تخيل نفسك تدخل إلى البنك، وتطلب سحب بعض الأموال من حسابك، فيعطيك الموظف بعض السكاكين، ربما الموقف يبدو غريبًا بعض الشيء في العصر الحالي، لكن لو كنت في الصين القديمة، وفي القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد لكان الموقف عاديًّا للغاية. لكن قبل التطرق إلى قصة أموال السكين، لنتحدث أولًا عن الأموال، متى وكيف بدأت؟ وكيف تطورت عبر الزمان؟ 

النقود.. في البدء كانت المقايضة

عرف الإنسان النشاط الاقتصادي منذ قديم الأزل، والقصة المعروفة لدى الجميع أن العالم بأسره كان يستخدم نظام المقايضة. أنت تزرع القمح وجارك لديه بقرة، فتعطيه بعض الخبز ليعطيك بعض اللبن، وهكذا كانت تجري الصفقات الاقتصادية. فلماذا شعر الإنسان إذًا أنه بحاجة للنقود؟

يرجح العلماء أن النقود وعلى اختلاف أشكالها كانت موجودة في آخر 3 آلاف سنة، وما قبل ذلك كانت المقايضة. كانت الصفقات التجارية عبارة عن تبادل مباشر للسلع، ومع الوقت بدأت تتميز بعض السلع وتتحول لما يشبه العملة، مثل جلود الحيوانات أو الملح أو حتى الأسلحة، وعلى الرغم من اختلاف القيمة من مكان لآخر فإن الشكل العام كان موجودًا.

صورة توضح نظام المقايضة – مصدر الصورة مواقع التواصل

تعيد بعض الدراسات أول ظهور لما يشبه النقود الحالية إلى الصين، عام 770 قبل الميلاد، فقد لجأ الصينيون إلى نماذج مصغرة من الأسلحة والأدوات كي تُستخدم في التجارة وتنوب عن الأسلحة الحقيقية. ونتيجة لكون هذه الفكرة غير عملية، استُبدل بهذه المجسمات أغراض تشبه إلى حد كبير القطع النقدية التي نعرفها اليوم؛ مستديرة ومعدنية.

وعلى الرغم من ذيوع هذه الأغراض الشبيهة بالقطع النقدية؛ فإنها لم تكن قطعًا نقدية رسمية، فظهور القطع النقدية الرسمية كان في مملكة ليديا عام 600 قبل الميلاد، حيث جرى صك أول عملة رسمية على يد الملك ألياتس، وقد كانت مصنوعة من الإلكتروم، وهو سبيكة من الذهب والفضة موجودة بشكل طبيعي، وقد وضعت عليها الصور مثلها مثل القطع النقدية التي نراها اليوم.

لكن ظهرت بعض الدراسات التي تتحدث عن أن أول عملة رسمية كانت في بلاد الرافدين، حيث جرى صك الشلن قبل 5 آلاف عام. كذلك ورجحت دراسات أخرى أن أول عملة نقدية كانت في أرض الفراعنة حيث استخدموا ألواحًا ذهبية بوصفها عملة يجري وزنها ولها قيمة فعلية.

عودة للصين مرة أخرى ولكن هذه المرة مع الرحالة ماركو بولو، فعندما وصل الرحالة الإيطالي إلى الصين وجدهم قد انتقلوا من التعامل بالقطع النقدية إلى التعامل بالأوراق المالية، ويذكر أن الصين اتخذت هذه الخطوة في عام 700 قبل الميلاد، وعند زيارة ماركو كان الصينيون قد تمرسوا بالفعل في صنع الأوراق المالية، ومن هنا انتقلت فكرة استخدام الأوراق المالية إلى أوروبا.

والآن دعونا نأخذكم في جولة مع أشهر ثلاث عملات تاريخية أثرت في تكوين النقود في العالم بأسره، ونحكي لكم أيضًا عن «نقود السكاكين».

1. الدراخما اليونانية القديمة.. عملة الإسكندر الأكبر

يعود ظهور الدراخما القديمة إلى منتصف القرن السادس قبل الميلاد، وقد كانت من أقدم العملات التي ظهرت في التاريخ. في الأصل كانت عملة الدراخما توازي مجموعة من الأسهم، وقد اختلفت أحجامها من مكان لآخر. ومنذ حوالي القرن الخامس قبل الميلاد بدأت الدراخما الأثينية بالظهور والانتشار أكثر من غيرها، لتصبح فيما بعد الدراخما المعتمدة والتي يستخدمها اليونان أجمع.

نتيجة لغزوات الإسكندر الأكبر انتشرت الدراخما اليونانية في العصر الهلنستي بشكل كبير، وأصبحت من أشهر العملات المتداولة بين الناس. ويمكن القول إن الدراخما كانت النموذج الأولي الذي لجأ إليه المسلمون لصنع الدرهم، لكن مع سقوط اليونان في أيدي الغزاة الأجانب قل نفوذ الدراخما مع الوقت حتى اختفت تمامًا.

Embed from Getty Images

ظهرت الدراخما مرة أخرى عندما استقلت اليونان عن الدولة العثمانية، ففي بداية الاستقلال استخدموا عملة باسم «فينيكس» أي العنقاء، لكنها لم تدم لوقت طويل، واستُبدل بها الدراخما مع صورة الملك أوتو أول ملوك اليونان الحديثة في عام 1832، ونُقشت بومة على الجانب الآخر لتكون نسخة من العملات القديمة. لكن في 2002 استُبدل بالدراخما اليونانية اليورو (العملة الأوروبية الموحدة) لتصبح العملة الرسمية في اليونان.

2. الديناريوس الروماني.. أصل الدينار الإسلامي

بدأ صك الديناريوس الروماني منذ عام 211 قبل الميلاد، واستمر متداولًا حتى القرن الثالث الميلادي؛ إذ كان الديناريوس هو عمود الإمبراطورية الرومانية مترامية الأطراف. سبق الديناريوس بعض العملات مثل الديدراخم، والجنيه الروماني، والكوادريجاتي، وقد سميت «الكوادريجاتي» نسبة إلى عربة الأحصنة الرومانية الشهيرة. لكن هذه العملات لم يكتب لها النجاح، عكس الديناريوس الذي جرى صك الملايين والملايين منه.

Embed from Getty Images

وعلى عكس الدراخما اليونانية، امتلك الديناريوس الروماني وزنًا ثابتًا رغم اختلاف الشكل. إلا أن الوزن قد اختلف في عصر الجمهورية الرومانية عنه في عصر الإمبراطورية الرومانية؛ إذ إنه في عصر الإمبراطورية أضيف له النحاس وقلت قيمته. لكن هذا لم يضعف موقف العملة من كونها الأكثر تأثيرًا في الأسواق في ذلك العصر، وبناء على ذلك انتهجت العديد من الدول الأوروبية النهج نفسه واستخدمت الديناريوس نموذجًا لصك عملتها الخاصة.

كذلك وبسبب القرب الجغرافي بين الإمبراطورية الرومانية وبين العالم الإسلامي؛ ظهر الدينار محاكيًا للديناريوس، مع اختلاف الشكل بالطبع؛ إذ كانت تطبع صور الآلهة الرومان على العملة، في حين أن هذه الصور استبدل بها عبارات مثل «لا إله إلا الله» و«الله أكبر».

كذلك فمن أكبر الاختلافات هو أن الديناريوس الروماني كان يصك من الفضة، في حين أن الدينار كان يصك من الذهب، بينما الدرهم كان يصك من الفضة. وجدير بالذكر أنه بعد فتح الأندلس استخدمت بعض الدول الأوروبية الدينار عملة نتيجة للتجارة مع الأندلس والممالك الأندلسية.

3. الفلورين الفلورينسي.. عملة الأثرياء

في عام 1252 بعد الميلاد ظهرت عملة جديدة في فلورنسا، فبعد 500 عام من العملات الفضية ظهرت عملة ذهبية باسم الفلورين. هذه العملة الجديدة كانت قيِّمة للغاية فلم تكن تستخدم للمعاملات اليومية، بل عادة ما كان يُستخدم الفلورين في التجارة الدولية. وما ساهم في ارتفاع قيمة الفلورين هو النظام البنكي الخاص بفلورنسا المدينة التجارية الشهيرة التي تقع على ضفاف نهر أرنو في وسط إيطاليا.

فمع انتعاش اقتصاد المدينة القائم على التجارة انتعشت العملة الذهبية وهيمنت فلورنسا وعملتها على اقتصاد البحر المتوسط بجانب جنوة، وبيزا، والبندقية.

المصدر

حافظ الفلورين على شكله وتصميمه على مدار ثلاثة قرون؛ إذ احتل شعار زهرة الزنبق الشهير وجه العملة ورسم القديس يوحنا المعمدان على الوجه الآخر، والذي عدته فلورنسا راعيًا لها. ومع انتشار الفلورين بدأت إنجلترا وفرنسا بتقليد العملة الذهبية، بل أصبحت كلمة فلورين هي الكلمة الدارجة للعملة الذهبية.

ولكن هذا التقليد أدى لصنع نسخ رديئة من الفلورين مما أضعف قيمته، كذلك أدى اكتشاف مناجم فضة جديدة في أنحاء أوروبا إلى عودة سيطرة الفضة في صنع العملات؛ مما جعل الفلورين يتراجع أمام الخصم الأرخص والأوفر في الصنع.

4. أموال السكين.. الحاجة أم الاختراع

في خلال القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد، ظهر في الصين ما يعرف بـ«أموال السكين»، وهي سكاكين فعلية لكنها ترمز لقيمة معينة، وتستخدم لتدفع بها مشترياتك وكأنها نقود فعلية.

هذه السكاكين المصنوعة من النحاس أو القصدير أو الرصاص، جرى استعمالها بشكل كبير في الصين والسبب وراء ظهورها ليس مؤكدًا، فكثرت الأساطير حول حقيقة استخدامها عملة فعلية، فقد كان البدو والصيادون يستخدمونها، لكن متى جرى اعتمادها عملة فعلية؟

مصدر الصورة

تقول أشهر الأساطير إن أميرًا من الأمراء كان قد قارب على الفَلس، ولم يعد قادرًا على دفع رواتب الجند، فسمح لهم باستخدام السكاكين شكلًا من أشكال المقايضة مع القرويين، ومع مرور الوقت ذاعت الفكرة وانتشرت في الأرجاء وأصبحت أموال السكين عملة مقبولة على نطاق واسع.

بل تطور الأمر، فأصبحت تنقش على السكاكين رموز لتوضيح قيمتها، فمثلًا تنقش سمكة أو خروف، لتوضح أن هذه السكين تساوي خروفًا. وقد عثر على بعض أموال السكين التي استخدمت في مناسبات خاصة مثل تولي سلالة حاكمة جديدة.

وعلى الرغم من اختلاف أشكالها وأحجامها فإن أموال السكين أدت الغرض المطلوب منها وجرى اعتمادها لفترة طويلة،  عُثر على كثير منها فيما يعرف اليوم بإقليم شاندونغ، لتكون أموال السكين وبحق من أغرب ما جرى اعتماده عملة للمقايضة والتجارة!

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
«جولدمان ساكس» أو الفوضى.. مصاص الدماء الذي يتحكم في أموال العالم

المصادر

تحميل المزيد