بعد نحو نصفٍ قرنٍ قضاها السُلطان قابوس على العرش بعد انقلابٍ أبيض قاده على أبيه عام 1970؛ رحل ثالث أقدم حاكمٍ على وجه الأرض. السُلطان العجوز – الراحل – الذي عاش وحيدًا بلا زوجة أو ابن، كان قد وضع تقليدًا جديدًا في الدستور العماني عام 1996، لاختيار خليفة من بعده، عبر مظروفٍ مُغلقٍ به اسم الشخص الذي اختاره السلطان لخلافته، في حال لم ينجح الديوان السُلطاني في حسم قراره خلال ثلاثة أيام، في تعدٍ واضحٍ على حق العائلة المالكة في اختيار من يخلفه، كما أنّ قابوس أبقى على اختياره سريًّا لسنواتٍ، ليضمن سُلطته طيلة فترة حياته.

ومن بين أكثر من 80 مرشحًا مؤهلًا للعرش، كان يُنظر إلى ابن عمه، أسعد بن طارق السعيد، على أنه الخليفة المُحتمل في المظروف السري؛ كونه الممثل الشخصي للسُلطان طيلة 18 عامًا، لكنّ المفاجأة حملت أخا أسعد غير الشقيق إلى العرش؛ وزير التراث العماني هيثم بن طارق السعيد،  الذي كان بعيدًا عن دوائر السياسة.

التقرير التالي يوضح لك طبيعة نظام الحكم الشمولي في السلطنة الهادئة الذي أسسه قابوس، والمتوقع أن يسير عليه السُلطان الجديد العجوز – 66 عامًا – الذي بدأ حُكمه للتو قائلًا: «سنسير على نهج قابوس».

لا جديد في عُمان.. قابوس يحكم حتى بعد وفاته

تصف مجلة «إيكونوميست» الهيمنة الطاغية للسُلطان قابوس قائلةً: «إذا كنت أحد سكان عاصمة عُمان الساحلية «مسقط»، فإنك في الغالب ستقود سيارتك على شارع السلطان قابوس، وتمر بمسجد السلطان قابوس الكبير، وقد تمر أيضًا بميناء السلطان قابوس، وقد تكون خريجًا من جامعة السلطان قابوس، وتشاهد مباراة كرة قدم في مجمع السلطان قابوس الرياضي، وذلك قبل أن تعود إلى بيتك في مدينة السلطان قابوس، والتي هي أحد أحياء العاصمة».

مراسم تنصيب السلطان هيثم بن طارق:

لكنّ السُلطان الذي انقلب على أبيه، وعزل دولته خارجيًّا، وعذّب مُعارضيه، قاد لعقود نوعًا خالصًا وخفيًّا من الاستبداد داخل العائلة المالكة؛ فبينما يمنح الملك في السعودية للأسرة الحاكمة توزيعًا مناسبًا للمناصب والوزارات طبقًا للأعراف الملكية السائدة في تقاسم الحُكم؛ فالسُلطان قابوس على العكس، جمع كل مقاليد الحكم بشكل مطلق في يده من دون توزيع للسلطة.

وعلى هذا يجد السُلطان العُماني الجديد نفسه سلطان البلاد، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير الدفاع، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزير المالية، ووزير الشؤون الخارجية، ورئيس المجلس الأعلى للتخطيط، ورئيس البنك المركزي، إلى جانب السُلطة الكبرى التي حظي بها، عبر وجود اسمه في مظروف سري كتبه قابوس بخط يده، وهو القرار نفسه الذي لم يستطع مجلس العائلة المالكة مخالفته رغم عدم مرور ثلاثة أيامٍ كما ينص الدستور.

ولا يبدو أنّ السُلطان العجوز الجديد سيتحرك على نحوٍ يتنازل فيه عن صلاحياته المُطلقة التي ورثها من سلفه؛ فخلال مراسم التنصيب، أعلن السلطان هيثم بن طارق آل سعيد بأنه سيسير على النهج نفسه الذي سار عليه قابوس في الشأن الداخلي والخارجي، وحتى الخطط الاقتصادية ذاتها. في إشارةٍ سرية ربما إلى وضع العائلة المالكة التي تشهد حاليًا تصاعد تيار «الصقور» من الشباب الذي وُلد بعد تولي قابوس العرش عام 1970، ويرى صعود نظرائه إلى السُلطة في كل من قطر والإمارات والسعودية.

والدستور الذي وضعه قابوس عام 1996 لا يسمح بوجود الأحزاب السياسية، ولطالما عمد قابوس إلى صنع شعبيته عبر الطريقة التقليدية والعِقد الاجتماعي المعروف لدى حُكّام الخليج القائم على الدعم السخي الذي تقدمه الحكومة للمواطنين مقابل عدم المطالبة بالكثير من الحقوق.

ورغم الهدوء الصاخب الذي تحظى به عُمان إقليميًّا ودوليًّا؛ فإن منظمة «هيومان رايتس ووتش» لطالما أشارت إلى الاستبداد الناعم الذي يحكم السلطنة عبر القوانين الفضفاضة التي تستهدف النشطاء المطالبين بالإصلاح، إلى جانب السيطرة الكاملة على الصحافة، وإغلاق الصحف المحلية المستقلة التي تنتقد الحكومة.

سياسة

منذ 3 سنوات
قابوس.. العجوز الذي تخشى موته إيران وأمريكا

ويمكن القول بأن طريقة إدارة قابوس لبلاده أثّرت حتى في المذهب الإباضي الذي تدين به السلطنة، والذي يوصف بأنه أول مذهبٍ ديمقراطي في الإسلام، خاصة أنهم رفضوا التوريث في عهد الدولة الأموية. فالظروف التاريخية التي نشأ على أساسها المذهب الإباضي «رفض التوريث، وجواز الخروج على الحاكم» لم تعد شرطًا أساسيًّا عند المُجددين، واللافت أن سلالة أحمد بن سعيد التي تحكم عُمان منذ عام 1741 ما زالت في الحُكم إلى اليوم، دون تدخل من السُّلطة الدينية، ما قد يعني أنّ السُّلطة الدينية قد أبرمت اتفاقًا مع السلطة الحاكمة للالتفاف على قاعدة مذهبية أصيلة.

وبينما تنص المادة الخامسة من الدستور العماني على أن «نظام الحكم سلطاني وراثي في الذكور من ذرية السيد تركـي بن سعيد»، فإنّ السُلطان الجديد يختلف عن قابوس في أنّ له أربعة أبناء إلى جانب عدد من الإخوة المتنافسين على العرش، أبرزهم أسعد وشهاب بن طارق إخوة السُلطان نفسه، ما يعني أن محاولة تمرير ولاية العهد إلى أحد أبنائه قد يتطلب توظيفًا جيدًا للسُلطة الدينية. وسبق لمفتي السلطنة الحالي أحمد الخليلي حين سُئل عن التوريث الذي يرفضه المذهب الإباضي بأن أجاب: «لا بد من أن تراعى مصلحة الأمة، وإذا اقتضت مصلحة الأمة ذلك فمن الممكن أن يورث الحكم».

إرث قابوس الثقيل.. هل تصمد سياسة «جيران بلا مشاكل»؟

تقع سلطنة عُمان جغرافيًّا في رقعةٍ مُلتهبة في منطقة الخليج والشرق الأوسط عبر إطلالها على ثلاثة بحار (بحر العرب، بحر عمان، والخليج العربي) وتمتد سواحلها على أكثر من 3 آلاف كم من مضيق هرمز الذي يمر منه خُمس إنتاج العالم من النفط، بينما يبلغ سكان السلطنة نحو 4.7 مليون نسمة، يشكل الوافدون 43.7% منهم حسب مركز الإحصاء العماني.

ورغم أنّ المذهب الإباضي نفسه يُجبر السُلطان الجديد على الحياد العلني، عبر مواد الدستور الذي يحظر الانضمام إلى التحالفات الأجنبية خارج دول الخليج، فإنّ قابوس وضع إرثًا ثقيلًا لدولته تمثل في كونها «سويسرا الشرق»، و«جنيف» الشرق الأوسط الموثوق بها عالميًّا؛ لأن على أرض قابوس كانت دومًا تلتقي كل الخصوم، وهي السياسة التي منحت قابوس في الداخل شعبية جارفة.

وسياسة «جيران بلا مشاكل» التي انتهجها قابوس، وسيتبعها السُلطان الجديد؛ ستُمكّنه من الحفاظ على جني مكاسب اقتصادية من إيران، وعسكرية من الولايات المتحدة، وسياسية من الخليج، لكنها قد تودي به مُجددًا إلى صدام مع الرياض التي تحمل إرثًا ثقيلًا من العداء المكتوم مع السُلطان العُماني.

وتمثلت أكبر طعنة تلقتها السعودية من عُمان، في اللقاءات السرية التي نظمتها مسقط بين دبلوماسيين وقادة أمنيين من إيران والولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2013؛ للتفاوض بشأن الوصول إلى أرضية مشتركة، وهو ما نتج منه اتفاق «جنيف» الذي أسفر عن اتفاق إيران النووي في عام 2015، والذي كان بمثابة هزيمة كبيرة للسعودية التي سعت لإقناع الولايات المتحدة بشن هجمات على إيران لتجريدها من سلاحها النووي.

الأزمة السورية كان لها نصيب آخر من الوساطة العُمانية؛ فمسقط رفضت التصويت على إيقاف عضوية «سوريا الأسد» من الجامعة العربية، وبالرغم من فرضها منذ نوفمبر عام 2011، فإنّ السعودية كانت تأمل في «توحيد» الصف العربي بقرار واحد ضد الأسد.

وفي الوقت الذي كانت تضغط فيه السعودية للتدخل العسكري من أجل حل الأزمة، كان وزير الخارجية السوري وليد المعلم يتجه لمسقط عام 2015، في أول جولة خليجية يقوم بزيارتها منذ الأزمة؛ لإيجاد مخرج دبلوماسي، ثم تلاه زيارة وزير الخارجية العماني، وهو ما أغضب السعودية حينها، التي وجدت نفسها مرة أخرى خارج الصورة.

ويمكن القول بأنه لطالما أظهرت السياسة العُمانية الناعمة نفسها مُنافسًا شرسًا غير مُعلن للرياض، وبحسب ما نقلته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية عن مصادر داخل البيت الأبيض، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينظر إلى عُمان على أنها الشريك الفريد الذي يُمكنه إعادة ترتيب سياسات الشرق الأوسط على خلاف الرياض.

4 ملفات ستحدد سياسة السُلطان الجديد

بوفاة قابوس تتفتح أربعة ملفات عالقة ستحدد سياسة السلطنة الجديد وهي: «موقفها من القضايا الأساسية لمجلس التعاون الخليجي، ودورها في الملف اليمني، وعلاقتها مع إيران، وتعاطيها مع ملف المصالحة الخليجية».

وقد سبق لعمان أن رفضت علانية إنشاء الاتحاد الخليجي، وألمحت بصورة غير مباشرة إلى إمكانية خروجها من مجلس التعاون الخليجي، وهو ما أغضب السعودية، التي رأت آنذاك في السلطنة الصغيرة «شوكة» تقف أمام سياساتها. وتنتظر حاليًا دول الخليج من السُلطان الجديد حضور المؤتمر القادم لدول مجلس التعاون الخليجي الذي قاطعه قابوس منذ عام 2011 لأسبابٍ تعلقت بمحاولات إسقاط حُكمه.

ففي الوقت الذي أظهرت فيه السعودية والإمارات استعدادًا كبيرًا لإجهاض الثورات العربية، كانت التظاهرات العربية الوحيدة التي كان للإمارات أيد خفية في دعمها وإشعالها، هي الاحتجاجات العُمانية ضد نظام السلطان العجوز الراحل في 2011.

