عادة ما تلتزم سلطنة عُمان الحياد والصمت حيال تطورات المنطقة العربية والإقليمية، مستندة بذلك إلى سياساتها في عدم التدخل بشؤون الآخرين، والانضمام لطرف على حساب آخر، حتى لو كانت اللحظات التي تمر بها الدول حرجة جدًا.

فعملية “عاصفة الحزم” التي تديريها حتى اللحظة السعودية بالتعاون مع التحالف العربي المشترك أواخر مارس الماضي لضرب معاقل الحوثيين في اليمن، وعلى الرغم من انضمام كافة دول الخليج إليها، فإن سلطنة عُمان وقفت محايدة متجنبة انتقال الصراع إلى أراضيها.

لكن، وعلى الرغم من العلاقات المتوازنة التي تحافظ عليها الدولة مع الدولتين المتصارعتين السعودية وإيران، واشتداد الأزمة بينهما داخل اليمن، يجري الحديث بضرورة تدخل طرف عربي محايد لرأب الصدع بينهما، فالسلطنة قد تكون المرشحة لاستقبال حوار قادم يحسم الخلافات.

وجود عُمان وسيطًا في الخلافات بين الدولتين الجارية على أرض اليمن، يفتح جملة من التساؤلات حول رفضها المشاركة في “عاصفة الحزم”، واحتمال دخولها كوسيط متوازن بينهما، فضلًا عن طبيعة العلاقات التي تحكمها مع السعودية وإيران.

أولاً: لماذا لم تشارك سلطنة عُمان في عملية «عاصفة الحزم»؟

المتحدث باسم عملية “عاصفة الحزم” أحمد عسيري

ثارت الكثير من التحليلات والسيناريوهات مؤخرًا عن أسباب عدم مشاركة السلطنة في العملية، رغم أنها من ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، وثاني دولة تشترك في حدودها مع اليمن، فهي ترى ضرورة تجنب المخاطر والصراعات، لذلك تنأى بنفسها عن التدخل.

وتتبنى عُمان رؤية مغايرة للسعودية بشأن الأزمة اليمنية، حيث لم تنقل سفارتها من العاصمة صنعاء إلى عدن كما فعلت باقي دول مجلس التعاون الخليجي، وتحرص على التواصل مع الطرف الآخر للصراع المتمثل في جماعة الحوثيين ومن ورائها إيران.

لذلك، فهي تركز حاليًا على الإغاثة الإنسانية، وهي حريصة على ألا يتحدث أحد عنها بأنها تنتصر لطرف دون آخر.

أما أبرز الأسباب التي دفعت السلطنة لعدم المشاركة فهي كالتالي:

1- أن لديها سياسة ثابتة في عدم التدخل في شؤون الغير، وعدم تدخل الآخرين في شؤونها، وبالتالي تلتزم الحياد والصمت.

2- يتعلق الأمر برغبة مجلس التعاون أن يُبقي عُمان بوابة تفتح على أطراف الصراع في اليمن، كما حدث في الحرب العراقية الإيرانية، والغزو العراقي للكويت، وغزو التحالف الدولي للعراق بعد ذلك.

وهذا يعني أن تكون عُمان معبرًا لأي مفاوضات متوقعة، والتي لا بد منها في النهاية، فلا يمكن أن يطلب أي طرف من عمان التوسط لإنهاء الصراع، إذا كانت ضمن التحالف.

3- يكمن في أن حدود عُمان الجغرافية تتلامس مع اليمن في الجنوب، وهذا قد يسبب لها الإحراج في حالة المشاركة في العملية، خصوصًا في ظل وجود عوامل القربى والتداخل الجغرافي، والمصالح الاقتصادية.

4- ترتبط السلطنة مع طهران بعلاقات وثيقة، وهذا ما أثار تساؤلات المراقبين دومًا، وهي ترغب بأن تكون طهران أيضًا بوابة للتفاوض أو توجيه الحوثيين بضرورة عدم التفرد والاستبداد على الأرض اليمنية، والانخراط في المشاركة السياسية.

فضلًا عن أنها تشكل بعلاقتها هذه ورقة ضغط على طهران، في حالة عدم نجاح هذه العملية أو تأجيل الحسم فيها، أو رغبة الأطراف بالجلوس إلى مائدة المفاوضات، كي تتمكن من أن تدفع جهود كل الأطراف نحو الحل.

ثانياً: هل تدخل عُمان طرفًا موازيًّا لرأب الصدع بين السعودية وإيران؟

ملك سلطنة عمان قابوس بن سعيد خلال تهنئته نظيره السعودي سلمان بن عبد العزيز تولي الحكم

ثمة من يرى أن عُمان في الوقت الحالي تتعامل مع متغيرات المنطقة وفقًا لإستراتيجيات ثلاث، هي الاستفادة من مكانتها كطرف محايد لتصبح الجسر الرئيس بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع طهران، إلى جانب تكثيف التعاون الأمني مع الغرب.

وبعد أن فشلت كل المحاولات بين الأطراف المتصارعة لإيجاد حل سلمي داخل اليمن، يطوي سنين من صفحات الانقسام، رغم الوساطات الأممية والخليجية أيضًا، أصبح من الضرورة البحث عن أطراف محايدة.

فالإعلان مؤخرًا عن وقف عملية “عاصفة الحزم”، والبدء بـ”إعادة الأمل”، مهدت الطريق لتحركات دبلوماسية بشأن حل الأزمة اليمنية المتفاقمة، حتى باتت عُمان محورًا أساسيًّا في الاتصالات الدولية الساعية للوصول إلى حل، نظرًا لعلاقاتها المتوازنة مع جميع الأطراف.

وترى عمان أن هذه العلاقات تزيد من فرص لعبها دور الوسيط لتسوية الأزمة، وبالفعل قامت بمحاولة في هذا الاتجاه قبل بدء حملة “عاصفة الحزم”، حين عرضت مسقط على السعودية خطة سياسية في إطار المبادرة الخليجية، عبر نقل الحوار اليمني إلى السلطنة.

ويشار عند هذه النقطة تحديدًا، أن بعض دول الخليج العربي ترى ضعفًا عمانيًّا داخل مجلس التعاون الخليجي، بسبب العلاقة السياسية القوية بينها وبين إيران، فضلًا عن رفض المجلس عروض الأخيرة بشأن استضافة الحوار اليمني– اليمني قبل أشهر تخوفًا من انحيازها للجانب الحوثي المتبني لتوجهات إيران.

لذلك، يرى المجلس أن عمان لم تقدم المأمول منها سياسيًّا، رغم قيامها كوسيط في تسوية آخر اتفاق بين الحوثيين وبقية الأطراف السياسية المسمى بـ “اتفاق السلم والشراكة الوطنية”.

لكن، ومع اشتداد حلبة الصراع داخل اليمن، يرى المراقبون بضرورة استثمار دول مجلس التعاون للتقارب العماني الإيراني، للضغط على الحوثيين، من أجل تراجعهم عما اقترفوه خلال الشهور الأخيرة، والتوصل لاتفاق يحل الأزمة الراهنة.

وبالتالي، قد تضطر دول الخليج إلى اعتماد السلطنة كوسيط لحل الأزمة اليمينة، واحتوائها ضمن حوار شامل، بعد أن بات الخطر العسكري والسياسي يلامس حدودها.

حتى إنها وجدت في الوقت نفسه أن السكوت عليه قد يؤدي إلى تهديد هذه المنظومة، أمام طموح الحوثيين الذين جاهروا بالكثير من نواياهم في منطقة دول المجلس.

فعُمان لا ترفض في الوقت الحالي الدخول على خط الملفات الساخنة بما يتفق مع رؤيتها لأمن المنطقة ويكرس استقلال قرارها دون النظر لأقاليم السياسة وإكراهات الاقتصاد، فهي المستقرة سياسيًّا واقتصاديًّا.

إضافة إلى احتفاظها بعلاقات قوية مع طهران، والعمل بجد على تبديد هواجس الغرب من مشروعها النووي من منطلق استراتيجية ترى أن وصل إيران خير من قطعها وأن استعداءها ليس في مصلحة الخليجيين ولا العرب.

خاصة وأنها استضافت عام 2013م محادثات سرية ومباشرة بين واشنطن وطهران حول البرنامج النووي كانت الأولى من نوعها في تاريخ البلدين منذ بينونة طلاقهما عام 1979م، وهي التي مهدت الطريق للوصول إلى اتفاق بين إيران ومجموعة “5+1” قبل شهر ونصف.

وبالتالي، تعزز دخول السلطنة كوسيط لحل الأزمة اليمينة وأطرافها المتصارعة السعودية وإيران بعد عودة السلطان قابوس بن سعيد من رحلة علاج بألمانيا والتي دامت ثمانية أشهر، فضلًا عن سحب أمريكا لجنودها من جنوب اليمن.

إلى جانب وصول المبادرة الخليجية لطريق مسدود بعد استيلاء الحوثيين على معظم المحافظات اليمنية ورفضهم الحوار مع الرئيس عبد ربه منصور هادي في العاصمة السعودية الرياض.

ثالثاً: ما السر في قوة الوسيط العُماني إقليميًّا ودوليًّا؟

دول مجلس التعاون الخليجي

يشار إلى أن عُمان بدخولها كوسيط بين الحوثيين والسلطة وبقية الأطراف السياسية المسمى “اتفاق السلم والشراكة الوطنية”، قد نجح في سبتمبر الماضي، فالتعويل عليها في الوقت الحالي ينبع من تجارب سابقة لها.

