي الألمانية، وبالطبع في حالة ترأسه الحكومة سوف يكون هذا خبرًا سارًّا للاجئين في ألمانيا وغيرهم من اللاجئين العالقين في الدول المجاورة ويحلمون بالاستقرار في الأراضي الألمانية».

وعلى الرغم من أنها كانت برجماتية أحيانًا وطبقت العديد من السياسات التي يمكن تصنيفها على أنها ليبرالية أو حتى ديمقراطية اجتماعية؛ فإن أنجيلا ميركل تقبع في خانة الساسة المحافظين؛ وكانت صاحبة قرار سياسات التقشف الاقتصادي التي فرضها الاتحاد الأوروبي على اليونان. صحيح أن هذه السياسة أنقذت عملة اليورو التي كان يهددها انهيار الاقتصاد اليوناني، لكنها وضعت اقتصاد اليونان المتهالك في موضع صعب لن يتعافى منه لفترة طويلة؛ والأهم من ذلك أن سياسات ميركل التقشفية كانت ضد رغبة الشعب اليوناني الذي صوت بالأغلبية ضد التقشف في عام 2015.

في المقابل؛ لا يؤمن شولتز بذلك؛ هو صحيح على عكس غيره من الديمقراطيين الاجتماعيين الذين يؤمنون بأن الاتحاد الأوروبي نظام نيو ليبرالي يحافظ على الرأسمالية فقط، لكنه يؤمن بأهمية الاستمرار في الاتحاد الأوروبي والسعي وراء تغيير سياسته نحو الأهداف الديمقراطية الاجتماعية.

على جانب آخر، جعلت ميركل ألمانيا أهم دولة مؤثرة في الاتحاد الأوروبي، خاصة بعد خروج بريطانيا، فهل يستغل أولاف شولتز هذه المكانة للتأثير في الواجهة السياسية للاتحاد الأوروبي؟ أجاب عاشور: «شولتز لن يحتل مكانة ميركل بوصفها قائدًا للاتحاد الأوروبي في حالة نجاحه على الفور، بل يحتاج إلى ثماني سنوات على الأقل».

وبسؤاله هل في حالة فوز شولتز، قد يصبح ذلك بداية تفوق للاتجاه الديمقراطي الاجتماعي في أوروبا وفي العالم؟ قال عاشور: «بالفعل يمر الاتحاد الأوروبي حاليًا بحالة من التغيير الفكري والسياسي تجاه التيار الديمقراطي الاجتماعي؛ فمنذ أيام تمكن الديمقراطيون الاجتماعيون من إسقاط المحافظين في النرويج، وهم أيضًا يتولون مقاليد الحكم في إسبانيا والبرتغال والسويد وفنلندا منذ فترة».

لماذا قد لا تريد ميركل أن يفوز أولاف شولتز بمقعد المستشار؟

يقول عاشور إن الحزب الديمقراطي المسيحي (حزب ميركل) لا يفضل دائمًا التحالف مع الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي يمثله شولتز؛ وذلك بسبب الاختلاف على أولويات الحكومة المُشكَّلة، وبالتحديد البرنامج الاقتصادي، وعلى جانب آخر، فهناك أيضًا مرشح عن حزب ميركل هو أرمين لاشيت.

جدير بالذكر أن من عادة الديمقراطيين الاجتماعيين السعي نحو التغيرات الجذرية، وهو أمر لا يروق إلى المحافظين والليبراليين الوسطيين، حتى لو كانوا ينتمون للتحالف نفسه أو الحزب السياسي؛ مثل صادق خان عمدة لندن الذي كان يعارض جيرمي كوربين بشدة، على الرغم من أنها ينتميان للحزب السياسي نفسه، ومثل أيضًا تعامل رموز الحزب الديمقراطي الأمريكي مع بيرني ساندرز واتحادهم خلف جو بايدن في الانتخابات الماضية، على الرغم من أن ساندرز كان المتقدم في بداية السباق.

المشهد السياسي في ألمانيا ليس منقسمًا بين حزبين كما هو الحال في بريطانيا وأمريكا؛ بل يوجد مجموعة أحزاب مختلفة تحصد نسبًا من مقاعد البرلمان؛ لذلك يجب أن يكون هناك تحالفات، والتحالف الذي يملك أكبر عدد من مقاعد البرلمان؛ يتسنى له تشكيل الحكومة.