أمّا الملف اليمني، فُـ«عمان قابوس» كانت ترفض الحرب والانفصال، والسلطنة وقتها دفعت صحافييها للحديث عن ضرورة تدخل بلادهم للتوسط لإنهاء الحرب التي لم تحقق أهدافها بعد، في إشارة إلى تباطؤ الدور السعودي في إنهاء الحرب. وتمثلت البداية في دعوة عُمان كل أطراف الأزمة – عدا السعودية والإمارات – في لقاءات سرية للوصول إلى تسويات جادة، وبعثت رسائل إلى الغرب مفادها أنها القادرة على الوصول لتسوية.

ويبدو جليًّا للمتابعين، الدور المنتظر الجديد لعمان في اليمن التي تمتلك علاقات مفتوحة مع الحوثيين والحكومة اليمنية، بعدما بدت بوادر فشل اتفاق «الرياض» الأخير الذي رعته السعودية بين الحكومة اليمنية المعترف بها مع «المجلس الانتقالي الجنوبي» المدعوم إماراتيًّا لإنهاء الصراع في الجنوب للتفرغ لقتال الحوثيين.

وتجدر الإشارة إلى أن عُمان أيضًا منزعجة من الوجود السعودي الإماراتي في محافظة المهرة التي تتقاسم حدود واسعة مع السلطنة، وهو ما دفع قابوس وقتها للتحرك إجباريًّا للتهديد والتدخل علانية، بعدما فشلت سياسة الحياد.

الملف الثالث يتمثل في علاقة السُلطان الجديد مع إيران، وسبق لعمان التي يدين أكثر من 70% من أهلها بالمذهب الإباضي أنّ صرحت في وقتٍ سابق بأنه ليس من مصلحتها التدخل في الصراع «السني – الشيعي»، وهو أيضًا أحد الأسباب المنطقية وراء إعلان «حيادها» الدائم للصراع الإيراني الخليجي، لكن بعيدًا عن السياسة، فعُمان ترى طهران أهم شريك اقتصادي لها.

وخلال العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، استفادت عُمان كثيرًا من عُزلة جارتها عن طريق إنعاش اقتصادها، وتستهدف السلطنة حاليًا وصول الشراكة التجارية لها مع طهران إلى أفق 5 مليار دولار، بعدما كانت 873 مليون دولار عام 2013.

مجتمع

منذ سنة واحدة
5 معلومات مهمة قد لا تعرفها عن المذهب الإباضي

وتأتي المصالحة الخليجية على رأس الملفات التي ستحدد سياسة السُلطان الجديد؛ فقابوس عمد منذ الساعات الأولى لكسر الحصار وإفشال سياسات السعودية والإمارات، فبينما اتخذت «الحياد» شعارًا لها في مواقفها الرسمية، لكن خُطواتها الفعلية كانت أبعد من ذلك بكثير.

بعدما أعلنت (السعودية والإمارات ومصر والبحرين) قطع العلاقات مع قطر في يونيو (حزيران) عام 2015، وقررت إغلاق كافة المنافذ الجوية والبحرية والبرية، توّجه وزير الخارجية العُماني للدوحة في زيارة غير مُعلنة، ثم سارعت بلاده لفتح خطين ملاحيين تابعين لها بين ميناء حمد ومينائي صحار وصلالة لكسر الحظر البحري، وأعلنت بعض شركات القطاع الخاص العماني استعدادها لتقديم الدعم اللوجستي للشركات القطرية المستوردة للمواد الغذائية، وهي خطوة أثارت غضبًا مكتومًا؛ لأن من شأنها أن تفسد خطط المملكة.

وعُمان التي يرى البعض أنها باتت اليوم في نفق مجهول بعد وفاة السُلطان، الذي ترك إرثًا ثقيلًا لخليفته الذي ظل اسمه سرًّا كبيرًا أقلق الجميع لسنوات؛ يبدو أنها لن تتأثر كثيرًا، خاصةً وأن السُلطان قابوس رسم نهج المملكة وسياساتها حتى بعد رحيله، وأعلن السلطان الجديد أنه سيسير عليه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد