قد ننظر إلى طريقة استخدامهم للتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي نظرة ساخرة لا تخلو من الحب، ولكن ما لا يعرفه البعض أن دخول كبار السن إلى هذا العالم الجديد كان نقطة تحول في حياة الكثير منهم. لم يستطع كل كبار السن اللحاق بركب التكنولوجيا واستكشاف عالم الإنترنت، ولكن بعضهم استطاع ترويض تلك الآلية الجديدة للتواصل عبر الأثير لتكون وسيلة جديدة لهم للعودة إلى الحياة الاجتماعية سواء الافتراضية أو على الأرض الواقع، بعد أن ظنوا أنهم قد وصلوا إلى نهاية الطريق، خاصة من وصل منهم لسن المعاش وكان العمل هو كل حياته، ثم تزوج الأبناء وانتهى العمل وأصبحت الحياة خاوية.

في هذا التقرير نأخذكم في رحلة لكواليس عالم الإنترنت لدى كبار السن، وما تخبئه تلك الكواليس من تجارب سواء كانت سلبية أو إيجابية، فهل أنتم مستعدون؟

«لهذا نضع لكم تلك الزهور والتعليقات الغريبة عندكم»

في عام 2008 كانت منال في واحدة من جلسات تعلم الإنجليزية مع تلك السيدة الراقية التي تبرعت بتلك المهمة مجانًا لها هي وبعض أصدقائها الخريجين الجدد، وأثناء دقائق الراحة بين الدروس، ذكرت تلك السيدة على عُجالة موقع على الإنترنت استطاعت من خلاله أن تجد أصدقاءً قدامى، «ما اسم هذا الموقع؟» سألتها، فردت:«فيسبوك».

تلك كانت المرة الأولى التي تسمع فيها منال عن هذا الموقع، وعندما أدركت حجم التغيير الذي حققه هذا الموقع في حياة تلك السيدة كبيرة السن، اتجهت إلى والدتها لإقناعها بالانضمام إلى هذا الموقع والبحث عن أصدقائها، ولكن الأم لم تقتنع بالانضمام إلا بعد عدة سنوات، عندما أحيلت على المعاش، وأصبحت الحياة فارغة من الأصدقاء والزملاء وأي نشاطات مسلية، لتكون تلك اللحظة التي طلبت من ابنتها إنشاء حساب لها بمثابة لحظة تحول مهمة في حياتها بالكامل.

«كنت أشعر بأن حياتي انتهت»؛ هكذا تخبر والدة منال – 70 عامًا – «ساسة بوست» وهي تحكي لنا عن قصتها مع الدخول لعالم الإنترنت، في البداية لم تفهم تلك السيدة – على الرغم من حصولها على شهادة جامعية – كيف يمكن للإنترنت أن يجمع هذا الكم «الخرافي» من البشر في مكان واحد – تقصد «فيسبوك» – وبعد رحلات من البحث على هذا الموقع استطاعت أن تصل إلى صديقة كانت غائبة عنها منذ عشرات الأعوام، وتلك الصديقة وصلتها بآخر، حتى اجتمعوا في رسالة واحدة مجمعة يرتبون أول مقابلة لهم؛ لتكون تلك الرسالة بذرة لحياة جديدة تصفها والدة منال «وكأني عدت للحياة».

«كيف كنت سأجد هؤلاء الأصدقاء القدامى؟ وكيف كنا سنتواصل بهذه السهولة لنصل إلى ما وصلنا له الآن في العام 2021؛ حيث تجمعنا مجموعة مغلقة بها كل أصدقاء العمر وأبنائهم»، تلك المجموعة التي أصبحت الشغل الشاغل لتلك السيدة، ليس فقط عن طريق النشاطات التي يمارسونها عبر المجموعة من مسابقات، وسهرات للفضفضة، بل أيضًا لما خلقته تلك المجموعة من حياة على أرض الواقع، فلا يمر أسبوع أو أسبوعان بالكثير حتى تطفو على السطح مناسبة، سواء كانت عيد ميلاد أو زفافًا أو حتى عزاء؛ يتطلب أن يجتمع أفراد المجموعة لتهنئة صاحب المناسبة أو مواساته.

  قد يرانا الشباب مضحكين على «فيسبوك» بالكلمات البسيطة الصادقة التي نكتبها، أو بالصور التي تحمل الزهور والشمس الساطعة، ولكن ما لا يعرفونه أن خوضنا لعالم الإنترنت هو ما أعاد لنا جزءًا كبيرًا من الحياة الاجتماعية التي فقدناها في هذه السن الكبيرة *والدة منال.

ضمن تقرير نشره مركز بيو للأبحاث؛ وضحت الأبحاث أنه خلال عام 2009 تضاعف استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بين كبار السن الذين تبلغ أعمارهم 50 عامًا أو أكثر؛ إذ ارتفعت النسبة في هذا العام من 22%، إلى 42%، وفي حين نما استخدام وسائل التواصل الاجتماعي نموًّا كبيرًا بين جميع الفئات العمرية في ذاك الوقت، كان المستخدمون الأكبر سنًّا هم الأكثر إقبالًا لتبني وسائل جديدة للتواصل بعد أن حصروا أنفسهم سنوات طويلة في إطار التواصل عبر البريد الإلكتروني فقط.

وفي عام 2010 أكد مركز بيو للأبحاث أن نصف مستخدمي الإنترنت تتراوح أعمارهم بين عمر 50 عامًا و64 عامًا، وأن نسبة 26% من مستخدمي الإنترنت الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا أو أكبر يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة – الأبحاث – إلى أن تلك الأرقام في تزايد ملحوظ، وهو ما أكده الواقع الذي نعيشه الآن في عام 2021، أي بعد 11 سنة من نشر تلك الإحصاءات؛ إذ تجد لدى كل شخص الآن على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من فرد كبير السن من أفراد أسرته الصغيرة أو عائلته الكبيرة.

«كنت في انتظار الموت» الإنترنت ليس حكرًا على الشباب

وما تشير إليه هذه الأرقام هو أن الصورة الذهنية لدى الكثير من الشباب عن كون وسائل التواصل الاجتماعي حكرًا على المستخدمين من الشباب هو أمر غير صحيح بالمرة، تقول منال لـ«ساسة بوست» إنها هي وأصدقاءها أنشأوا العديد من المجموعات التي بدأوها بحماسة ثم هجروها وأصبحت خاوية من منشورات التفاعل، بينما ما لاحظته في المجموعة التي كونتها والدتها وأصدقاء عمرها؛ هو الالتزام في التواصل والرغبة الحقيقية في المشاركة مؤكدة لـ«ساسة بوست»: «أحيانًا أشعر بأن كبار السن يستغلون الإنترنت استغلالًا أفضل من بعض الشباب».

وما يصدق على هذا الكلام هو التقرير الذي نشره مركز بيو للأبحاث في نهاية عام 2019، موضحًا أن 41% من مستخدمي «فيسبوك» فوق سن 65 عامًا، وابتداء من الشهور الثلاثة الأخيرة من العام 2020 نشرت شركة «Statista» تقريرًا يوضح أن 58% من البالغين فوق سن 56 يستخدمون «يوتيوب» استخدامًا منتظمًا.

«كنت أشعر بأن أيامي تمر وأنا في انتظار الموت»؛ هكذا أخبرت صفاء – 67 عامًا – واصفة حياتها قبل اكتشاف عالم الإنترنت، فبعد أن طوَّرت طرق الطهي التي تقدم بها الطعام لأسرتها من خلال مشاهدة مقاطع الطهي على موقع «يوتيوب»، نصحها ابنها بالانضمام إلى «فيسبوك» لتشترك في مجموعات خاصة بالطهي؛ إذ تبادلت وصفات وتجارب مختلفة مع نساء من أنحاء العالم العربي، واستطاعت أن تكوِّن صداقات جيدة مع بعضهن، حتى توطدت واحدة من  تلك الصداقات مع امرأة كبيرة في السن من المغرب واستضافتها صفاء في مصر لتكون صديقة مقربة لها.

«آخر شيء كنت أتوقعه وأنا في هذه السن أن يكون لي أصدقاء جدد، وأتعرف إلى نساء من بلاد أخرى وتكون لي حياة اجتماعية ناجحة وكأني أبدأ حياتي من جديد».

في دراسة نشرت في العام 2016 والتي رصدت نشاطات كبار السن في 14 دولة أوروبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بغرض قياس درجة الرضا عن الحياة وعلاقتها باستخدام كبار السن للإنترنت خاصة المواقع الاجتماعية، وتؤكد الدراسة أن وجود شبكة اجتماعية كبيرة لكبار السن فوق عمر الخمسين عامًا، تكون عاملًا مهمًّا في ترسيخ إحساسهم بالرضا عن الحياة، والشعور بالسعادة والسلام، خاصة إذا ساعدتهم تلك المواقع الاجتماعية على التواصل مع أفراد أسرتهم وعائلتهم تواصلًا دائمًا.

قصة الوحيدة حنان.. عندما يتحول «فيسبوك» إلى مصدر للرزق

«متقاعد؟ إليك طرق لكسب المال عن طريق الإنترنت»، أو «للمتقاعدين، طرق ذكية للحصول على المال من خلال الإنترنت»؛ هي جُمل يمكن أن تصادفها كثيرًا في وسائل الإعلام والدعايات الأجنبية، والتي تستهدف كبار السن «على المعاش» ليستغلوا وقتهم في كسب المال، موجهين إياهم بالتفاصيل الدقيقة لكيفية فعل ذلك.

هذا النوع من الدعايات من الصعب أن تجد مثله لكبار السن في البلدان العربية، ربما لانتشار الثقافة العامة أن الشخص المتقاعد هو شخص يستعد لنهاية الحياة، ولكن هناك العديد من الأمثلة في مصر لكبار السن الذين شقوا طريقهم بمجهودهم وبمساعدة أبنائهم لاستكشاف الإنترنت بغرض كسب المال.

تخبر حنان – أرملة بلا أبناء –  «ساسة بوست» بأنها بعد تقاعدها في سن 55 عامًا، بدأت مشروعًا صغيرًا للطهي من المنزل، وكانت تسوق لعملها في دائرة أصدقائها وأقاربها فقط، ولكنها بعد عام من هذا المشروع أوقفته لعدم توفر العائد المادي الكافي مقابل المجهود الذي تبذله، بسبب قلة عدد الطلبات، وبالتالي عدم قدرتها على توفير مال لتعيين مساعدة لها سعيًا إلى تطوير المشروع، ولكن بعد عامين من التوقف؛ اقترحت عليها ابنة أخيها أن تدخل إلى عالم الإنترنت و«فيسبوك» وتسوِّق لعملها من خلال هذا الموقع.

«في البداية شعرت بالرعب من هذا العالم الغريب»؛ هكذا تصف حنان «فيسبوك» الذي انضمت له في عام 2015، ولكن بمساعدة ابنة أخيها «الصبورة» – على حد وصفها- استطاعت أن تتعلم إدارة المجموعة التي بدأتها لها ابنة أخيها. «لم أصدق أن الأمر بهذه السهولة فهي دعاية مجانية، وتوجد سرعة وسهولة في التواصل مع الزبائن بالرسائل الخاصة»، قبل الإنترنت و«فيسبوك» كانت تطبع حنان منشورات ورقية وتستعين بأطفال الجيران ليوزعوها على أبواب المنازل، ولم تكن تلك الطريقة مثمرة أو جاذبة للعملاء، بينما كانت مكلفة ماديًّا.

في حين – تشرح حنان- أن دعاية «فيسبوك» من خلال المجموعة مجانية، وتجذب العديد من الزبائن الجدد يوميًّا، بجانب أن  تلك المجموعة أصبحت «عالمها الصغير» ولم يعد مجرد عمل، فهي يوميًّا تستيقظ نشيطة لتطهو طعامًا جديدًا وتصوره لتنشر تلك الصور على المجموعة، وتجلس تستمتع طوال اليوم بالتعليقات التي تأتي على الصور من مدح في مذاق طعامها و«شياكة» تقديم هذا الطعام، «لقد غير فيسبوك حياتي كلها حرفيًّا».

هل يتحول «فيسبوك» إلى «دار للمسنين»؟

نشرت «statista» مع بدايات عام 2019 تقريرًا تحت عنوان: «هل تحول «فيسبوك» إلى منزل للتقاعد بين وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت؟»، وأشار هذا التقرير إلى الإقبال الملحوظ  على «فيسبوك» في السنوات الأخيرة من جانب كبار السن، وما أثبتته الإحصائيات من أن الشباب يجنحون حاليًا لمغادرة «فيسبوك» واستخدام التطبيقات ذات الوتيرة الأسرع مثل «تيك توك» على سبيل المثال.

بينما تتزايد أعداد المستخدمين من كبار السن الذين تزيد أعمارهم على 55 عامًا يوميًّا، وأظهرت البيانات الموجودة في التقرير أن نسبة هؤلاء الأشخاص – فوق سن 55 – قد ارتفعت على «فيسبوك» من 49%، إلى 53% خلال عامي 2017  و2019، وبعيدًا عن الإحصاءات، ألم تلحظ طلبات الصداقة في السنوات الأخيرة من الأعمام والعمات والجدات أحيانًا، حتى تحول هذا الأمر إلى مسار للمزاح على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يأخذنا للنقطة التالية، والتي قد تكون النقطة الأهم في التحقيق، وهي: كيف يتعامل الشباب مع كبار السن على مواقع التواصل الاجتماعي؟

تقول مروة – 17 عامًا – لـ«ساسة بوست»: «أنا عاملة حظر لماما وبابا على فيسبوك»، موضحة أن «تعليقاتهما سخيفة ومحرجة» وتضعها في موضع سخرية أمام زملائها وأصدقائها الموجودين معها على «فيسبوك»، هذا إلى جانب أن وجودهما على صفحتها الشخصية لا يمنحها الحرية الكافية لنشر كل ما تفكر به أو تريده، وتؤكد أن الأمر غير متعلق بحبها لهما، ولكنها ترى أنهم «ملهمش في النت».

موجة استهجان وجود كبار السن على مواقع التواصل الاجتماعي وانضمامهم لهذا الركب التكنولوجي، لا تنحصر في البلدان العربية؛ إذ يسخر الشباب الصغير من صور الزهور المكتوب عليها «صباح الخير» أو «جمعة مباركة»، والتي ينشرها الآباء بكثرة على الإنترنت، ولكنها موجة عالمية تجسد الفجوة بين الأجيال عندما يجتمعان في واقع افتراضي واحد، بخلفيات ثقافية وعمرية مختلفة.

ترى الصغار يستنكرون ويسخرون من آلية كبار السن في استخدام «فيسبوك» ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما يرى كبار السن أن الشباب والصغار يسيئون استخدام تلك الأدوات في نشر «التفاهات» كما أخبرت – ميرفت 70 سنة- «ساسة بوست».

«سمعنا وجهة نظركم الآن اغربوا عن وجهنا»

يعد «هاشتاج» «#OkBoomer» والذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي الأمريكية والناطقة بالإنجليزية، مثالًا مهمًّا على ما يتعرض له مستخدمو تلك الوسائط من كبار السن من المراهقين والشباب، وهذا الهاشتاج الذي انتشر عام 2019 كان المقصود به السخرية من كبار السن والمعتقدات التي يروجون لها، أو الأفكار التي يعارضونها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، تلك الحملة الشبابية التي وصفها الإعلام الأمريكي بأنها أنهت عصر الود بين الجيلين على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكلمة «boomers» يشار بها إلى الأجيال التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية بين أعوام 1946 و1964، وأضاف إليها المراهقون كلمة «ok» بغرض الرد على منشورات المستخدمين من هذا الجيل، والتي تروج لأي أفكار لا يوافق الجيل الجديد عليها، بغرض إسكاتهم والسخرية منهم، وكأنهم يقولون لهم:«سمعنا وجهة نظركم الآن اصمتوا».

تقول ميرفت والتي أصبحت مسؤولة عن مجموعة للتواصل الاجتماعي على «فيسبوك» منذ عامين؛ إنها تشعر أحيانًا بأن الشباب «مستكترين علينا نعيش حياتنا» على حد وصفها، موضحة أنها منذ أن أصبحت مسؤولة عن تلك المجموعة وجدت شغفًا جديدًا في الحياة، وتخرج مع أفراد المجموعة في لقاءات متعددة وأصبحت لها حياة اجتماعية ليست افتراضية فقط، بل على أرض الواقع، بينما حينما تراها حفيدتها التي تبلغ من العمر سبعة سنوات وهي ممسكة بالهاتف وتتحدث مع أصدقائها، تشعر بالدهشة من أن الجدة تستخدم الهاتف الذكي مثلها، وأحيانًا تطلب منها أن تمنحها هذا الهاتف هدية «يعني انتي هتعملي بيه إيه»؛ هكذا أخبرتها حفيدتها.

في المقابل يوضح إسماعيل – 55 سنة- وصاحب مجموعة اجتماعية على «فيسبوك» كوَّنها منذ عام 2012، أن تلك المجموعة في البداية كانت لأصدقائه من كبار السن الذين تقاعدوا ولم يعد لديهم نشاطات يومية تشغل حياتهم، ولكن بعد مرور أعوام من إنشاء هذه المجموعة تغير الأمر.

تحولت المجموعة إلى ملتقى يجتمع فيه ثلاثة أجيال حرفيًّا، الأجداد والأبناء والأحفاد، فكل عضو من أعضاء المجموعة من كبار السن، شهدت أسرته تحولًا جوهريًّا في حياته بعد انضمامه للمجموعة وحضور التجمعات التي كان يتعمد فيها إسماعيل أن تكون مفيدة ومسلية، من خلال استضافة مطربين وأطباء في الوقت نفسه لتقديم النصائح الصحية لكبار السن؛ فأثار هذا شغف أبنائهم – يوضح إسماعيل لـ«ساسة» – فبدأوا بالانضمام ومن ثم انضم الأحفاد، وأصبحت رحلات السفر إلى بلطيم أو الفيوم، تجمع بين الثلاثة أجيال في الوقت نفسه.

يوضح إسماعيل أن ليس كل الشباب يمارسون التنمر على كبار السن على مواقع التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن مجموعته والتي تجمع 10 آلاف عضو، بها ما يقرب من ألفي عضو من الشباب والمراهقين الذين يتعاملون جميعًا بمنتهى الاحترام والتقدير مع كل كبار السن في المجموعة، والأمر  – من وجهة نظره – يتوقف على «تربية» هذا الشاب، فإذا كان غير مهذب على مواقع التواصل الاجتماعي، فستجده غير مهذب في المواصلات العامة والأماكن الأخرى أيضًا، بحسبه.

التحرش يعرف طريقهن.. الإنترنت ليس جنة لكبار السن

لا تجعل تلك القصص الإيجابية لكبار السن على الإنترنت تخدعك وتصور لك أن هذا العالم جنة لهم لا يواجهون فيها المتاعب، فهناك بعض الجوانب المظلمة لانضمام كبار السن لهذا العالم الافتراضي.

في دراسة نشرت بالعام 2017 حاولت الرد على سؤال بسيط للغاية: «لماذا ينجذب كبار السن لمواقع التواصل الاجتماعي؟ ولماذا يتجنب بعضهم هذا العالم؟»، ومن خلال محاورة 46 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 60 و80 عامًا، جاءت الإجابات كالتالي: كانت الأسباب الشائعة لانضمام كبار السن لمواقع التواصل الاجتماعي: «البقاء على اتصال مع الأقارب والأصدقاء، ومشاركة الصور، ومراقبة الآخرين ومتابعة حياتهم، والاستجابة لطلبات ورسائل أفراد الأسرة، والفضول، وسهولة التواصل».

بينما كانت أسباب رفض بعضهم لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي هي شعورهم بأن تلك المواقع تعد انتهاكًا للخصوصية، ولأن التقنيات المستخدمة للتعامل مع تلك المواقع أصعب من قدرتهم على التعامل، وتفضيلهم لاستخدام وسائل الاتصال التي تعودوا عليها: مثل الهاتف الأرضي، أو حتى الهاتف المحمول العادي.

علاقات

منذ سنتين
مترجم: ماذا يعني الحب عند كبار السن؟

ولكن في حديث «ساسة بوست» مع بعض كبار السن والذين يستخدمون الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي استخدامًا دائمًا؛ وجدنا أن هناك بعض الجوانب الأخرى التي قد تدفع بعض كبار السن، خاصة النساء منهم، للتخلي عن هذا العالم وعدم العودة له مرة أخرى.

تخبرنا نادية – 66 عامًا – بأن دخولها لعالم الإنترنت و«فيسبوك» جاء عن طريق صديقة لها أنشأت لها الحساب وأدخلتها في مجموعة خاصة بها تجمع العديد من الرجال والنساء من الفئة العمرية نفسها، وغرض المجموعة كان تداول الفنون القديمة التي كانوا يحبونها في شبابهم من أغانٍ وأفلام ومسلسلات.

ولكن نادية، والتي تتمتع بجاذبية تجعلها تبدو أصغر من سنها، وجدت أن ما يحدث في كواليس تلك المجموعة كان أكثر من كونه تواصلًا فنيًّا، فبعض الرجال ينضمون لتلك المجموعات بغرض البحث عن السيدات الوحيدات وإغوائهن، سواء من أجل المال أو الجنس، وأكدت أنها تلقت عشرات الرسائل التي تندرج تحت بند التحرش الصريح.

وبقية الرسائل يبدأ فيها بعض الرجال بكلام الحب والغزل، ثم تبدأ «العروض الغريبة» على حد وصفها، ويعد العرض الأغرب الذي واجهته والتي رغبت في مشاركته معنا هو العرض الذي قدمه لها رجل تحدثت معه لشهور، عبَّر خلالها عن مشاعره تجاهها لدرجة جعلتها تتعلق به، ثم كان غرضه للزواج هو الزواج بالساعة، بمعنى أن يقابلها عدد ساعات معينة في الأسبوع يدفع لها خلالهم مقابلًا ماديًّا متفقًا عليه مسبقًا، مع كتابة ورقة عرفية بينهما فقط، وقتها شعرت نادية «بالرخص»، و«كرهت اليوم» الذي انضمت فيه لمواقع التواصل الاجتماعي، كانت تظن أنها إذا تحدثت مع رجل كبير وناضج، لن يقبل على التصرفات التي تسمع أنها تصدر من الشباب الصغير.

بالنظر إلى ما قدمته الدراسات والإحصاءات عن دور الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي في حياة كبار السن من تأثيرات إيجابية أو سلبية، ومن خلال التجارب التي عرضناها، يمكننا أن نرى أنه رغم بعض الجوانب السلبية لدخول كبار السن إلى هذا العالم، فهناك العديد من الجوانب الإيجابية الأخرى والتي غيرت حياة الكثير إلى الأفضل، وكما وجدنا شبابًا يسخرون من كبار السن، وجدنا أيضًا شبابًا ومراهقين يساعدونهم على استغلال هذا العالم استغلالًا مفيدًا ومسليًا لهم، ولكن؛ ألم يأت الوقت للنصف الآخر من الشباب لمحاولة فهم آليات استخدام كبار السن لمواقع التواصل الاجتماعي، بدلًا من السخرية منهم؟

 

المصادر

تحميل المزيد