استطلاعات الرأي الحالية تقول إن الحزب الديمقراطي الاجتماعي سوف يحصل على 27.6% من المقاعد في البرلمان القادم، لكنه لا يزال يحتاج إلى عقد تحالف مع حزب أو مجموعة أحزاب أخرى كي يتخطى معادلة «50% من مجمل المقاعد + مقعد واحد» التي سوف تمنحه الأغلبية، ومن ثم يتمكن من تشكيل الحكومة.

ولكن؛ هل كانت ميركل تقصد حزب شولتز عندما قالت إنها لن تتحالف مع شيوعيين سابقين؟ يقول عاشور خلال حديثه معنا في «ساسة بوست»: «لا أعتقد ذلك، غالبًا كانت تقصد حزب اليسار الذي سوف ينضم على الأرجح إلى تحالف شولتز، وبنسبة كبيرة أيضًا سوف ينضم الحزب الأخضر إلى تحالف شولتز بسبب التقارب في السياسات الاقتصادية».

نتيجة استطلاعات الرأي التي توضح نتائج البرلمان المتوقعة، مصدر الصورة: صحيفة الجارديانتوضيح الرموز: (CDU/CSU):  الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تنتمي له ميركل – (SPD): الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي ينتمي له أولاف شولتز – (GRUNE): الحزب الأخضر – (FDP):  الحزب الديمقراطي الحر – (Linke): حزب اليسار 

تقول استطلاعات الرأي أيضًا إن حزب ميركل سوف يحصد 23.2% من المقاعد، ويليه الحزب الأخضر بحوالي 17.5%، ثم  الحزب الديمقراطي الحر الذي يتحالف دائمًا مع الحزب الديمقراطي المسيحي – حزب ميركل – بنسبة 12.6%، لكن التحالف هذه المرة بين الحزبين لن يمنح مرشح الديمقراطي المسيحي فرصة تشكيل الحكومة.

وفي حالة نجاح التحالف بين حزب شولتز الديمقراطي الاجتماعي (27.6%)، والحزب الأخضر (17.6%)، وحزب اليسار (6.6%) سوف يمتلك تحالف شولتز 51.4% من مجمل مقاعد البرلمان؛ ما يعني أن التحالف حصد الأغلبية وسوف يشكل الحكومة بقيادة أولاف شولتز.

وبالبحث عن ماهية الدور الذي يمكن أن يلعبه أولاف شولتز في الشرق الأوسط في حالة فوزه بالانتخابات، وجد أن حديث شولتز في الإعلام الألماني يتركز على الأغلب حول الشئون الألمانية أو الشئون الأوروبية، وبسؤال عبد الرحمن عاشور عضو الهيئة العليا لمنظمة شباب الحزب الاجتماعي الديمقراطي في هامبورج، أجاب بأن أولاف شولتز من أشد مؤيدي حقوق الإنسان، ويدعو دائمًا لوقف ومنع بيع السلاح الألماني للدول التي تمتلك سجلًا من التعدي على حقوق الإنسان.

ويذكر أن ألمانيا من أكبر الدول الأوروبية من حيث مبيعات السلاح للشرق الأوسط؛ ففي عام 2020 فقط صدقت الحكومة الألمانية على مجموعة من صفقات السلاح في الشرق الأوسط وصلت قيمتها إلى 1.16 مليار يورو، كان لمصر منها النصيب الأكبر من السلاح بقيمة 752 مليون يورو.

دولي

منذ شهرين
«خصيم المسلمين».. إريك زمور «نبي الكراهية» الذي قد يصبح رئيس فرنسا القادم

فيما ضمت قائمة الدول الأخرى في هذه الصفقة؛ البحرين والأردن والكويت وقطر. ومن الجدير بالذكر أن بعض من هذه الدول – بخاصة مصر والبحرين– تلقى العديد من الانتقادات الدولية بسبب تردي أوضاع حقوق الإنسان بداخلها، فهل في حالة فوزه، سوف يمنع شولتز السلاح الألماني عن الشرق الأوسط؟ أم أن للمنصب حسابات أخرى؟ هذا ما سنعرفه خلال الأسابيع القادمة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد