علاء الدين السيد
علاء الدين السيد

19,436

الحاسوب الأول في العالم، والذي يعود اختراعه لأكثر من 2000 عام، لم يستخدم من قبل الإغريق كأداة فلكية، لرسم حركة الشمس والقمر والكواكب فقط، وإنما كان أيضًا جهاز يتنبأ بأقدارهم في المستقبل، هذا ما اكتشفه باحثون في دراسة جديدة مثيرة.

أول حاسوب في العالم

هو آلة حاسبة فلكية عمرها أكثر من 2000 عام، تدعى ميكانيكية أنتيكيثيرا، عبارة عن نظام من التروس البرونزية المعقدة، يرجع تاريخها إلى حوالي العام 60 قبل الميلاد، واستخدمها الإغريق لتتبع كسوف الشمس وخسوف القمر.

وتمت عملية استرجاع هذه الآلة من بين حطام سفينة، اكتشفت قبالة جزيرة يونانية تدعى أنتيكيثيرا، وذلك في عام 1901، ولكن دراسة طويلة، استمرت لعدة عقود، أعلنت الآن فقط عن نتائج جديدة تخص هذه الآلة. فبينما كان الباحثون يركزون مجهوداتهم سابقًا على الآليات الداخلية، فإن الدراسة تحاول الآن فك رموز النقوش الدقيقة، على الأجزاء المتبقية من الأسطح الخارجية لها.

وقال مايك إدموندز، أستاذ الفيزياء الفلكية في جامعة كارديف في ويلز، وهو جزء من فريق المشروع البحثي، إن ما هو مؤكد بخصوص الآلة هو أنها آلية لعرض الكواكب، بالإضافة إلى أنها تبين موقع الشمس والقمر في السماء. ولكن من أجل إنتاج مرآة للسماء، قام مهندسو هذه الآلة الغريبة بتقديم رغبة أقل، فيما يتعلق بالعلم البحت، فهناك فضول دائم لهؤلاء الرجال، حول ما يخبئه المستقبل.

وقال إدموندز، الذي عمل على المشروع لنحو 12 عامًا، إن فك رموز النقوش، ألقى الضوء على أمر مثير للاهتمام، ألا وهو «لون الكسوف القادم». وذكر إدموندز، خلال عرض علمي له، في العاصمة اليونانية أثينا: «نحن لسنا متأكدين تمامًا من كيفية تفسير هذا، لكي نكون منصفين، ولكن يمكن لهذا الأمر أن يعيدنا إلى الوراء، إلى اقتراحات سابقة، تشير إلى أن لون الكسوف كان نوعًا من نذير أو إشارة، فبعض الألوان قد تحمل إشارات، تدل على مستقبل أفضل، على عكس الألوان الأخرى».

هذا يعني أن هؤلاء المهندسون الإغريق القدماء استخدموا آلة معقدة، من أجل التنبؤ بلون الكسوف الشمسي أو القمري القادم، مما يعطيهم دلالات وإشارات على أمور جيدة أو سيئة، قد تحدث في المستقبل. وأضاف إدموندز أنه إن كان هذا هو الحال، وإن كان تفسيرنا لهذا الأمر صحيحًا: «فإن هذا هو المثال الأول لدينا، فيما يتعلق بآلية أي ذكر حقيقي لعلم استطلاع النجوم «علم التنجيم»، بدلًا من علم الفلك»، واستدرك بأنه بالرغم من ذلك، فمن الواضح أن الهدف الرئيسي للحاسوب كان فلكيًا، أي يتعلق بعلم الفلك، وليس تنجيميًا.

وكان من المفترض أن النصوص، المنقوشة على الحاسوب، موجودة باعتبارها دليل إرشادات، لمساعدة المستخدم على فهم كل النقاط والأوجه المختلفة، ما من شأنه أن يعلمه عن الكون الذي يعيش فيه، وأيضًا حول كيفية الحياة، وذلك من خلال دورات الزمن المرتبطة بها حياته، طبقًا لما قاله ألكسندر جونز، أستاذ التاريخ في معهد لدراسة العالم القديم في نيويورك.

جهاز فريد من نوعه

ويقول الباحثون إن الحاسوب ربما قد جرى إنتاجه على جزيرة رودس، لكنهم لا يعتقدون كونه جهازًا «فريدًا من نوعه»، بالمعنى المألوف، أي أنهم يؤمنون أنه فريد من نوعه بمعنى «الوحيد الذي تم العثور عليه»، لكنهم يعتقدون بوجود أجهزة أخرى مشابهة، لم يعثر عليها بعد.

وتشير الاختلافات الطفيفة في النقوش، الموجودة على هذا الحاسوب، إلى اشتراك شخصين على الأقل في صناعته، ومن المحتمل اشتراك آخرين في صناعته أيضًا وإنتاج تروسه المعدنية. وفي هذه النقطة يشير إدموندز إلى أن الحاسوب ربما يعود تصنيعه إلى ورشة تصنيع صغيرة، بدلًا من شخص واحد بمفرده.

جهاز آلية أنتيكيثيرا، يوصف الآن بأنه أول كمبيوتر تناظري في العالم، يعود زمنه إلى أكثر من 2000 عام، واكتشف عام 1901، في حطام سفينة غرقت قبالة الجزيرة اليونانية، التي تحمل الاسم نفسه. كما أن هناك أكثر من 12 قطعة من الأدب الكلاسيكي، امتدت على مدار الفترة من حوالي 300 قبل الميلاد، إلى 500 بعد الميلاد، تشير جميعها إلى وجود هذا النوع من الأجهزة، الشبيهة بجهاز أنتيكيثيرا.

ويعتبر هذا الجهاز أيضًا بمثابة آلة حاسبة، يمكن أن تقوم بعمليات الجمع والضرب والقسمة والطرح، كما أنه قادر أيضًا على المواءمة بين عدد من الشهور القمرية مع السنوات، بالإضافة إلى عرضه لموقع الشمس والقمر في البروج. وذكر أستاذ التاريخ، ألكسندر جونز، أن الحاسوب احتوى على بعض العيوب، لكنه حقق، على الرغم من ذلك، لقطة واضحة فيما يتعلق بالمعرفة الفلكية، البسيطة في ذلك الوقت.

وأضاف: «إذا ما نظرت في السماء، فإنك سترى الجسم الأساسي لما كان يعرضه الجهاز، بشكل تقريبي لما هو موجود في الحقيقة، إلا أنه لم يكن دقيقًا جدًا». ومن غير الواضح ما الذي حدث لهذه التكنولوجيا، ليجعلها تندثر، فتعقيدها الميكانيكي لم يظهر له أي مثيل، إلا بعد مرور ألف عام على الأقل، وذلك حتى ظهور ساعات القرون الوسطى، في الكاتدرائيات الأوروبية.

علم الفلك عند الإغريق

وقد بدأ علم الفلك عند الإغريق، منذ عام 600 قبل الميلاد تقريبًا، إذ طور العلماء والفلاسفة الإغريق عددًا من الأفكار الفلكية، مثل ما اعتقده العالم الشهير فيثاغورث، أحد أبرز علماء القرن السادس قبل الميلاد، من أن الأرض كروية الشكل، وأيضًا محاولاته لشرح طبيعة الكون وتركيبته ككل، ليطور أحد أقدم الأنظمة الكونية.

في عام 370 قبل الميلاد، صمم العالم يودوكسوس أوف كنيدوس نظامًا ميكانيكيًا، لشرح حركة الكواكب، وقال إن الكواكب والشمس والقمر والنجوم تدور حول الأرض. وفي القرن الرابع قبل الميلاد، أدخل العالم أرسطو نظرية مركزية الأرض، في نظامه الفلسفي.

واقترح عيراقليدس أوف بونتس، في نفس القرن، أن الحركة الظاهرية للأجرام السماوية، ناحية الغرب، تعود في الحقيقة إلى دوران الأرض حول محورها، في اتجاه الشرق. واعتقد أيضًا أن عطارد والزهرة يدوران حول الشمس وليس الأرض، ليأتي في القرن الثالث قبل الميلاد، العالم أريستاركوس أوف ساموس، ويقول إن دوران الكواكب، بما فيها الأرض، يتم حول الشمس، وأن الأرض تدور أيضًا حول محورها. وعلى الرغم من أن هيراقليدس وأريستاركوس كانا سابقين لزمانهما، إلا أن أفكارهما لم تستطع احتلال مساحة نظرية مركزية الأرض، الراسخة بشدة في حينها.

تعليقات الفيسبوك