شهد العالم أجمع أمس الجمعة حفل افتتاح «أولمبياد طوكيو 2020» -لم يجرِ تغيير السنة وسيجر عقد الدورة القادمة بعد ثلاث سنوات، أي عام 2024- في العاصمة اليابانية، بعد أن تأجل لعام كامل بسبب وباء كورونا الذي اجتاج العالم، ما أدى إلى تأجيل الحدث الرياضي الكبير.

وقد شرعت اليابان في تنظيم الحدث الرياضي الأضخم في العالم هذا الصيف رغم كل التحديات التي لم تتغير، إذ لم يجر القضاء على الفيروس المستجد ولم تغطّ اللقاحات التي وافقت منظمة الصحة العالمية على ترخيصها للاستخدام الطارئ، 70% من سكان الأرض، بل بدأت متحورات من الفيروس المستجد، في الانتشار، مما تسبب في زيادة عدد الإصابات وبالتبعية الوفيات!

وبالعودة إلى الحدث الرياضي الهام الذي يشهده العالم حاليًّا، فليست هذه المرة الأولى التي تُنظم فيها اليابان دورة الألعاب الأولمبية؛ بل سبق لها تنظيم الحدث التاريخي في ستينيات القرن الماضي، والذي وصفه علماء التاريخ والاقتصاد معًا بأنه كان أهم مُنعطف اقتصادي وسياسي في تاريخ اليابان، وحولها من دولة دمرتها الحرب؛ إلى العملاق الاقتصادي الذي نراه الآن.

ومع اختيار اللجنة الأوليمبية، مدينة طوكيو في سبتمبر «أيلول» 2013، لاستضافة أوليمبياد 2020، بلغت الآمال عنان السماء، وتكهن الجميع بما قد تحصده اليابان هذه المرة، لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن؛ وقلبت جائحة كورونا الأمور رأسًا على عقب، وتحول السؤال إلى: هل ستنجو اليابان من خسائر أولمبياد طوكيو 2020؟

في هذا التقرير نقدم لك قصة أولمبياد طوكيو في الستينيات، والذي غير اليابان للأفضل، ونحاول أن نجيب عن التساؤلات التي تدور حول ماهية نجاح الدورة الحالية اقتصاديًّا.

كيف انتشل «أولمبياد طوكيو 1964» اليابان من براثن الحرب العالمية؟

كانت دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في طوكيو عام 1964 بمثابة نقطة التحول التي غيرت رؤية العالم لليابان. فقبل 20 عامًا فقط من انعقاد هذه الدورة، كانت اليابان مُنهمكة في الحرب العالمية الثانية التي ورطت نفسها فيها ضد الولايات المتحدة الأمريكية عندما هاجمت ميناء «بيرل هاربر (Pearl Harbor)» وقتلت أكثر من 4 آلاف جندي وضابط ودمرت العديد من السفن والقطع البحرية، وهي الحادثة التي حركت الولايات المتحدة إلى محاولة غزو اليابان ومن ثم ضربها بالقنبلة النووية في الحادثة المعروفة تاريخية بقنبلة «هيروشيما وناجازاكي».

خرجت اليابان من الحرب مُدمرة بشكل أعادها مئات السنين إلى الخلف، من حيث الدمار في البنية التحتية والطرق والمنشآت ووسائل المواصلات على المستوى المحلي، والنظر إليها دوليًّا باعتبارها «محتلًا شريرًا» وقف في صف هتلر.

وعليه، كانت اليابان بحاجة إلى تحول كبير يصلح ما أفسدته الحرب محليًّا على صعيد البنية التحتية، وعالميًّا كي يغير العالم نظرته تجاهها، فجاء قرار اللجنة الأولمبية الدولية بمنح العاصمة اليابانية، فرصة تنظيم دورة الألعاب الأولمبية عام 1964؛ طوق نجاة.

Embed from Getty Images

الدمار والخراب في طوكيو إبان الحرب العالمية الثانية

لطالما كان تنظيم الألعاب الأولمبية للإمبراطورية اليابانية القديمة، حلم ومسعى حتى قبل انخراطها في الحرب. إذ كان من المفترض أن تُنظم الأولمبياد في طوكيو عام 1940؛ إلى أن سياستها العسكرية في التوسع واحتلال أراض ليست ملكها في قارة آسيا جعل اللجنة الأولمبية الدولية وقتها – تحت ضغط كبير – تسحب ملف التنظيم من اليابان وتلغي البطولة بشكل نهائي، خصوصًا بعد أن هددت بريطانيا وقتها بالانسحاب من المسابقة ومن اللجنة الأولمبية الدولية بشكل نهائي، اعتراضًا على احتلال اليابان أجزاء من الصين وقتها.

وبعد الحرب مباشرة، وعندما مضت اليابان قدمًا في إصلاح صورتها أمام العالم بمعاهدة السلام مع دول الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الثانية عام 1952 في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية؛ تقدمت الحكومة اليابانية على الفور بملفها لاستضافة الأولمبياد في صيف عام 1960، لكن الدمار الذي قد ألحقته المعارك بالعاصمة طوكيو جعلها غير مؤهلة لاستضافة هذا الحدث.

لم تيأس اليابان وتقدمت عام 1958 بملف استضافة دورة عام 1964، ونجحت بفارق كبير في التصويت مقارنة بالمرة الأولى، وأصبح الحلم البعيد على وشك التحقق.

وبالرغم من أن التحديات والعراقيل كانت كثيرة وصعبة؛ فإن اليابان كان لديها خطة شاملة للاستفادة من دعم اللجنة الأولمبية الدولية مع بعض الاستثمارات الدولية التي مكنتها من إحداث تطورات هائلة في وقت قصير جدًا.

كانت البداية في إصلاح شبكة الطرق البرية التي تتقاطع مع العاصمة، ثم إنشاء خطوط قطارات سريعة تربط بين كل نقطة في اليابان مع العاصمة طوكيو لتسجل الحركة داخل المدينة، وفي الوقت نفسه أدخلت الحكومة عددًا كبيرًا من الإصلاحات والتعديلات على مطار «هانيدا (Haneda)» الدولي في طوكيو والذي كان قد خُصص لاستقبال الزوار الدوليين والسياح فضلًا عن الوفود المشاركة في الدورة الأولمبية.

لكن أشهر إنجاز حققته اليابان وقتها؛ كان مشروع قطار «شينكانسن (Shinkansen)» أو المعروف بالقطار فائق السرعة أو «الطلقة» والذي كان أسرع قطار في العالم وقتها.

كانت الحكومة قد بدأت المشروع بالفعل في ثلاثينيات القرن الماضي باعتباره جزءًا من مشروع ضخم يربط الجزر اليابانية ببعضها البعض، لكن توقف العمل فيه وقت الحرب العالمية الثانية بسبب نقص الموارد؛ ثم جاء أولمبياد طوكيو 1964 وبث فيه الروح مرة أخرى وجرى إنجازه في قت قصير.

فاعلية الإطلاق الأول لقطار شينكانسن فائق السرعة في طوكيو عام 1964، مصدر الصورة: بي بي سي

وبجانب المواصلات، أشعلت الأولمبياد شرارة الثورة التكنولوجية اليابانية؛ فقد تمكنت اليابان بسبب هذه الأولمبياد من تطوير أجهزة الاتصال والتسجيل ومعدات توصيل وتوليد الكهرباء وأجهزة الراديو والكاميرات، إذ يكفي أن تعرف أن أولمبياد طوكيو عام 1964 كانت أول دورة أولمبية في التاريخ، تُذاع بالألوان على شاشات التلفزيون في العالم!

ويمكن القول بأن اليابان وظّفت أولمبياد طوكيو في الستينيات بشكل مثالي لتحقيق نجاحات قوية في الإطار الاقتصادي، فقد منحها الأولمبياد عوائد مادية ضخمة بجانب البنية التحتية القوية التي ساهمت في تحفيز الاستثمارات الأجنبية وتطوير المشروعات القومية.

أما على الصعيد الدبلوماسي؛ فقد تحولت اليابان من الإمبراطورية المعتدية إلى الدولة المسالمة التي استضافت العالم كله على أراضيها، وعلى المستوى السياسي الداخلي؛ وحد أولمبياد طوكيو آنذاك، طوائف الشعب الياباني بعد أن مزقتها الحرب.

تمويل الأولمبياد: مُقامرة مالية ضخمة لا تنجح دائمًا!

لا تعتمد المُسابقات الرياضية بشكل عام والدولية بشكل خاص على مصدر واحد للتمويل؛ لكن يمكن تلخيص مصادر التمويل في أربعة مصادر أساسية:

1- تمويل الدولة المنظمة.

2- تمويل واستثمارات اللجنة الأولمبية الدولية.

3- حقوق البث التلفزيوني.

4- الرعاة الآخرين الذين تسعى الدول المنظمة للحصول على تمويلهم من اليوم الأول لإعلان فوزها بتنظيم المسابقة، والذي غالبًا ما يسبق موعد التنظيم بفترة تتراوح من ستة إلى ثماني سنوات.

ودائمًا تسعى الدول المُنظمة للاستفادة من الألعاب الأولمبية في حصد تبرعات وتمويلات لتطوير بنيتها التحتية، فضلًا عن حصد أكبر قدر ممكن من الأموال السائلة من خلال السياح الذين ينفقون قدرًا كبيرًا في البلد المنظمة، في الإقامة ومستلزمات المعيشة وتذاكر مشاهدة الألعاب، لكن لا يعني ذلك أن كل الدورات الأولمبية تعود على الدولة المنظمة بمكاسب، بل تعود بخسائر في بعض الأحيان!

القيمة المالية التي حصلت عليها الدول بالتسويق للأولمبياد بين عامي 1993-2016، مصدر الصورة: ستاتيستا

فعلى سبيل المثال؛ كانت التكلفة الكلية لمشروع أولمبياد عام 2016 التي استضافتها العاصمة البرازيلية القديمة «ريو دي جانيرو»، حوالي 13 مليار دولار، ساهمت فيهم اللجنة الأولمبية الدولية بما يقدر بحوالي 1.5 مليار دولار، والباقي تكلفته الحكومة البرازيلية بالتعاون مع عدد كبير من الرعاة.

لكن للأسف وبخلاف بعض التجديدات الطفيفة في البنية التحتية؛ لم تحصد البرازيل أي مكاسب مادية بل لم تتمكن أن تحصد مقدار ما أنفقته، حتى أن بعض التقارير المالية اتهمت مسؤولين في الحكومة البرازيلية بالاختلاس؛ لأن الأرقام المالية الموثقة لصالح التجديدات تجاوزت التكلفة الفعلية وقتها بنسبة 25%.

وبالنظر إلى أولمبياد العاصمة الإنجليزية لندن، سوف نجد أن الميزانية التي تمكنت الحكومة الإنجليزية من توفيرها لتنظيم الفعاليات تخطت حاجز 14.5 مليار دولار أمريكي؛ بينما كانت العوائد 6.4 مليار دولار فقط تقريبًا. لكن التقارير أيضًا أفادت لاحقًا أن بنية لندن التحتية لم تستفد من المسابقة؛ باستثناء إستاد لندن الأولمبي الذي صُرف عليه مايقرب من 90 مليون دولار لتحويله إلى ملعب مجهز لاستضافة مباريات كرة القدم. 

وجدير بالذكر أن هذا الإستاد لم يدر أي عائد يذكر حتى الآن ولم يمثل أهمية حتى في مسابقات كرة القدم الإنجليزية، على عكس إستاد عش الطير الذي استضاف حفل افتتاح أولمبياد بكين عام 2008 والذي كلف الحكومة الصينية حوالي 423 مليون دولار؛ ثم تحول فيما بعد إلى مزار سياحي يمنح الاقتصاد الصيني ما يقرب من 110 مليون دولار سنويًا.

أولمبياد طوكيو 2020.. «أحلام الستينيات» قد تغتالها الجائحة

كما نعلم جميعًا، فقد أجبرت جائحة فيروس كورونا التي تفشت في العالم منذ العام الماضي، العالم كله على تغيير خططه، وألقت بظلالها القاتمة على أي فاعلية يمكن أن تُنجحها المشاركة الجماعية، لذلك ما كان من القائمين على البطولة الأولمبية في اليابان إلا اتخاذ القرار الصعب بتأجيل الدورة إلى العام الحالي 2021.

دولي

منذ 3 شهور
مترجم: كيف تُحول الصين أولمبياد بكين 2022 من حدث رياضي إلى بروباجاندا للتفوق؟

كان القائمون على البطولة العام الماضي يرون أن إقامة الدورة في وقت ذروة تفشي الفيروس سوف يكون له كُلفة عالية على مستوى الموارد والأفراد والسياسة أيضًا؛ إذ كان من الصعب أن يتحول العالم إلى الإغلاق الكلي أو الجزئي؛ ثم تأتي اليابان وتسبح عكس التيار وتنظم بطولة مجمعة يمكن أن يشارك فيها الملايين من الرياضيين والإعلاميين وممثلي الشركات بجانب العدد الضخم من الجمهور.

لكن تكلفة التأجيل كانت صعبة أيضًا وكلفت اليابان حوالي 650 مليون دولار أمريكي، بجانب 14 مليار دولار مولت بها اليابان عمليات التحضير والتنظيم للبطولة.

وقبل انعقاد الأولمبياد هذا العام؛ انتشرت الأقاويل وأثير الجدل حول أن الظروف التي أدت إلى تأجيل البطولة العام الماضي لم تتغير؛ بل أن انتشار المتحور الجديد الفتاك من فيروس كورونا «دلتا» يمكن أن يشكل خطرًا أكبر على سلامة المشاركين في حالة تفشيه بشكل قد يفوق خطر الفيروس الأصلي الذي ظهر في بداية الجائحة.

وهنا خرجت اللجنة الأولمبية الدولية وصرحت أن الفرصة الوحيدة لإقامة دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو هي هذا الصيف فقط، لأن دورة الألعاب في عام 2024 وعام 2028 جرى بالفعل الإعلان عن تنظيمهما في كل من باريس الفرنسية ولوس أنجلوس الأمريكية على الترتيب.

لذلك أصرت اليابان على إقامة الأولمبياد هذا الصيف؛ وقدمت في سبيل ذلك بعض التنازلات؛ أهمها إقامة الفعاليات بدون جمهور وعدم السماح للسياح الأجانب بالدخول إلى اليابان وقت البطولة كما هو معروف في البطولات الدولية.

في البداية وقبل انفجار الجائحة الفيروسية في منتصف عام 2019؛ أعلنت اللجنة الأولمبية اليابانية طرحها 7.8 مليون تذكرة لمتابعة أحداث وفعاليات الدورة الأولمبية، وكان الطلب في البداية مرتفعًا بشكل مفاجئ؛ مما دفع اللجنة المنظمة إلى زيادة عدد التذاكر إلى 9 مليون، وقدرت مكاسب اليابان المحتملة وقتها من البطولة على نحو 16 مليار دولار؛ لكن جاءت الجائحة وانهار كل شيء.

انسحب عدد كبير جدًا من الرعاة من تمويل ورعاية المسابقة قبل انطلاقها بأيام بسبب قرار منع الجمهور؛ وبخاصة الجمهور الأجنبي، وأشار تقرير نشره القسم المالي في وكالة «سي أن أن (CNN)» أن خسائر البطولة التي افتتحت أمس فقط وصلت حتى الآن إلى 800 مليون دولار بسبب عدم حضور جمهور. 

وجدير بالذكر أن مسابقات الألعاب الأولمبية قد بدأت قبل حفل الافتتاح بيومين وبنهاية اليوم الثالث وصلت الخسائر إلى هذا الرقم؛ ما يعني أن كل يوم نظمت فيه الألعاب بدون جمهور خسرت اليابان حوالي 266.7 مليون دولار!

وإذا افترضنا أن الخسارة سوف تستمر حتى نهاية الدورة في نهاية الأسبوع الأول من أغسطس (آب) القادم، فمن المتوقع أن تصل الخسائر إلى 4.8 مليار دولار أمريكي، وهو ضعف الرقم المحتمل الذي نشره موقع «ستاتيستا» في تقريره عن الخسائر التي قد تتكبدها اليابان حال منع الجمهور من الحضور والتي قدرها التقرير على نحو 2.4 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سناريوهات خسائر اليابان الذي توقعها موقع ستاتيستا في يناير الماضي، مصدر الصورة (Statista)

لكن ماذا سوف يحدث في الأيام القادمة؟ هل تمتلك اليابان خطط بديلة لتعويض تلك الخسائر؟ لا نملك إجابة عن هذه الأسئلة، لكن إن كانت اليابان هي الأخرى لا تمتلك إجابة أيضًا فقد يُصاب الاقتصاد الياباني بشكل سلبي؛ لا سيما وأن جائحة كورونا كبدت الحكومة اليابانية خسائر وصلت إلى 6.6 مليار دولار من الموازنة العامة للدولة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد