السلطان قابوس بن سعيد هو أقدم الحكام الذين ما زالوا على رأس السلطة في الوطن العربي، تولى حكم سلطنة عمان قبل 44 عامًا، وهو ثامن سلاطين أسرة البوسعيد، وينحدر نسبه من الإمام أحمد بن سعيد المؤسس الأول لسلطنة عمان.

يحكم في ظل نظام ملكي مطلق، فلا يخضع لرقابة من البرلمان أو القضاء، معتمدًا في ذلك على استيعاب كل عمان في “الدولة” واختزال “الدولة” في شخصه، فهو مصدر كل القوانين، وحسب المادة 41 من القانون الأساسي لعام 1996، هذا الشخص مصون (السلطان)، واحترامه واجب، وقراراته يجب أن تطاع.

سافر مؤخرًا إلى ألمانيا للعلاج. ورغم إعلان البلاط السلطاني أن وضعه الصحي جيد إلا أن أصوات المتشككين بحالته الصحية في تزايد، وبذلك يزداد القلق على مصير عمان التي حكمها السلطان قابوس لمدة طويلة، خصوصًا مع عدم وجود ابن يخلفه.

“ساسة بوست” في التقرير التالي تقف على مصير سلطنة عمان بعد قابوس:

 

كيف كان حكم قابوس لسلطنة عمان؟

رغم أن السلطان قابوس تخرّج في أكاديمية “ساندهيرست” العسكرية الملكية في بريطانيا، إلا أنه لم يتأثر بالنظريات السياسية الغربية، وبقي رافضًا لاستحداث منصب ولي العهد، محافظًا على سلطاته السياسية بقبضة من حديد، إذ يحرص على تفرّده بالقرار السياسي، وتأمين عرشه من محاولات الانقلاب الناعمة، وهو الرجل الذي جاء إلى الحكم عبر الانقلاب على والده عام 1970، كما كان يتجنّب إثارة القلاقل بين أفخاذ أسرته التي توارثت حكم البلاد لأكثر من 240 عامًا.

ويعتبر البروفسور أندرياس كريغ، أستاذ جامعة “كينغز كوليج” في لندن والخبير في الشؤون الخليجية، أن السلطان قابوس تمكن من إقامة نظام حكم مستبد للغاية، حتى بالمقارنة مع المملكة العربية السعودية، وله صلاحيات التدخل المباشر في أغلب الوزارات. وإذا كانت الوزارات في السعودية موزعة بين أفراد قلائل من الأسرة الحاكمة، فإن الأمر يختلف بالنسبة لعمان، إذ “لا يوجد أي توزيع للسلطة حتى بين أفراد الأسرة الحاكمة”.

لذا يرى جورجيو كافيرو، مدير معهد دراسات دول الخليج، أن جمع كل السلطات في يد واحدة هو ما قد يساهم في تعقيد موضوع خلافة السلطان. ويؤكد كافيرو، في تصريحات لموقع”Al-Monitor”، “إن وجود كل السلطات في يد قابوس يؤدي إلى تكهنات بشأن عدم وجود شخص قوي ثان يعتمد على شرعية مشابهة لشرعية السلطان”. ويعني ذلك أن من الصعب على أي شخص الحكم تحت الظل القوي للسلطان قابوس.

كيف كانت السياسة الخارجية لقابوس؟

لقد أصبحت السلطنة تحت حكم قابوس لاعبًا مستقلاً وهادئًا في السياسة الخارجية في المنطقة، غالبًا ما توسطت عمان بين القوى الغربية وبين طهران،  فعقب التطور الكبير في النقل البحري وانهيار تجارة الرقيق في سلطنة عمان، تضاءلت حظوظ عمان المالية؛ ما أتاح لقوى خارجية مثل إيران والمملكة المتحدة والولايات المتحدة أن تمارس نفوذًا أكبر على مسقط، كان الهدف الرئيسي لعمان هو حاجتها الاحتفاظ باستقلالها وسط جيران أكبر كثيرًا وأقوى كثيرًا.

لقد رُسم تاريخ عمان بواسطة نجاح قابوس في الحفاظ على التوازن بين جيرانه الأقوياء: السعودية وإيران، ولاحقًا أسهم تأسيس المملكة العربية السعودية واكتشاف احتياطيات النفط في المملكة، في تعزيز موقف الأخيرة مقارنة بإضعاف موقف عمان.

هل من الممكن حدوث خلاف داخل الأسرة الحاكمة بعد وفاة قابوس؟

يمثل غياب قابوس مشكلة كبيرة للشعب العماني الذي اعتبر عمان هي قابوس وقابوس هو عمان، وكذلك مشكلة بالنسبة للأسرة الحاكمة، فغياب خليفة واضح لقابوس يجعل المحللين والدبلوماسيين يتوقعون حدوث اقتتال داخل الأسرة الحاكمة، وخصومات قبلية وانعدام استقرار سياسي. ويخشى كثيرون في البلاد التي يبلغ عدد سكانها 3 مليون نسمة من اندلاع صراع داخل الأسرة أو بين جماعات رئيسية داخل النظام حين لا تعود السيطرة في قبضة السلطان قابوس.

وتنص المادة 5 من القانون الأساسي، أنّ على الأسرة الحاكمة أن تختار سلطانًا جديدًا خلال ثلاثة أيام من شغور المنصب، ويقول سياسيون مقربون من أسرة بن سعيد، إن هناك توافقاً داخل الأسرة الحاكمة على أنها في حال فشلت في الوصول إلى توافق، فإن عليها فتح وصية يتركها السلطان قابوس، تحتوي على اسم الوريث القادم، أما المسموح لهم بحضور فتح الرسالة والتصديق عليها، فهم أعضاء مجلس الدفاع، الذي يضم مسؤولين عسكريين وأمنيين كبارًا، ورؤساء المحكمة العليا، ورئيسي المجلسَين الاستشاريَين.

وتنقل وكالة “رويترز” عن أكاديمي عماني القول: “أن هناك خطرًا من انقسام وشجار داخل الأسرة الحاكمة. يمكن أن يدعم الجيش مجموعة وأجهزة الأمن مجموعة أخرى وهنا يمكن أن يظهر تحد للخليفة، الاحتمال قائم”.
وأوضح التقرير الإخباري لـ “رويترز”  أن السلطان قابوس ليس له أخ أو أبناء وأنه قد طلق زوجته بعد زواج لم يدم طويلا، ولا توجد أحزاب سياسية في عمان كما أن التشكيك في حق عائلة آل سعيد في الحكم من المحرمات، كما لا يوجد اقتسام للعمل مع أعضاء آخرين بالأسرة فالسلطان قابوس هو رئيس الوزراء ويتولى حقائب مهمة في الحكومة منها الخارجية والدفاع.
وقال عضو بارز بالأسرة طلب عدم نشر اسمه لرويترز: “إنه اتفاق غير معلن ألا نتحدث عن الأمر (الخلافة) لأننا متى تحدثنا سيحدث انقسام فوري وسيبدأ صراع على السلطة مباشرة”، في حين قال شيخ قبيلة من وسط عمان: “قابوس وحد القبائل المتناحرة وأجرى مصالحة للخلافات الطائفية وتغلب على تمرد في الجنوب وبنى الدولة الحديثة خلال بضعة عقود”، معربًا عن خشيته من عدم الاعتراف بالسلطان القادم وأن تعود أشباح الماضي.

من هو المرشح الأقوى؟

كما هو معروف، ليس للسلطان قابوس أخ أو أبناء، في حين تشمل الأسرة الحاكمة ما بين 50 و60 ذكرًا مؤهلا لتولي منصب السلطان، ولكن لا يوجد مرشح واضح، ولم تجر مناقشات رسمية داخل الأسرة حتى الآن لتحديد خليفة للسلطان.

ومع هذا فإن أفضل فرصة لتولي حكم سلطنة عمان خاصة بأبناء عمومة السلطان قابوس الثلاثة وهم أسعد وشهاب وهيثم بن طارق آل سعيد، ويرى بعض الخبراء أن أسعد -62عامًا- هو المرشح الأقوى لأنه يتمتع بدعم الجيش، حيث قاد القوات المسلحة العمانية لعدة سنوات ويشغل الآن منصب الممثل الشخصي للسلطان قابوس،  أما شهاب -57 عامًا- فهو قائد متقاعد بالبحرية، وهيثم -55 عامًا- وزير مخضرم للتراث القومي والثقافة عمل سابقًا في وزارة الخارجية. ويقول أكاديمي أن ما يؤثر على الإخوة الثلاثة سلبًا هو أن جميعهم لهم أعمال تجارية. وحين تكون لك مصالح تجارية يكون لك أعداء.

كما ترجح كفة  فهد بن محمود آل سعيد -66 عامًا – نائب رئيس الوزراء منذ عام 1983 الذي تلقى تعليمه في جامعة السوربون بباريس وهو متزوج من فرنسية، حيث أنه ليس له أي مصالح تجارية ويتصرف كفرد من عائلة ملكية. ومن بين الأسماء المرشحة لخلافة قابوس أيضًا، يوسف بن علوي، الذي تولى حقيبة الشؤون الخارجية للبلاد منذ 1994، وكان من أوائل أبناء الأسرة الحاكمة الذين تواصل معهم قابوس بعد توليه للسلطة، وأوفده لتمثيل البلاد في محافل رسمية عديدة، فيما ورد اسم الشاب تيمور بن أسعد (34 عاماً) في إحدى وثائق ويكيليكس عام 2011، كاسم مرشح ليتولى منصب ولاية العهد في عُمان، وهو ابن ابن عم السلطان قابوس.

ويعتقد الخبراء أنهم في حالة حكم السلطنة من أحد هؤلاء فإنهم لن يغيروا سياسة السلطان قابوس التي تنطوي على الموازنة بين مصالح إيران والسعودية ومصالح الدول الغربية بتوفير منشآت عسكرية للولايات المتحدة وبريطانيا.

ماذا عن السياسية الخارجية لعمان وما هو مصيرها بعد قابوس؟

سعي قابوس لاتباع سياسة خاصة جعلته حليفًا منذ فترة طويلة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، كما عمقت عمان علاقاتها الاقتصادية مع القوى الآسيوية، بما فيها الصين والهند وباكستان، وسعى قابوس للموازنة بين كل هذه الأطراف في علاقته الخارجية، فحافظ على علاقات ودية مع الجهات الفاعلة والمؤثرة جميعها تقريبًا في المنطقة، وسعى بمهارة لموازنة مصالحهم المتعارضة ضد بعضها البعض.

وأبرز ما يميز العلاقات الخارجية لعمان عن دول الخليج العربي هي العلاقة الفريدة من نوعها مع إيران سواء كانت تجارية أو سياسية، كما أنه بسبب قرب عمان من إيران لعبت مسقط دورًا في نزع فتيل التوترات بين إيران والغرب والحلفاء الغربيين ودول مجلس التعاون الخليجي.

وجاء التقارب الإيراني العماني على وجه التحديد على حساب علاقة عمان بالمملكة العربية السعودية، لذا فإن السعوديين على وجه الخصوص قلقون من أن تصبح عمان بعد وفاة قابوس – مثل اليمن – ملاذًا آخر للقوى المتطرفة على طول حدودهما الجنوبية، ومن الطبيعي أن تؤثر عملية انتقال السلطة في عمان على  دول الجوار والعمل السياسي داخل مجلس التعاون الخليجي، بقيادة السعودية التي تتطلع لتأمين موقفها في منطقة الخليج العربي، وإيران التي تحرص على استمرار مواقفها تجاه دول المنطقة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد