ظل تاريخ المغرب القديم، قبل الحقبة الإسلامية، مجهولًا إلى حدٍّ كبير، ولم يحظ باهتمام المؤرخين إلا في عهد الاستعمار، حيث انكب العديد من المستشرقين الأوروبيين على دراسة الآثار المتواجدة في المنطقة، من مستحاثات وبقايا ومخطوطات، سهّلت إضاءة أجزاء مظلمة من تلك الحقب الغابرة في التاريخ.

وتخبرنا الدراسات العلمية، أن وجود الإنسان الحديث على أرض المغرب، يعود إلى جذور عميقة في تاريخ البشر (الهوموسابيان)، المقدر عمره بـ200 ألف سنة تقريبًا.

وفي عام 2003، عثر فريق من العلماء على مستحاثة بشرية بجبل «إيجود»، قرب مدينة مراكش، وبعد دراستها، تبيّن أنها ترجع إلى 160 ألف سنة ماضية، وتعود لطفل عمره سبع أو ثماني سنوات، لا يختلف تشريحيًّا عن إنسان اليوم، كما ذكرت مجلة «PNAS» الصادرة عن الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية، في مقالة علمية نشرتها آنذاك.

ويعتبر العلماء هذا الدليل الأثري، البداية الأولية لاستقرار الإنسان الحديث في شمال أفريقيا، بعدما ظهر لأول مرة في إثيوبيا قبل 190 ألف سنة، علمًا بأن حفرية «سالي» العائدة لإنسان «الهومو إريكتوس»، قد اكتشفت، قبل 400 ألف سنة ماضية.

العصر الحجري القديم في المغرب

تعود هذه الحقبة إلى ما بين 20 ألف و130 ألف سنة ماضية، ويعود أقدم آثار صنعها إنسان في المغرب لتلك الفترة، وهي عبارة عن قطع حجرية يقترب شكلها من الشكل الكروي، غير أنها مضلعة ومتعددة الزوايا في الحواف، تم إيجادها بموقع «عرباوة» شمال سهول المغرب، ودوار «الدوام» قرب مدينة الرباط، وموقع «قرديجة المرجلا» بنواحي غابة المعمورة. كما وجدت رسومات سطحية في كهوف بالمغرب، مثل مغارة «الهرهورة» ومغارة «دار السلطان».

يقول رشيد الناضوري، في كتابه «المغرب الكبير»، إن ساكني المغرب في تلك الفترة كانوا يعيشون مرحلة جمع الثمار، ويستقرون بالكهوف والعيون والأودية، وصنعوا أدوات حجرية مدورة وفؤوس يدوية، كما استعملوا الأخشاب والجلود والعظام وبيض النعام، كما بدأ الإنسان يرسم مجسمات تنم عن بداية إدراكه للبعد الميتافيزيقي.

العصر الحديث في المغرب

يحدد علماء الآثار هذا العصر في 1600 قبل الميلاد، تميز بظهور الزراعة واستقرار الإنسان بعد أن كان مترحلًا، وعرفت الفترة أيضًا بتدجين الحيوانات، وصناعة الخزف، واستعمال الفؤوس الحجرية المطورة، كما بدأ يظهر مجتمع القرية، وظهرت مماليك بدائية لحضارة الأمازيغ، علاوة على بروز البعد الديني.

ويستدل المؤرخون على هذه السمات بحفريات أثرية تمت سنة 1984، بموقع «كهف تحت الغار» قرب مدينة تطوان، وكشفت استقرار مجموعات بشرية، وقبل ذلك سنة 1980 تم العثور على بقايا إنسان وأوانٍ خزفية، وأوانٍ من العاج وحلي من العاج، في مقبرة الروازي بمدينة الصخيرات، مثلما عثر على تمائم مشكلة من درع سلحفاة، ومقابر تحتوي متوفين مع حاجيات بكهف «آشكار».

تلت هذه الحقبة عصر المعادن، عندها سيظهر استعمال ساكني المنطق لمعدن النحاس، والحديد، والبرونز.

الحضارة الفينيقية

يرجع المؤرخ بلينيوس بدايات تواجد الفينيقيين بالمغرب إلى حوالي نهاية القرن الثاني عشر ق.م.، تتسم هذه الحقبة بظهور مجتمع الحضارة، وتطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والمعمارية، حيث استوطن الفينيقيون السواحل المتوسطية لشمال أفريقيا، بعدما نزحوا من فلسطين.

تميزت الحضارة الفينيقية بتجارتها الواسعة وملاحتها البحرية وانفتاحها مع الأمم الأخرى، فكانت لها روابط وطيدة مع الحضارة الإغريقية حينئذ، وكانت منطقة أكادير -وهي كلمة فينيقية تعني القلعة- أول مستعمرة لها في المغرب في القرن الثامن قبل الميلاد.

كما لم يعرف لدى الحضارة الفينيقية حضور سياسي بقدر ما كان لها نشاط تجاري، إذ إن  المناطق غير الساحلية بالمغرب بقيت بعيدة عن السيطرة الفينيقية، حيث كانت تعيش القبائل الأمازيغية على الرعي والزراعة.

الفترة البونيقية

في الوقت الذي كانت فيه الحضارة القرطاجية تحكم تونس وأجزاءً من الجزائر، خلال القرن الخامس قبل الميلاد، كانت ثلاث حضارات تحكم المغرب، دمجت بين الفينيقيين والبربر، وهم الموريون الذين كانوا يعيشون في أقصى الغرب، ومملكة نوميديا التي كانت تحكم الوسط والشرق، في حين كان الجيتيليون يسيطرون على الصحراء.

ظهر التأثير القرطاجي القادم من الفينيقيين في هذه الحضارات الثلاث التي اقتسمت المغرب، وبدا ذلك جليًا في عادات الدفن وما يصحبه من طقوس، وانتشار اللغة البونيقية.

الحضارة الرومانية

دخل الإغريق في صراع مرير مع القرطاجيين، طوال القرن الثالث، وانتهت المعركة بتدمير الرومان قرطاجة سنة 146 قبل الميلاد، وألحقت الحضارة الرومانية مملكة نوميديا المستقرة بالمغرب داخل إمبراطوريتهم، فيما بقيت المملكتان الأخيرتان شبه مستقلتين.

وجلب الرومان معهم معارفهم ونظمهم الاقتصادية والسياسية والعمرانية، التي ورثوها من حضارة أثينا، وقاموا بتهيئة مدن عديدة على النمط الروماني، مثل تمودة، وطنجة، وتاموسيدة، وزليل، وبناصا، ووليلي، وشالة. وأنشؤوا مراكز عسكرية تطل على البحر، وعرف المغرب في هذه الفترة انفتاحًا نحو التجارة مع بلدان البحر الأبيض المتوسط.

غير أن مملكة النوميديين ثارت ضد الرومان، ودخلوا معهم في حرب أهلية لعقود، إلى أن تخلت الإدارة الرومانية عن مناطق المغرب باستثناء سلا وأكادير سنة 258م، ثم تلاشى الوجود الروماني بشكل تام من المغرب خلال القرن الخامس الميلادي.

شهدت المنطقة حالة من المدنية، وتطور النشاط الزراعي والتجاري خلال هذه الفترة، كما انتشر الدين المسيحي بالمنطقة، بالرغم أيضًا من أن الفينيقيين كانوا قد أسسوا مراكز حضارية على السواحل، إلا أنها لم تضاهِ حضارة روما.

الحضارة الإسلامية

استغرقت الحملات الإسلامية لدخول المغرب نصف قرن من المعارك مع البربر، وكان الأدارسة أول من يؤسسون دولة إسلامية في المغرب سنة 788 ميلاديًّا، على يد إدريس بن عبد الله، الذي جاء البلاد فارًا من بطش الأمويين في مكة، واحتضنته قبيلة آوربة الأمازيغية، واستقر بوليلي الرومانية.

وبعد انهيار دولة الأدارسة، جاء المرابطون القادمون من قبيلة صنهاجة الصحراوية، وبنوا دولتهم سنة 1069م، وعاصمتها مراكش، وتمكنوا من الوصول إلى مجمل شمال أفريقيا والأندلس بحلول 1086م. ليأتي المهدي بن تومرت، من قبائل مصمودة بالأطلس، ويطيح بدولة المرابطين، متهمًا إياها بالخروج عن العقيدة الصحيحة، ليؤسس دولة الموحدين سنة 1147م، التي حازت شمال أفريقيا والأندلس.

ثم جاء المرينيون سنة 1269م، ولم يحكموا سوى قرنين، وبعدهم السعديون سنة 1525م، الذين اشتهروا بانتصارهم الساحق على البرتغال في معركة وادي المخازن، لتأتي الدولة العلوية على يد الشريف مولاي رشيد بتافيلالت سنة 1664، المستمرة حتى اليوم.

هكذا يمتد الوجود الحضاري بالمغرب إلى جذور ضاربة في التاريخ، حيث شهد العديد من المجتمعات البشرية، التي تطورت حياتها الاقتصادية والسياسية والدينية جيلًا بعد جيل، كما عرف توافد حضارات مختلفة، سواء عن طريق التجارة أو الحملات العسكرية، غرست جذورها في البيئة المحلية، وسمح له موقعه الجغرافي أن يكون محط تأثر من قبل حضارات ما وراء أفريقيا، وما بعد البحر الأبيض المتوسط.

عرض التعليقات
تحميل المزيد