ويرى مراقبون أن الوسيط العُماني قد تحرك مؤخرًا بشكل نشط لردم الهوة بين السعودية وحلفاء إيران في اليمن، حيث إن الوساطة العمانية كانت قد قطعت في السابق شوطًا كبيرًا في هذا الاتجاه مع المسؤولين في المملكة السعودية قبل وفاة الملك عبد الله.

وبعد وفاته واصلت الدولة فتح قنوات تواصل بين الحوثيين والمملكة لاحتواء الأزمة الأخيرة، والخروج بجملة من التوصيات، لكن الأطراف المتنازعة لم تلتزم بذلك.

وتنبع خفايا قوة الوسيط العُماني لتسوية الملفات الشائكة في اليمن بين إيران والسعودية إلى تشارك البلدين في ضفتيْ مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره النفط الخليجي المصدَّر للغرب، والذي طالما هددت إيران بإغلاقه في حال نشوب حرب عالمية تستهدفها بقيادة الولايات المتحدة وإسرائيل.

وسياسيًّا، تعود بعض الأسباب لنسج مسقط علاقات قوية مع طهران إلى الخلافات الحدودية مع دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية، حيث لجأت إلى تقوية تلك العلاقة في الوقت الذي كانت فيه كافة دول الخليج تعتبر إيران العدو الأكبر لها في المنطقة.

وكما يرجع لعمان الفضل الأول في تخفيف العداء الغربي لإيران، لا سيما أمريكا وتحولها الواضح بشأن المفاوضات حول الملف النووي الإيراني، وفيما يتعلق بالقضية السورية والحرب على “داعش”، فضلًا عن لعبها دور الوسيط بين إيران وأمريكا.

رابعاً: ما طبيعة العلاقات العُمانية الإيرانية؟

الرئيس الإيراني حسن روحاني ونظيرة العماني السلطان قابوس بن سعيد

تعود بداية العلاقة خلال قيادة السلطان قابوس الطويلة للبلاد، إلى عام 1970، عندما قدم الشاه لعمان مساعدة عسكرية للقضاء على تمرد دام عشر سنوات في إقليم ظفار الشرقي، كما كان لقابوس دور بارز في استضافة مفاوضات إنهاء الحرب الإيرانية- العراقية في عام 1988.

وترتبط عمان بعلاقة قوية مع إيران أهلتها لأن تصبح حاضنة لعدة جولات من المفاوضات النووية، وعملت على تقريب وجهات النظر بين طهران والدول الغربية، في الوقت الذي ترفض فيه السعودية وحلفاؤها أي تعامل مع إيران، باعتبارها “العدو اللدود”.

وترجع قوة العلاقة العمانية الإيرانية لأسباب وعوامل تاريخية وسياسية عديدة، وتوطدت في السنوات الأخيرة، بعد أن اندلعت خلافات حدودية بين السلطنة من جانب، والإمارات والسعودية من جانب آخر، حيث لجأت عمان إلى تقوية علاقتها مع إيران.

حتى إنها وقعت مؤخرًا اتفاقيات تعاون عسكري مع إيران، شملت حصول طهران على تسهيلات لأسطولها البحري في الموانئ العمانية الواقعة على مضيق هرمز، ومذكرة تفاهم للتعاون الدفاعي بين الجانبين، وهي اتفاقية عسكرية فريدة من نوعها للتعاون الدفاعي بين دولة خليجية وإيران.

خامساً: كيف تبدو العلاقات العُمانية السعودية؟

الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز في لقاء الرئيس اليمني منصور عبد ربه هادي

وفي مقابل التقارب العماني الإيراني، تزايدت التوترات بين السلطنة والسعودية، وخاصة حول مستقبل مجلس التعاون الخليجي، وكانت عمان منذ سنوات عضوًا هامشيًّا في مجلس التعاون الخليجي.

وفي عام 2007، كانت أول بلد ينسحب من العملة الخليجية الموحدة، وعارضت منذ عام 2011، خطط السعودية لتحويل المنظمة إلى اتحاد خليجي.

لذلك، فإن المخاوف السعودية تأتي في سياق تحركات الحوثيين واستغلال إيران لقوتهم في زعزعة الأمن السعودي، وسط توقع بأن يضمن الاتفاق معالجة مثل تلك المخاوف أو حتى التقليل منها.

لكن ذلك، سيكون مقابله تسوية بعض الملفات الإقليمية في العراق وسوريا وربما البحرين مع الجانب الإيراني، بينما تظل مسألة تراجع السعودية عن تخفيض أسعار النفط العالمي شائكة بين الجانبين ولم يتم البت فيها حتى هذه اللحظة.

فالعداء التاريخي بين السعودية وإيران انعكس سلبًا على العلاقات مع سلطنة عمان، حيث إن الوساطة العمانية تأتي لكون السعودية أصبحت عاجزة بشكل واضح عن التعامل مع هذا الملف الشائك الذي يشكل لها مخاوف أمنية كبيرة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد