مع مرور الأيام والسنين، يصبح هناك القليل جدًا من مجرمي الحرب النازيين الذين يمكن تعقبهم والذين لا يزالون على قيد الحياة؛ الأمر الذي يعزز دائمًا من دهشتنا حين نعلم أن البعض منهم كانوا يعيشون بيننا حتى وقت قريب.

فقد أشارت تقارير مؤخرًا إلى وفاة ألويس برونر، النقيب في جهاز الأمن السري الألماني، قبل بضع سنوات في سوريا.

ووفقًا لإفرايم زوروف، مدير مكتب مركز سيمون فيزنتال في إسرائيل، فإن برونر لم يكن مختبئًا في الأرجنتين أو البرازيل أو أي من دول أمريكا الجنوبية، وإنما في العاصمة السورية دمشق التي عاش فيها منذ خمسينات القرن الماضي تحت اسم جورج فيشر. بل وربما يكون قد عمل مستشارًا للحكومة السورية.

لقد اتضح أن السيد برونر لم يكن شاذًا عن بقية رفقائه الألمان الذين تركوا البلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ففي الوقت الذي توجه فيه أعتى النازيين الهاربين إلى أمريكا الجنوبية، غيّر المئات من أعضاء الحزب النازي والجيستابو وجهتهم إلى منطقة الشرق الأوسط، وبشكل خاص إلى سوريا ومصر. وبينما تمكن الموساد الإسرائيلي من القبض على أدولف آيخمان، أحد المسئولين الكبار في الرايخ الثالث، في مدينة بوينس آيرس في الأرجنتين وإعادته إلى إسرائيل للمحاكمة التي انتهت بإعدامه، تمكن نائبه برونر من أن يصنع لنفسه حياة جديدة في الشرق الأوسط. وكانت بعض دول الشرق الأوسط قد عهدت إلى أولئك النازيين الهاربين في بعض الأحيان بوضع برامج لإعادة بناء المؤسسات العسكرية كالجيش والمخابرات.

ولا تقتصر قائمة هؤلاء النازيين الفارين على برونر وآيخمان، ولكنها تمتد أيضًا لتشمل الدكتور أربيرت هايم، أحد أهم النازيين المطلوبين لدى المحققين. وفي الوقت الذي تواصلت فيه عمليات البحث عن هايم، كان قد توارى عن الأنظار واتجه صوب مصر ليقضي بقية حياته في أحد أحياء الطبقة العاملة بالقاهرة.

وكما هو الحال مع برونر، كان هايم واحدًا من الجنود والقادة والعلماء الألمان الذين شقوا طريقهم إلى شمال أفريقيا والشرق الأوسط. وعلى النقيض من الفرنسيين والبريطانيين، فقد تعاطف القادة في الشرق الأوسط مع تطلعات الألمان في المنطقة. وظهرت بوادر ذلك التعاطف جليةً خلال الحرب العالمية الثانية حيث تعلقت آمال الكثير من القوميين العرب في نجاح المشير الألماني إرفين روميل في اكتساح قوات الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط.

وعقب هزيمة التحالف العربي من قبل الإسرائيليين في عام 1948، عهدت الدول العربية سرًا إلى المستشارين الألمان باعتبارهم أفضل الموارد المتاحة في عمليات البناء الجديدة لجيوش عربية قوية. وكان المخرج الفرنسي الألماني جيرالدين شوارتز قد تتبع مسارات الجنود الألمان الهاربين في فيلم وثائقي فرنسي تم إنتاجه مؤخرًا تحت عنوان: «النازيون المنفيون: وعد الشرق». ومن بين الشخصيات التي رصدها الفيلم الجنرال الألماني أرتور شميت، الذي قاتل مع روميل في شمال أفريقيا، والذي قامت الجامعة العربية بتجنيده للمساعدة في تشكيل قوة قتالية أكثر فعالية.

وفي عام 1951 وبعد رحلته إلى مرتفعات الجولان، اعتبر شميث في إحدى رسائله لأحد زملائه في مصر أن هزيمة الدول العربية من إسرائيل عام 1948 كانت نتيجة «فشل القادة المصريين في الاستفادة من مراحل القتال الأولى لمحو دولة إسرائيل من على الخريطة».

في الوقت نفسه، شهدت تلك الفترة سفر أحد الوكلاء السوريين إلى روما للبحث عن والتر رؤوف، أحد القادة الألمان النازيين، للاستعانة بخدماته في البحث عن عدد من المستشارين العسكريين الألمان من قادة الجيش والمخابرات. وفي غضون أشهر، كان عشرات النازيين قد شقوا طريقهم نحو دمشق، بما في ذلك فرانز ستانجل، الذي قاد معسكرات الموت في سوبيبور.

وكانت أعداد النازيين الألمان الذين زحفوا نحو مصر وسوريا قد قُدرت بنحو 120 شخصية. عمد العديد من الهاربين إلى اعتناق الإسلام، وتغيير أسمائهم إلى أسماء إسلامية وعربية، الأمر الذي جعل من عمليات البحث عنهم وتعقبهم أمرًا صعبًا آنذاك.

جرت عمليات التجنيد التي تمت بحق الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم حرب في معظم الحالات في إطار من السرية. غير أن العديد من الألمان في خمسينات القرن الماضي والمعروفين باسم «الألمانيو»، والذين كانوا يعيشون في القاهرة عاشوا حياتهم علنًا نظرًا لجهودهم في عمليات تحديث وتدريب الجيش المصري. وقد مكَّنتهم تلك العلانية من استئجار الشقق الفاخرة، وقيادة سيارات المرسيدس، بالإضافة إلى قضاء عطلات نهاية الأسبوع على شواطئ البحر الأحمر والحصول على عضويات الأندية.

من جانبهم، أبدى الإسرائيليون قلقًا بالغًا بشأن الألمان النازيين في القاهرة، خاصة الخبراء منهم في صناعة الصواريخ. وتعددت المحاولات الإسرائيلية لاغتيال القادة الألمان في القاهرة. ومن بين تلك المحاولات القنبلة التي تسببت في فقدان أحد الأشخاص لبصره ممن كانوا يعملون مع أحد علماء الصواريخ.

ويبقى السؤال قائمًا أمام الباحثين في المستقبل: إلى أي مدى استطاع النازيون الألمان التأثير في هذه الدول التي شهدت تغيرات سريعة وخاصة ما يتعلق منها بالنواحي الأمنية؟ وكما قالت السيدة شوارتز: “بينما كان العالم يتشكل من جديد بعد الحرب العالمية الثانية، كان الألمان يقدمون المشورة لمؤسسات الجيش والمخابرات والشرطة في اللحظات التي شهدت بناء هذه الدول”.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد